الاثنين، 5 سبتمبر، 2011

في تحليل القصيدة-مقال مترجم من الفرنسية بتصرف

في تحليل القصيدة

مقال مترجم من الفرنسية بتصرف



حسين عتروس - ليون

إن منهجية التحليل المقترحة ليست بالطبع الوحيدة في تحليل النص الشعري لكنها تمنح مزية الإسماع إلى لغة الشاعر. ما يجب علينا علمه أن الشاعر يستعمل لغة فريدة ليست لها أية علاقة بلغة النثر. إني أعتقد أنه من المناسب احتراما للشاعر أن نحلل هذه اللغة، و بعد ذلك نستطيع أن نكتشف المعاني المختلفة للقصيدة. إني عادة ما أقول مازحا أن الشاعر ليس لديه شيء يقوله بداية... لأن الشاعر إذا كان مقصده التبليغ قبل كل شيء لكفته ذلك لغة النثر...

المقال يتضمن قسمين، القسم الأول يعطينا مقاربة نظرية للطريقة المستعملة، أما القسم الثاني فإنه يسمح لنا بتطبيق المبادئ النظرية من خلال قصيدة للشاعر " بول فارلان " .

النظرية:

أ‌) مقدمة إلى مبدأ التكافؤ-1-:

1) نلاحظ أن اللغة الشعرية تعتمد في أغلب الأحوال على آلية الإعادة . النص الشعري يبنى في الحقيقة على عدد من التكرار الذي يمكننا أن نطلق عليه ( التكافؤ أو التعادل). و لكن لا ينبغي أن نخطئ في معنى كلمة )تكافؤ) و التي مرجعيتها لا تعود فقط على العناصر المتطابقة و لكن أيضا على بعض التشابهات. فمعنى كلمة( التكافؤ) لا تعني دائما التطابق في معنى نظام (التكافؤات)،

كما نلاحظ كذلك كلمات لها معان متضادة(نتكلم إذن عن تضاد دلالي-سميائي-) -2-

2) ما يمكننا أن نجده:

-تكافؤات بكل الإعتبارات :

بداخل البيت الشعري: مثلا إذا اكتشفنا كلمة (شمس) معادة مرتين أو في بيت شعري آخر الكلمتين (أحمر) و (أزرق) فإنه يمكننا في كل مرة الحديث عن تكافؤ. في الحالة الأولى يتعلق الأمر بإعادة للكلمة نفسها( خط دلالي-3- هو الصفاء). و في الحالة الثانية نكتشف كلمتين عندهما خط دلالي واحد ألا وهو اللون.

من بيت شعري إلى آخر: مثلا إذا اكتشفنا كلمة (ليل) في البيت الأول وفي البيت الثالث نكتشف كلمة (ظل) هنا كذلك نتكلم عن التكافؤ وخصوصا عن تضاد دلالي-سميائي- ) و في هذه الحالة يكون الخط الدلالي الجامع بينهما هو الظلام).

من مقطوعة-4- إلى أخرى: مثلا إذا اكتشفنا كلمة (شفاه) في المقطوعة الأولى ثم كلمة (عيون) في المقطوعة الثانية ومرة أخرى تعود كلمة شفاه في المقطوعة الثالثة فإننا نتكلم دائما عن التكافؤ

( فالكلمات الثلاث لها خط دلالي واحد هو أجزاء الجسم).

-تكافؤات على كل المستويات:

.صوتية-5- باعتبار الصوت

. وزنية باعتبار الوزن

.نحوية و صرفية

.دلالية معجمية-6-

ب) أربع حالات للتكافؤ:

1)علاقة التكافؤ على المستوى الصوتي:

إنه من البديهي أن المظهر الصوتي ليس له أثر كبير في عالم النثر، لكننا في الشعر نلحظ بروز هذا المظهر جليا للّغة من خلال نظام التكرار. هذا التجلي الصوتي على مستوى داخل الحقل الشعري يسحر الأذن( نتذكر هنا أناشيد الطفولة). نلاحظ كذلك في بعض الحالات أن هذه التكافؤات الصوتية يمكن أن يكون لها تورط على مستوى المعنى.

من الناحية العملية ذلك يعنى أن نقوم برصد كل المظاهر المتعلقة بالصوت من قافية ( شكل القافية أو نوعها)، الروي المستعمل و كل الأشكال الصوتية المتكررة و منها مثلا الروي الداخلي ]أو بمعنى آخر ما استعمله أبو العلاء في لزومياته أو ما كان في فن الموشحات حين نجد قافية أو رويا يعاد بين الصدر و العجوز في منتصف الشطر أو يكرر في عدة أبيات بعد ذلك[ أو بكل بساطة كلمتان لهما نفس الإنتهاء الصوتي...

و بعد ذلك نقدر هل هذه التكافؤات الصوتية لها علاقة بالمعنى مؤثرة فيه وبهذا هل كلمتان على نفس الإنتهاء الصوتي يمكن أن يقيما علاقة دلالية بينهما؟...

أؤكد أن تحليل القصيدة على المستوى الصوتي حساس للغاية، لأنه ينبغي أن نتجنب كل الإنحرافات البارزة على مستوى المعنى الذي يمكننا أن نعطيها لبعض الأصوات.

بكل اختصار من الأولى أحيانا عدم تأكيد حماقات، و الإقتصار على رصد و ملاحظة هذه الأصوات دون إلصاقها بمعانٍ محددة ]من ذلك مثلا جعل مد ألف عنوانا للسوائل أو دليلا على كلمة ماء ![ !

2)علاقة التكافؤ على مستوى الوزن و البحر:

]علاقة التكافؤ في الشعر العربي على مستوى الوزن محددة على مستويين

مستوى البحر ومستوى التفعيلة، المشكل منته في الشعر الموزون من العمودي و الحر أما قصيدة النثر فلا تخضع لهذا التحليل. لكن رغم ذلك نجد أن اختيار الوزن أحيانا له دلالات معنوية، بينما أنه بإمكاننا استكشاف التكافؤات التي يمكن أن تتواجد مثلا برصد حركة التفعيلة و ما تحملته من تغيرات فإذا جاءت التغيرات متوافقة بين بيتين قد يكون لهما تقارب أو تضاد معنوي، كما يمكننا رصد عدد المتحركات و عدد السواكن بين الأبيات للبحث عن هذه العلاقة التكافئية…[

3) علاقة التكافؤ على مستوى المعجمي و الدلالي :

ثلاثة أوجه في هذا القسم

- كلمة تعاد مرة أو مرات مثل حبّ

- معاني متكررة مثل بحر، محيط ...

- علاقة دلالية بين كلمات مختلفة مثل ضوء، نور، شمس...

4) علاقة التكافؤ على المستوى النحوي و الصرفي :

التكافؤات النحوية و الصرفية قد تحيلنا كذلك على بعض العلاقات الدلالية

-التكافؤات التركيبية والموضعية:

. طبيعة الكلمة من جانبها النحوي( فاعل، صفة، مفعول به...)

. تراكيب الجمل: إسمية، فعلية ، ]تفيد الإستفهام أو التقرير أو التوبيخ أو الخبر[...

-التكافؤات المرفولوجية أو الصرفية :

- طبيعة الكلمة من جانبها الصرفي و من حيث دلالتها العامة على الفعل أو الإسم أو الحرف و كذلك دلالتها على الزمن و الجنس و العدد

ملاحظة:

بالطبع هذا النوع من التحليل يبقى قاصرا دون ملاحظة الصور البلاغية و الجمالية للأسلوب وهذه بعضها : التشبيه، المجاز، الكناية ، الطباق،] أنواع الإلتفات[... و غيرها...

التطبيق: قصيدة "ظل الأشجار في النهر الضبابي"-7- لبول فارلان-8-

ملاحظة أولية:

عمليا أقترح دائما تحليلا على درجتين، الأولى تعتمد على ملاحظة اللغة عبر التكافؤات الأربع التي رأينا مع دراسة لنظام الأسلوب في النص الشعري و الصور البلاغية فيه ثم في الدرجة الثانية نقترح تأويلا دلاليا للقصيدة من خلال ملاحظاتنا الأولى للغة الشاعر فنحن إذن ننطلق من اللغة لنصل في النهاية إلى معاني القصيدة.

القصيدة:



ظل الأشجار في النهر الضبابي

يموت مثل الدخان

بينما في الهواء من بين التشابكات الحقيقية

تشكو الحمائم.

كم أيها المسافر هذا المنظر الشاحب

جعلك شاحبا أنتَ نفسك

فحزينة تبكي في الأسقف الكثيفة الأوراق

أحلامُك الغرقى

1- علاقة التكافؤ على المستوى الصوتي: ] يلاحظ المحلل [هنا عدة تكرارات لبعض الحروف و المقاطع الصوتية لبعض الكلمات – الفرنسية- داخل المقطوعتين ثم ينتقل إلى الدرجة الثانية وهي

2-علاقة التكافؤ على المستوى الوزني: تكرار التفعيلة في البيت السابع على نسق واحد، وهو البيت الوحيد الذي نجد فيه هذا التناغم و لذلك لا يمكن أن نتحدث عن علاقة تكافؤ.

نلاحظ أن الأبيات الآحاد هي على وزن " الألكسندران"] أحد أوزان الشعر الفرنسي[، أما الأبيات الزوجية] أي الواقعة ضمن الترتيب الزوجي لعدد أبيات القصيدة[ هي من وزن " هِبتاسيلابيك"

كما نلاحظ أن الأبيات الزوجية تميل نحو أطروحات نوعا ما تشاؤمية: يموت، تشكو، الشاحب، الغرقى.

كما يمكننا أن نجد مفارقة بين البيتين الأوليين من الآحاد و البيتين التاليين لهما على المستوى الزمني بين المضارع في" تموت" و " تشكو" و الماضي في " جعلك ". فالبيتان الأوليان لا يحيلان إلى أي شخص أما الأخريين فلهما إحالات إلى كاف المخاطب و ضمير "أنت".

-3علاقة التكافؤ على المستوى المعجمي و الدلالي:

- تكرار كلمة: شاحب، تكرار هذه الكلمة مرتين يوضح العلاقة القوية بين المنظر الطبيعي الخارجي و الإبتآس الداخلي للشاعر .

- كلمات ذات معنى واحد: غير موجودة بالنص

- علاقات دلالية بين كلمات مختلفة:

.ظل، نهر، التشابكات، الكثيفة الأوراق: فإن الخط الدلالي الجامع بينها هو الطبيعة

.تموت، الغرقى: الخط الدلالي الجامع بينهما هو الموت

.النهر، الغرقى: الخط الجامع بينهما هو الماء

.الهواء، الأسقف: الخط الجامع هو العلو

. ظل، شاحب، الدخان: هذه الكلمات الثلاث تحيل على حاسة البصر

.دخان، شاحب: هاتان الكلمتان تستوجبان عدم وضوح أطر الأشياء( فالمنظر الطبيعي يبرز غير واضح الأطر).

.ظل، حقيقية: هاتان الكلمتان تمنحان تعارضا دلاليا بين المنعكس و الملموس...

-4علاقة التكافؤ على المستوى النحوي و الصرفي

بالطبع على مستوى هذه العلاقة لا يمكننا التطرق إلى كل المظاهر النحوية و الصرفية. يتعين علينا إذن استخراج العناصر الأكثر أهمية.

أ‌- التكافؤات التركيبة:

. وظائف الكلمة

. بناء الجمل

لا نجد شبه الجملة إلا في الأبيات ذات الوزن " ألكسندران": " في النهر الضبابي"، "من بين التشابكات الحقيقية"، "في الأسقف الكثيرة الأوراق".

فشبه الجملة الثالثة هو إعادة لشبه الجملة الثانية، كما نلاحظ وقوع العامل بين الفعل و الفاعل في شبه الجملة الثالثة لأجل خلق جو من الكآبة. ونلاحظ أن التركيب الأخير كان ينبغي له أن يجيء كالتالي:

"كأحلامك الغرقى

التي تبكي فوق الأسقف الكثيفة الأوراق ".

كما أن شبه الجمل هاته لها مكان ترتيبي واحد في البيت الشعري حيث ترد لتختمه، أما من الناحية النحوية و الوظيفية فهي متغيرة...

ب-التكافؤات المرفولجية " الصرفية ":

. طبيعة الكلمة

. التكافؤ المعتمد على الصيغ الصرفية المتعلقة بالزمن و النسبة و الجنس و العدد.

-ليس هناك أي تلميح لضمير المتكلم أو المخاطب في المقطوعة الأولى عكس ما نجده في المقطوعة الثانية " ك" و " أنت".

- في المقطوعة الأولى نجد زمن الأفعال من المضارع بينما هو في المقطوعة الثانية من الماضي، هذا الإنتقال إلى الخطاب و من المضارع إلى الماضي له علاقة بعمق و كثافة التعبير

-نجد المفرد يهيمن في الأبيات: 1-2-5-6-

- ونجد الجمع يهيمن في الأبيات: 3-4-7-8

كما نلاحظ أن الأفعال تميل إلى إيجاد عناصر تعيين إذا نظرنا إلى فواعلها: الظل يموت/ الحمام يهدل/ الأحلام تبكي.

ملاحظة:

من ناحية الأسلوب و البلاغة نلاحظ الصور التالية

- الظل يموت: مجاز] استعارة[

- الظل يموت مثل الدخان: تشبيه

- المنظر الطبيعي شاحب: مجاز ] استعارة[ جمع بين الإنسان والطبيعة، المسافر يرتسم بالطبيعة

- أحلامك تبكي: مجاز] استعارة [ تجمع ضياع الأماني بالسائل.

- الأحلام غرقى: مجاز] استعارة [ تجمع الحزن بموضوع السائل.

التأويل الدلالي للنص

في البدء: يرتسم منظر طبيعي

. ففي البيتين الأولين تبرز حاسة البصر، كما نلاحظ صورة الإنعكاس إلى التحت

] الأسفل [الشجرة تنعكس في النهر.

في البيت الثالث و الرابع يبرز صوت مملكة الحيوان "الحمائم تشكو" ( وفي هذه المرة نتواجد في الأعالي( داخل ديكور غير واضح المعالم، الأشياء تفقد دسامتها كل هذا متبوع بواقعية ذلك المنظر " التشابكات الحقيقية"

. أما البيتين التاليين فيبرز من خلالهما معنى السمع

بكل اختصار في المقطوعة الأولى يرسم الشاعر مناظر طبيعية في حاضر لا زمني ليس له علاقة بالأشخاص.

ثانيا: في المقطوعة الثانية تتحول المناظر نفسها و تتأول تأويلا يعود على دواخل الشخص، فمناظر الطبيعة تتحول لتعبر عن حالة شعورية بداخل الشخص.

المنظر الطبيعي الذي تكلمنا عنه في المقطوعة الأولى" شاحب" و انظر إلى المسافر كذلك هو

" شاحبا"

فالمنظر الطبيعي يعكس إلى المسافر صورة مؤسفة، تحيله على حقيقة صورته نفسه.

فحاسة البصر و درجة المستوى التحتي تبرز هنا من جديد. و في الأعالي نسمع من جديد صوت

" تبكي" هذا الصوت الذي يحيلنا على الحمائم من المقطوعة الأولى

باختصار:

العالم الخارجي ( المنظر الطبيعي من المقطوعة الأولى) قد تحول إلى مرآة للعالم الداخلي ( حين الإنتقال إلى المقطوعة الثانية)

فكلا المقطوعتين أنتج لنا نظام هذه الثنائيات: الواقع و السراب، التحت و الفوق، المسافر الذي يرى انعكاسه على الماء، المفرد و الجمع. كل ذلك من خلال مكان وزمان محملين بالإرتفاع و الدوار...

الهوامش:

· النص المترجم بكامله على الرابط التالي:

http://www.webzinemaker.com/admi/m6/page.php3?num_web=8526&rubr=2&id=245429، بتاريخ 05/فيفري/2005

وهو من إنجاز: الفرنسي" جان بيار لوكلار" (أستاذ اللغة الفرنسية و كاتب). نفس المرجع

*كل الكلام الذي هو بين هاتين القاطعتين [….]هو للمترجم



· بعض المصطلحات اللاتي تعرضنا لها من خلال الترجمة

-1-التكافؤ: ÉQUIVALENCE

- 2- تضاد دلالي: oppositions sémantiques

-3- خط دلالي: sème

-4- مقطوعة: strophe

-5- دلالية معجمية: lexico-sémantique

-6- صوتية: phonique

-7- القصيدة من ديوان الشاعر "رومنسيات بدون كلام" المطبوع إلكترونيا باللغة الفرنسية على هذا الرابط

http://www.florilege.free.fr/verlaine/romances_sans_paroles.html

-8- بول فارلان: شاعر فرنسي 1844/1896 من أنصار نظرية الفن للفن، و عدّ رئيسا للمدرسة التشاؤمية...( المرجع: المعجم الأنسكلوبيدي بالفرنسية، لاروس بورداس عام 2000 صفحة 1641

ليست هناك تعليقات: