الاثنين، 7 يناير، 2013

الشعر العماني في العصر النبهاني

يشكل العصر النبهاني علامة مفارقة كبيرة في أذهان العمانيين من حيث كونه أزهى عصور الأدب والشعر في تاريخ الأدب العماني وفي نفس الوقت غذ من عصور الظلام والفساد والانحطاط ووصف حكامه بالجبابرة،وإذا كان الأدب في عمان لم يحظ عبر عصوره المختلفة باهتمام مؤرخي الأدب في الوطن العربي ، بل كان نصيبه الإهمال والتجاهل الكبير، ولأسباب متعددة، فلقد قام المؤرخون العمانيون بسد هذه الثغرة، واهتموا بتسجيل تراثهم الثقافي ،وحفظوه من الضياع ، ولكن هؤلاء المؤرخين أسقطوا من حسابهم واهتمامهم عصرا أدبيا زاهيا امتد في عمان ما يقارب الخمسة قرون (من القرن الخامس الهجري الى أوائل الحادي عشر الهجري ) هو العصر النبهاني .

بل إن الأمر تجاوز عدم الاهتمام والتجاهل الى طمس المعالم وتشويه الحقائق الواضحة فيه ، ونظرا لهذا التجاهل وتلك المفارقة بالاضافة الى جدة الموضوع وعدم تناوله من قبل في دراسة علمية منهجية، اخترت هذا الموضوع لهذه الدراسة العلمية.

والكلام للباحثة التي نستل هذا الجزء من كتابها حول شعر النباهنة الذي قدمته كأطروحة لنيل درجة الماجستير.

الصورة الشعرية   لعله لا يوجد مصطلح نقدي اختلف حوله النقاد وتعددت فيه المفاهيم كمصطلح الصورة الشعرية. وكان هذا الاختلاف سببا في حيرة بعض الدارسين ومتاهتهم بين المصطلحات والمسميات المتعددة للنوع الواحد من تصنيفات الصورة الكثيرة .

ومن التعريفات الواضحة للصورة رأى د. القط الذي يرى أن الصورة في الشعر هي الشكل الفني الذي تتخذه الألفاظ والعبارات بعد أن نظمها الشاعر في سياق بياني خاص ليعبر عن جانب من جوانب التجربة الشعرية الكاملة في القصيدة مستخدما طاقات اللغة وإمكاناتها في الدلالة والتركيب والإيقاع والحقيقة والمجاز، والترادف والتضاد، والمقابلة والتجانس وغيرها من وسائل التعبير الفني ( 1 ).

ويرى الناقد (ازرا باوند) Ezra Pound"أن الصورة الفنية" ذلك الشيء الذي يقدم تشابكا عقليا وشعوريا في لحظة من الزمن " (3) .

ونظرا لأهمية الصورة فقد اعتبرت هي وحي التجربة الشعرية فلقد قام الشعر منذ

القدم على الصورة كوسيلة وأداة من الأدوات الفنية بيد الشاعر تساعده على الابتكار والابداع في عملية الخلق الفني ولم يختلف النقاد قديما وحديثا على هذه الأهمية.. "وإنه خير للمرء أن يقدم صورة واحدة في حياته من أن ينتج أعمالا وافرة غزيرة " (3) .

ولسنا في معرض لسوق آراء النقاد المختلفة والمتعددة حول مفهوم الصورة وأهميتها، فهي من الكثرة، بحيث يصعب حصرها حصرا دقيقا، ولذا فسأتناول بالدراسة منابع الصورة ومصادر استمدادها، وطريقة بناء الصورة - روافدها ووسائل تشكيلها في العصر وذكر بعض الظواهر الفنية التي ارتبطت بلها آنذاك .
منابع الصورة ومصادرها:
أجمعت الدراسات النقدية تقريبا بأن الخيال هو المصدر الأساسي
لتشكيل الصورة
الشعرية وصياغتها، كما أن هذا الخيال يستلهم مادته من الواقع المادي المحيط بالشاعر والملموس بالحواس ، ويرى جون مدلتون مري "أن مصطلح الصورة " lmage يمكن أن يتصل من قريب بالكلمة التي اشتقت منها وهي ,lmagination" أي ملكة التصور والتخيل بصفة عامة ؛ ويقول: إنه يمكن أن نخلص الكلمة من اقتصارها على الدلالة البصرية ا لمحدودة ونوسع آفاق هذه الدلالة فهي يمكن أن تكون "أقوى وأعظم آلة في يد ملكة التصور" (4) .
ويرى د. شفيع السيد أن أبسط دلالة لكلمة "الصورة" وأقربها الى الأذهان هي دلالتها على التجسيم أو على الأشياء القابلة للرؤية البصرية .. فقد استخدمها القرآن الكريم بهذا المعنى في قوله تعالى إالذي خلقك فسواك فعدلك ؟ في أي صورة ماشاء ركبك ".
وقوله: (الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن
صوركم ).
 ومن هنا نرى أن مصدر الصورة الأول هو الحواس التي تقوم بتحويل تلك الصور الى الخيال المبتكر الذي يلتقط إشارات الحواس بعدسته الذهبية الخلاقة فيعيد تشكيل تلك المادة الخام في صورة فنية جمالية..
"فالشاعر وإن كان يبدأ من الواقع المادي المحسوس ليستمد منه معظم عناصر صوره الشعرية ومكوناتها؟ فانه لا قل هذا الواقع نقلا حرفيا، وإنما يبدأ منه ليتخطاه ويتجاوزه ، ويحوله الى واقع شعري لا تمثل العناصر المادية فيه سوى المادة (لغفل التي يشكلها الشاعر تشكيلا جديدا وفق مقتضيات رؤيته الشعرية الخاصة"(6) .
ولهذا تستأثر الحواس بالنصيب الأوفى من الصور الفنية، وإن كان هذا لا ينفي وجود الصور الذهنية ودور ملكة التصور والتخيل العظيم في توليدها كما ذكر "مري "، وكما قال الإيطالي بنديتو كروتشه (1866 -1952 ) "إن أساس الفن هو القدرة على تكوين الصور الذهنية أما
إبراز الصور الحسية، فعملية صناعة ومهارة" (7).
"وفي رأي بعض النقاد أن كل صورة، حتى أكثر الصور تمخضا للعاطفة أو العقل لا تخلومن أثر للحس فيها" (8).
ومن الواضح ان الحواس هي النافذة التي يستقبل بها الذهن مواد التجربة الخام ، ولعلنا نجهد النفس عناء إذا ما حثنا في الشعر عامة والشعر العربي القديم خاصة عن لصورة الذهنية الخالصة من شوائب الحس "افالذهن محتاج ي كثير من اعتمالاته الى الحواس لترجمة تلك الاعتمالات ، تكون الحواس أهم وسائل الذهن في الاستقبال والبث " (9).
ولأن الصورة في الشعر العربي القديم - وكذلك الذوق لنقدي البلاغي - كانا يتسمان بالنزعة الحسية، كما يقول د. زالدين اسماعيل ، وكما يرى أغلب الباحثين والنقاد.. فإننا . نحاول دراسة منابع الصورة لدى شعراء العصر النبهاني ،ومدى علاقتها بالحواس ، وتصنيفها طبقا لهذا. وقبل أن ندخل ، ي التفاصيل ، سنعد جدولا يوضح أنواع الصور الحسية ونسبة رتيب شيوعها في العصر، ونسبتها لدى كل شاعرمنهم ، وقد أخذنا عينة عشوائية تتمثل في عدد خمس قصائد من نتاج كل شاعرمن شعراء العصر.
وكانت القصائد المختارة متنوعة الأغراض ، ما بين الغزل والمديح والرثاء، - وهي الأغراض المتواجدة في تجربة كل منهم - واستبدل المديح بالفخر عند النبهاني ، كما استبدل مديح لملوك والأمراء بالمديح النبوي ، والغزل الحسي بالغزل الإلهي ند اللواح وكان توزيع القصائد ما بين 2مديح ، 2غزل ، إرثاء.
كما راعينا أن تكون القصائد متقاربة الطول على وجه التقريب ، وعلى نفس القصائد الخمس أجرينا إحصائية تقريبية رقم .(2) لمدى ذيوع الصورة التشبيهية وصورة الاستعارة بنوعيها التصريحية والمكنية في شعر شعراء العصر النبهاني.
ا - الصورة الحسية:
أ - الصورة البصرية: وهي أغلب الصور الشعرية، عند شعراء العصر، وخاصة عند الستالي الذي استأثرت حاسة البصر لديه بأغلب الصور
الفنية.. حتى ليندر أن نجد له صورا تشكلها الحواس الأخرى ث
وسنجد أن مفردات البصر كثيرة كثرة تبعث على الدهشة، ومن هنا جاء
احتفاء الستالي بالألوان ، الورود حمراء ، بيضاء ، صفراء ، زرقاء ،
وا لنباتات خضراء نضرة، وشعر الحبيبة وعيونها سوداء حالكة ووجهها
أبيض وجسدها مصفر كالزعفران .. وكأن الستالي يرسم لوحة فنية
لطبيعة غنية باللون . .

من أبيض يقق وأصفر فاقع

ومورد بهج وأحمر قافي ( 10 )

وقوله واصفا شجاعة ممدوحه وعدته التي أعدها للحرب وقد كنى عن تسميتها بالألوان:

معد ليوم الروع أبيض صارما

وأسمر خطيا وأشقر سلهبا ( 11)

ويبدو أن الكناية بالألوان ظاهرة تستهويه فها هو يصف تمنع الحبيبة:

ويمنعني منه بأسود فاحم

وأحمر وردي وأبيضى أشنبا ( 12 )

وحينما تنفر منه الغواني بسبب الشيخوخة وبياض الشعر ووهن القوى يرصد لهن الشاعر العديد من الصور المثقلة بمفردات البصر، وسنرى مفردات الرؤية تكثر عند وصف الناقة والممدوح . فمن صور المشيب قوله واصفا شعر أسه بعد المشيب وقد أبيض وخضبه ملونا ومغيرا لون البياض ، لكن طبيعة الشعر الأبيض القاسية لم يستطع الخضاب أن يغيرها فظلت شعيرات رأسه يابسة كالنصل ، ونلاحظ أن هذه الصورة تحمل وراءها بعدا نفسيا ولو من جهة خفية، فقد شبه كرهه لهذا المشيب ، كأن شعره نصال السيوف سلت على رأسه .

وأبيض مخضوب كأن نصوله

نصال على رأسي من البيض سلت (13)

يقول واصفا الممدوح وكرمه مشبها هيئته وهو يهتز نشوان مسرورا حينما يجود على العفاة كما يهتز الغصن بالحمامة الورقاء:

وقد يهتز جودا وارتياحا

كما يهتز بالورق القضيب ( 14)

وهذه الصورة بصرية حسية الأطراف ، إلا أنها من الصور التي ليس لها نصيب من التأثير في النفس ،ولا ريب أن الانطباع الذي تتركه لا يتجاوز انطباع عدم الارتياح من مواءمة عنصري التشبيه بعضها البعض .
ولنشعر بمدى انطفاء عاطفة المتلقي لهذه الصورة، نقارنها بالصورة
التالية والتي يصف فيها الستالي كرم  لممدوح أيضا واهتزازه طربا
وسرورا حينما يعطي
الآخرين:

تهزهم عند الندى أريحية

وجود كما يهتز في النشوة الشرب ( 1)

إن العلاقة ما بين الشاربين والاهتزاز والترنح نشوة، موجودة وهي علاقة واقعية غير متكلفة وتشبيه اهتزاز الممدوحين ونشوتهم عند العطاء بهؤلاء الشاربين أوقع - والصورة تصور دواخل هؤلاء ومشاعرهم وتصف ما يجول في نفوسهم . . وهي أفضل بكثير من تلك الصورة السابقة التي لم تحصد إلا التشابه الحسي المادي فقط وبشيء كبير من التكلف والتصنع لأن الصورة الثانية تقارن ما بين الانتشاء النفسي دى الطرفين ، الطرف الأول منتش من السكر، والطرف الثاني

منتش من الأريحية ، وليس الغرض تصوير الاهتزاز في الشكل والهيئة فقط . وهي أفضل كذلك من تشبيه هذا الاهتزاز بالسيف والرمح كقوله:

فذاك الذي في أي حال سألته

تهلل مثل السيف واهتز كالرمح (16 )

والحق أن هذه الصور تذكرنا بمقولة العقاد الشهيرة حول التشبيه والعناصر المتقابلة "... التشبيه أن تطبع في وجدان سامعك وفكره صورة واضحة مما انطبع في ذات نفسك ، وما ابتدع التشبيه لرسم الأشكال والألوان فإن الناس جميعا يرون لأشكال والألوان محسوسة بذاتها كما تراها، وإنما ابتدع لنقل لشعور بهذه الأشكال والألوان من نفس الى نفس ، وبقوة لشعور وعمقه واتساع مداه ونفاذه الى صميم الأشياء يمتاز لشاعر على سواه ..." (17).

وقد لا يذكر الستالي اللون ، وإنما يكتفي بدلالة المفردة التي توحي باللون . نحو السراب - الشيب - الغيم - الإدلاج - ا لدم - ا لشروق - الغراب - العندم - الخضاب ، ويقول واصفا الحسن المزيف مشبها لها بالشيب الذي صبغ لكن سرعان ما ينتهي الخضاب وتنكشف حقيقة الشعر الأبيض ، وكذلك الزينة الزائفة سرعان ما تنكشف وتظهر حقيقة الأمر. . ونلاحظ أن لصورة عادية تقليدية لكنها ليست كذلك حينما نربطها بالبعد لنفسي لتجربة الستالي وكرهه للمشيب .. يقول ..

والحسن في الأمر المزور زائل الشيب ينصل بعد حسن خضابه (18)

كما نلاحظ مساهمة الحكمة الذهنية التقريرية في رسم هذه الصورة، ونلاحظ تأثير كلمة ينصل في تكثيف المعنى . لأن الشيب والمشيب هو الخيط الرئيسي في تجربته نلاحظ أن الستالي يدور حول هذا المعنى دور انا متكررا ستمرا:

ماذا ألم بلمتي فأشابها

وخضبتها فنضا البياض خضابها (19)

ويتتبع الستالي دلالة المفردة التي توحي باللون ، ويعددها في تموجات توحي بكثافة هذا اللون

 طيف انسدل الظلام ألم بي

بعد الهدو طروق سار مدلج ( 20)

نلاحظ المفردات التي توحي باللون الأسود، وبالليل:  انسدل ، الظلام الهدو، طروق سار، مدلج ، وكلها مفردات توحي بأن الحدث تم بالليل المظلم .

ولا يعني كثرة الصور البصرية لدى الستالي قلتها لدى غيره من شعراء العصر، فالصور البصرية دائما لها التفوق على غيرها من الحواس ، وإنما كانت هناك حواس أخرى لديهم شاركها في الظهور؟ أما عند الستالي فكانت الحاسة البصرية

أوضح تلك الحواس على الإطلاق ، بحيث سيطرت على تشكيل الصورة لديه كما ذكرت . وكما هو واضح من جدول رقم 2 .

وإذا أطلعنا على الصور البصرية لدى النبهاني نجدها كثيرا ما ترتبط بالأفعال والحركة، فالأفعال ذات الدلالة البصرية مثل: خب ، ركض ، كبا، خاض ، فر، ركب ، وثب ، كر، قاد، رقص ، قذف ، لطم ، طعن . . . الخ وهي مفردات تتواءم وأبعاد تجربته الشعرية المفعمة بالحركة وتوالي الأحداث . . . يقول

النبهاني واصفا فعله بالأعادي في صورة كلية:

وقدنا الخيل للأعداء رهوا

كما تسطو الذئاب على النقاد

وصبحنا الطغاة بعنقفير

تجرعهم افاويق النكاد

وأرعفنا القنا الحظي خعا

وأرهبنا المخاتر والمعادي

وأوردنا الطغاة حياضى ذل

تجرعه الى يوم التنادي

قسمناهم فنصف للعوسي

ونصف للمهندة الحداد

قذفنامم ببحر من حديد

تلاطم فيه أمواج الجياد

وأرغمنا انوف سراة قوم

وكل غضنفر صعب القياد

بضرب ترقمى الأكباد منه

وطعن مثل أفواه المزاد

وألبسنا المذلة كل قرم

عزيز قاهر عالي العماد

وأنشائا سحابا من عقاب لم

يصب على العدى مطر النكاد(21)

ونلاحظ أن أفعال الحركة قد استمرت واستقطبت القصيدة من مطلعها الى نهايتها، وهذه الأبيات التي اجتزأتها من القصيدة يكاد لا يخلو بيت فيها من فعل أو فعلين من الأفعال التي تضج بالحركة .

ونظرا لقرب الكيذاوي من الستالي في تجربة شعر المديح ، فإن صوره البصرية التي تصف الممدوح والحساد المتربصين زاخرة بالصفات الحسية، فالممدوح كريم جواد لكن صور مدحه بالكرم مختلفة عن الستالي:

لو طبع انمله يحل بجلمد

يوما لأورق منه ذاك الجلمد (22)

إن صور الكيذاوي فيها من المجاز والخيال ما يرسم صورا ناطقة متحركة فمن

المبالغة الجميلة قوله: لو طبع أنمله ، ليست أنامله وإنما اكتفي بطبع أنمله لوحل على جلمد، ليست رضا خصبة قابلة للزراعة وانما صخرة صماء جلمود ومع

هذا سيورق هذا الجلمد من فيض كرمه وسخائه ، ويقول في ورة أخر ى:

أمواله لا تستقر ، كانما

فيها دعا للبين صوت غرابها (33)

كأن أموال هذا الممدوح وكل عليها غراب يحرسها ولذا فهي لا تستقر في مكانها لأن هذا الغراب دائما يدعو للفراق ويصوت عليها لذا فهي لا تتكاثر وانما تنفد دائما قبل أن تتجمع .

وفي صورة ثالثة يقول:

في كل يوم من الدنيا يمر به

في ماله غارة للجود شعواء (24)

ولا ريب أن صور الكيذاوي الثلاث في وصف ممدوحه بالكرم نستطيع أن نطلق عليها صورا خاصة بالشاعر صاغها من موهبته واستخلصها من بيئته الخاصة أي أنها صور مبتكرة جديدة، بينما لاحظنا أن صور الستالي تقليدية متداعية ن الذاكرة فهي صور جاهزة، مستمدة من التراث .

أما اللواح فلأنه شاعر جوال رحال يسعى الى ترجمة تجربته الشعورية من خلال الفقد والوجود، والوجد والتواجد، فإن حواسه مستنفرة كاستنفار الطبيعة وكائناتها في الصحراء، وإن خياله يلتقط صورا كثيرة مختلطة تمتاز الاكتظاظ والكثافة، فالصور عنده كثيرا ما يشارك في تجسيمها أكثر من حاسة، فهي صورة مركبة تركيبا ذات خصوصية في كثير من الأحيان . .

ومن صوره البصرية قوله:

اناظر دب النمل والنمل أسود

بليل كعين الظبي أسود قد دجا ( 2)

ويا رازق الفرخ الذي في عشاشه

وحافظه في العيش من حيث أدرجا

ويقول في صورة من وحي تجربته في حب ليلى الصوفي .

كأن فؤادي كان بالشمع جامدا

وتوديع ليلى كان جمرا أماعه (26 )

ويصف نحول جسمه وثقل قلبه بالهموم في صورة بالفة التقليدية جديدة الإيحاء:

وإني لذو جسم كخصر عتيه

وقلب كمثل الردف في الثقل أو أقوى (27)

ولأن اللواح شاعر ذو رؤية ذاتية، وإخلاص فني ، فها هو يصور لنا بعض الصور الكونية التي تموج بها نفسه فيقول واصفا الحياة الفانية ومشبها لها بالحب الرطب لكنه مختلط بالسوس - مظهرا التحسر فهي حياة جميلة لكن للأسف بعدها

موت . . . وكذلك هذا حب رطب لكنه للأسف مختلط بسوس:

حياة عندها سكرات موت

كرطب الحب مختلطا بسوس

إذا ضحكت لك الأيام فاحذر

هجوم النائبات من العبوس (38 )

الصورة السمعية: وهي تقوم على تصور الأصوات وفعلها في النفسى بالاضافة ان الايقاع .

"وقد قيل إن الكلمة تحاكي في ايقاعها معناها كما يحاكي الهديل صوت الحمامة والخرير صوت الماء، (29) فايقاع الكلمة يساعد المعنى في رسم الصورة، والصورة السمعية تنتشر في أشعار العصر وتأتي في انتشار بعد الصورة البصرية راجع جدول رقم 1 . ومن المفردات ذات الدلالة السمعية المنتشرة في

دواوينهم:" الصراخ ،  القول ، السماع ،  اللسان ، اللائمة ، الضحك ، الصوت ، الغناء، الأذن ، الآلات الموسيقية .

أما المفردات ذ ات الدلالة الإيقاعية فهي:

الحد و، الزجل ، النهيق ،  النعيب ،  العزيف ، البغا م ،  النشيج ، الرنين ، الأطيط ،  الصلصلة . . . الخ .

فالصحراء في الليل البهيم يسمع فيها عزيف الجن ، ودوي الرياح ونسمع للناقة الثغاء، وللحمير النهيق وللنعام البغام وللغراب النعيب . وفي مجلس الطرب تترنم القيان وتغني ، ويسمع وت آلات الطرب والقصيدة تنشد وتغني على مسمع من

الحضور، وفي ميدان القتال تحمحم الخيول وتصهل وتتقارع السيوف فنسمع صليلها وقراع الدروع ، والمحبوبة ترحل فنسمع نعيق الغراب ، وهديل الحمائم التي تهيج أشواق المحبوب ، فتسجع الورقاء بما يشجي النفس ، ويومض البرق فنسمع قصف الرعود، وهدير السيول . . الخ .

والصور السمعية كما ذكرت كثيرة متنوعة بتنوع العادات والحياة الاجتماعية والطبيعية، ومن نماذج هذه الصور، يقول الستالي متأسفا على شبابه وذكرياته متأسيا من ذكر الأحباء الأصفياء الذين جمعته بهم أيام الشباب ورونقه:

وإذا ذكرت الأصفياء كان في

قلبي قطاة وما تضم جناحها ( 30)

ولعل هذه الصورة لا تشي بصوت واضح ، أو إيقاع صاخب ، لكنها تحمل إيحاء بأن في قلب الشاعر قطاة ترفرف جناحيها في حركة دائبة لا تهدأ، وأن صوت هذه الرفرفة، كلت خفقان قلب الشاعر.

وهذه الصورة من الصور المعروفة والمشهورة في الشعر العربي وقد اقتبسها الستالي من قول الشاعر الأموي نصيب: (31)

كأن القلب ليلة قيل يغدي

بليلى العامرية أو يراح

قطاة عزها شرك فباتت

تجاذبه وقد علق الجناح

وتكاد أن تكون كل صور الستالي السمعية تدور حول هذا المعنى . . حيث التركيز على نوح الحمائم التي تشاكل نواحه على  شبابه . . وهي صورة على ما فيها من تقليد واتباع إلا أنها قد صيغت من وحي تجربته وصدق شعوره:

ولكنه ولى الشباب وأصبحت

ديار الهوى ممن ألفناه نزحا

وكيف بلوغي للهوى بعدما غدت

ركاب الصبا مني لواغب طلحا

ومما يهيج الشوق أو يصدع الحشا

بكاء الحمام الورق تقف بالضحى

إذا غردت وسط الأشياء حسبتها

وان لم تفض دمعا مثاكيل نوحا (32)

وحق للستالي أن ينوح وقد أصبحت مطايا صباه لاغبة أنهكها الإعياء من طول السفر. ولا يخرج الستالي عن إطار هذه الصورة الا في مجلس الطرب والمنادمة حيث يسمعنا ايقاع الآلات وصوت المغنية:

ويطيبني اغاريد القيان لدى

معرس اللهو حيث الناي والوتر (33)

لكن حتى هذا الخروج لا يكون إلا ليدخلنا في حلقة أخرى من حلقات الزمن الذي يكاد يهرب منه فيتشبث به الشاعر متذكرا أيام لهوه حيث الصبا يزين له ذلك اللهو ويسلم الغواية مقوده:

ومسمعة تشدو لنا من غنائها

بمثل بديع الموصلي ومعبد

لهوت بهذا والصبا لي مزين

هواي وفي أيدي الغواية مقودي ( 34)

وكما طغت الصور البصرية على ديوان الستالي ، طغت الصور السمعية على شعر النبهاني (انظر جدول رقم 3)، وربما كان هذا الأمر مثيرا للتساؤل لأنه جرى على غير المألوف ، إذ من المعروف أن الصور البصرية هي أكثر الصور انتشارا في لشعر عامة، وفي الشعر العربي القديم خاصة، ولكننا علمنا ان

النبهاني شاعر يميل الى استخدام الصور البصرية المتحركة التي تتناسب مع تجربة النبهاني الذي كاد أن يستخدم تكنيكات المسرح الشعري ، دون وعي منه لهذه التكنيكات . وإنما قد جرى في ذلك وفق الطبع والفطرة، فالحدث والمكان والزمان تعدد الشخوص والصراع والحوار كلها عناصر متوافرة في صائده .. . ولا ريب أن لارتباط الصور البصرية بالحركة أثرا كبيرا ساعد على كثرة الصور السمعية لديه ، فإن الحركة مهما كانت ضيقة أو قصيرة تستدعي إحداث صوت من نوع ما. ولذا كان من الطبيعي أن تكثر الصورة السمعية لدى النبهاني وأن

تتداخل هذه الصور عادة مع الصور البصرية . . يقول النبهاني واصفا سرعة فرسه مصورا للرياح ومشخصا لها وهي تسابق الحصان فتصاب بالاعياء وتلهث ، بينما هو لم ينقطع نفسه من الاعياء . .

يسابق في الركض عصف الرياح

فتبهر وشكا ولم يبهر ( 3)

وعندما أراد النبهاني أن يصف المطر والريح وتأثيرهما

على الربع الخالي من قاطنيه قال:

عفاه من الوسمى كل مجلجل

منيف الغمام برقة غير خلب

وساهكة هوج كأن حنينها

حنين مثاكيل يقابلن نذب (36)

ونلاحظ مدى رغبة الشاعر في تكثيف الأصوات من المفردات التالية . . . مجلجل ، ساهكة، هوج - حنين مثاكيل - ندب - وصيغة التعميم كل .

ويصور النبهاني صوت الخمرة في الدنان كأنه نغم القسوس وهم ينشدون متعبدين .. ونلاحظ المبالفة في تصوير صوت الخمرة - وهو صوت يشبه البقبقة من الاختمار، كما نلاحظ المبالفة في تخير الشاعر للفظ هدير . . ونلاحظ مدى

اتباع النبهاني للقدماء وتقليده لصورهم حتى وإن لم يكن لهذه الصور أصل في بيئته فهب أننا فرضنا أن صورة تعتيق الخمر في الدنان صورة موجودة في البيئة العمانية كانت ومازالت موجودة - ولكن بصورة سرية - في بعض القرى المشهورة بزراعة العنب وأحيانا تصنع من التمور. فمن أين جاء الطرف الثاني للصورة، "نغم القسوس قبالة الصبان " - وهي صورة في الحقيقة غير موجودة في عمان ، وإنما هي تقليد محض من النبهاني للشعراء السابقين خاصة شعراء العصر الجاهلي:

ولها هدير في الدنان كأنه

نغم القسوس قبالة الصلبان (37)

واذا ضرب الشاعر في البوادي ورد على مياه ضحلة، راكدة، مغطاة بالطحالب ، تؤدي الى بئر خفية المجرى نائية، فإذا جاء أحد ليستقي وخضخضت دلوه ذلك الماء الضحل ، خرجت دلو المستقى مغشاة بمثل نسيج العنكبوت من الطحالب بر وهذه الحركة والأصوات الصادرة من المستقي . . وحركة الدلو - والمياه الضحلة النائية، تكلها حركات وأصوات أعلى هي صوت الذئاب التي ترد الى ذلك الماء وتعوي حوله ،

وماء صرى تعوي الطماليل حوله

خفي الجنى ناء مغشي بغلفق

إذا خضخضت ضحضاحه دلو مائح

أتته مغشاة بنسج الخدرنق (38)

نلاحظ مدى أثر الحروف في كلمتي خضخضت وضحضاحة، ومساهمتها في تشكيل الصورة ورسمها. ونلاحظ تداخل الصورة البصرية بالسمعية وعندما صاح

الغراب ، دعا عليه النبهاني أن يرض الله فمه رضا لانتعابه ونعيقه مبكرا. . وكأن هذا الغراب يتعجل بزف بشرى الفراق للشاعر بصياحه وصوته المنكر المشئوم:

رضا لفيك لم انتعبت مبكرا

تدعو الفريق الى الفراق صياحا (39)

وللنبهاني صور سمعية متعددة استوحاها من المحرك الأساسي في تجربته وهو الصراع النفسي . . فحينما يصور هروب الأعادي في إحدى المعارك المشهورة التي خاضها بنفسه قائدا على رأس جيشه يقول مستلهما بعض إشعاعات التراث متمثلة في الريح العاصف الذي سلطه الته على قبيلة عاد، جزاء كفرهم ، وعدم إيمانهم بنبيهم هود. وهذا الملمح يشير الى أن هؤلاء الأعادي من القبائل المناوئة قد سلطالته عليهم جيش النبهاني كالريح العاتية الصرصر لعدم ولائهم لملكهم الشاعر، وفي الصورة أيضا إشعاعات محلية من البيئة في تشبيه نفسه بحية

الوادي وهي مشهورة بشدة تيقظها وشراستها حتى لو أظهرت الغفلة، وتشتهر كذلك بفحيحها في وجه من يقترب منها حيث تقفز واثبة عليه كأنها طائر له جناحان .

كأنهم وقد ولوا جراد

تلقته عواصف ريح عاد ( 40)

ألا أبلغ طغاة القوم أفي

و إن أطرقت حية بطن وادي

وربما كانت هذه الصورة خالية من الألفاظ ذات الدلالة السمعية،وأقرب الى الدلالة البصرية،. لكنها في الحقيقة ليت خالية من الإيحاء ات السمعية المتعددة، فها هو الجيش المنهزم يولي صرعا محدثا حركة وضجيجا في انسحابه ، ولكن هذا

الانسحاب لم يتم بسهولة ويسر، وإنما تلقفته عواصف عاتية تعوق هذا الانسحاب مما أدى الى تصاعد حركة الصراع والتدافع للخلاص أو مقاومة تلك العواصف التي بلا شك إنها تعوي بها الأصوات من كل صوب ، ومما يصور هذا التزاحم

تصويره لهم بالجراد، وكلنا يعلم أن الجراد يهجم في أسراب كثيفة ويتمثل هذا الإيحاء أيضا في سرعة حركة حية الوادي وفحيحها، وتكثر أمثال هذه الصور التي تحمل "شبهة الصورة السمعية" - إذا جاز لنا هذا التعبير لدى النبهاني ومن أمثلتها قوله واصفا معركته المشهورة بيوم الحبيل في بلدة "حبل الحديد" مع أخيه:

سائل بنا "حبل الحدب

ـد"غداة صار الهول جدا

إذ خضت موج خضمها

ورددت أولى الخيل ردا

وجعلت نفسي دونهم

يوم الوغى ردءا وسدا

كالليث هيجه المهب

ـهج في عرينته فشدا (41)

وها هو الشاعر يفرش لنا أرضية الصورة التي يود رسمها، فيزودنا بكلمات توحي بالحركة المشتملة على الصوت مثل قوله . . سائل - الهول - خضت - موج - خضمها، ورددت - ردا .. وعبارة "جعلت نفسي ردءا وسدا" ولنلاحظ تأثير التشديد في القافية على الإيحاء بعمق الحركة ثم يعرض صورته المقصودة بالتصوير "يومها أصبحت كالليث وقد أثاره وهيجه المهجهج ؛ وهو مهجهج عديم التفكر في عاقبة الأمور فاعل لم يعرف قدر نفسه ولم يحسب حسابا صحيحا لقوة خصمه ، أي انه خصم غير نابه ، ولذا فهو يهجهج على نفسه الليث في عرينه ،

وهن المنطقي أن يشد هذا الليث على خصمه المغفل ويحطمه بضراوة وقسوة جزاء استهانته به وجرأته على مهاجمة عرينه ؟ فإذا أضفنا الى الألفاظ الموحية بالصوت ألفاظ البيت الأخير في الصورة هيجه - المهجهج - شدا، مع تضمن اللفظة الأخيرة لإيحاء الزئير المرعب مع الحركة لاحظنا مدى قدرة الشاعر على

توظيف مفرداته في الإيحاء بشعوره الداخلي .

ويصور لنا الكيذاوي الصحراء التي قطعها متنقلا ما بين بلدته الى بلد الممدوح في صورة بصرية سمعية تتردد فيها الأصوات ، حيث تلك الأرض الموحشة المهلكة الساخطة على من يتجرأ ويعتسف في أرجائها مغامرا مخاطرا بنفسه ، هذه

الأرض المخيفة لا ترى فيها شيئا وإنما تسمع فيها أغاريد للجن تتردد في أطرافها المختلفة، فيتردد في نواحيها صدى ذلك العزف .

ولقد اجتاز الشاعر تلك الصحراء بحصان طويل الباع متسع الصدر سريع العدو، مثيرا للغبار أثناء جريه ، ومن يراه وهو يعدو بهذه الصورة يظنه ريحا تعصف عصفا، وتذرو في عصفها الرمال .

وفجوة من فجاج الأرضى موحشة

قفراء يهلك من في سخطها اعتسفا

تسمع فيها أغاريد العزيف إذا

جنيها من نواحي بيدها عزفا (42)

جاوزتها بطويل الباع تحسبه

من الرياح الذواري عاصفا عصفا

والكيذاوي كالستالي لم يكثر من الصور السمعية.. كالنبهاني أو اللواح مثلا. . إلا أن الكيذاوي أكثر دقة وبراعة في تشكيل صوره عن الستالي .

أما اللواح فللصور السمعية في تجربته دور لا يقل عن دورها في تجربة النبهاني .. إنه وصحبه يتحلقون ويتناشدون ، ناقته تحن وتتلاحم معه في المشاعر. . يقابل في رحلاته أناسا من صفاتهم كيل الشتائم والسباب بأصوات منكرة.. جولاته

متعددة وصور مشاهداته أكثر تعددا . . عمره امتد فكثرت مراثيه وكثر نواحه على من فقده .. يقول اللواح:

بليت لديرة فيها رجال

لئام أهل تصفيق وشيق

لهم في كل ذي نادي شهيق

إذا اجتمعوا به كحمير سيق

إذا ضرب الرباب لهم نساء

تجيب السبق سجلاء النهيق (43)

وفي الصورة ملامح محلية كلفظ ديرة: المقصود به بلد،  و،"حمير سيق ا وسيق قرية مشهورة في عمان بخصوبة تربتها واعتدال هوائها قرب نزوى . وحينما أراد أن يصور صراعه مع الدنيا التي تريد أن تثبط عزيمته وتخضع همته قال مصورا ذلك في صورة ممتدة:

وترعد لي من دون غاية مطلبي

لتصعقني أبراقها ورعودها

وما كان أن يذوي لها عود عزمتي

وتخضع هماتي ويخضر عودها

أكايلها صاعا بصاع وإنني

أطفف في كيلي لها وأزيدها (44 )

ويتمثل الإيحاء الصوتي في الصورة في كلمة "وترعدا، وعندما صور الفرحة بالغيث الذي اجتاحت سيوله نزوى التي كا نت تعاني من المحل والجفاف ، قال:

فأودية الجبال لها هدير

تجيب مدائنا فغرت بماها

وتسمع للوهاد لها خريرا

تصهلق والصفا انفجرت مياها ( 4 )

وتذكرنا هذه الصورة بصور النبهاني التي يسعى فيها الى استقطاب الأصوات وتكثيفها. . ففي هذه الصورة تساندت الألفاظ والعبارات على تجسيم هذه الصورة وتكبيرها وتوضيحها ففاك لفظ "هدير، تجيب ، مدائنا، ونلاحظ تأثير الجمع ومساهمته في اجابة هدير وديان الجبال كذلك لفظ فغرت وما فيه من إيحاء الاتساع والتدفق ، كذلك كلمة خرير ولفظ تصهلق الذي ترسم حروفه معنى الكلمة وتشع بإيحاءاتها، ثم كلمة الصفا التي انفجرت مياها وقوة الفعل انفجرت في الاندفاع والصوت . إنه شاعر يصور بوعي ما يسعى الى إيصاله للمتلقي .

ومثل هذه الصورة في الاحتفاء ب ا،الضجيج الصوتي " - إذا جاز لنا هذا التعبير - قوله في نزوى وقد رأى أهلها عابثين ماجنين ، في صورة مجازية لطيفة شخص فيها نزوى بغانية أراقت ماء الحيا فكشفت عيوبها المستورة ويجسد فيها الدف ومعازف الغناء وهي تصهل في روابيها.

أرى نزوى بكم كشفت هناها

وراقت من محياها حياها

تقلقها المعازف والملاهي

وكل نهيمة سحبت رداها

فما برج من الأبراج إلا

وفي الخمر جامعة خناها

وما من شعبة إلا وفيها

زجيل الدف يصي ل في رباها (46 )

ونتتبع تأثير الألفاظ ذات الإيحاء الصوتي في تشكيل الصورة وهي كثيرة:

مثل: "تقلقها - المعازف - الملاهي - وكل نهيمة - زجيل - الدف - يصهل - ونلاحظ على وجه الخصوص تأثير كلمة كل نهيمة في تعميم الأمر واتساعه . وتأثير كلمة يصهل فالدف لا يضرب للغناء في مكان محدد وإنما هو يصهل في كل مكان في رباها . .

ب - الصورة الذوقية:

أكثر هذا النوع من الصور يتمركز حول صور محددة كريق المحبوبة، وطعم الخمرة، والناقة التي ترعى المرار لقلة الغذاء - والقصيدة تكون دواء شافيا أو علقما وسما للأعادي فريق المحبوبة يعل بالزنجبيل .. أو الخمرة الممزوجة بماء القراح أو ماء المزن أو بالشهد الذي لا تكدره الشوائب .. يقول الستالي:

إذا شئت علتي رضابا كأنه

من الثغرماء المزن شاب جنى النحل (47)

ويقول النبهاني:

كأن الرحيق ومسكا سحيقا

ونشر العبير وصافي الضرب

تعل به موهنا ثغرها

إذا ما الدجى بالصباح انتقب (48)

ويقول الكيذاوي:

لها مبسم عذب كأن رضابه

مجاجة نحل في المذاق وقرقف (49 )

ومن الواضح أن كل هذه الصور صور تقليدية متوارثة لا جديد فيها ويبدو أن الانسان العربي كان يربط هذا المذاق باحلى وأغلى وأعذب ما يوجد في بيئته فالريق كالعسل وكالخمر الباردة وكماء المزن العذب . . وهذه كلها أمور شح وجودها في البيئة الصحراوية وغلا ثمنها ومن هنا كان تشبيه ريق المحبوبة العطر بها.. ومن الصور الذوقية المنتشرة تشبيه الممدوح بالشراب العذب وهجاء الآخرين وتشبيه طعمهم بالملح الأجاج ، وعادة ما تنعكس هذه الصورة التذوقية على أخلاق الممدوح وطبائعه ، يقول الستالي مادحا ذهل وأولاده ومشبها

لهم بالبحر الزاخر المعطاء العذب مشربه ونظرا لكثرة عطائه فقد تفرع الى جداول عدة وكل جدول يشكل رخاء يسهل استمتاع الناس به ونهل مورده ، فالبحر هو ذهل والجداول المتفرعة منه هم أولاده:

واتت الخضم العذب مشربه وهم

جداوله كل له مشرع سهل ( . )

أما اللواح فيشبه صفو ضمير الممدوح الذي يرثي صفاته ، تارة بالماء القراح ورائحته كالمسك حيث يتواجد.

كأن قراح الماء صفو ضميره

وأعراضه كالمسك في الندوات (51)

ويرثي الآخر بقوله.

يا بحر أغرقت بحرا لم يزل أبدا

عذبا وانت الأجاج الملح والصرد (52)

فالممدوح بحر لكنه عذب بينما البحر الذي أغرقه بحر مالح شديد الملوحة شديد البرودة . ويلح اللواح على هجاء  المذموم ووصفه بالملح الأجاج في قوله واصفا أهل القرية التي مر بها فأساءوا معاملته:

وليس بها لضيف من مذاق

سوى ملح كصاب في الحلوق (3 5)

أما المياه التي يرد عليها في تلك المهالك المهجورة وتضطر الأيانق التي يركبها وصحبه أن تشرب منها هي مرة تدفلل طعمها أي أن طعمها مر كطعم نبات الدفلى وهو نبات مر الطعم في فم من يتذوقه لدرجة أنه لا يتمالك إلا أن يبصقه .

قد علفقت فيها المياه وطعمها

مر تدفلل منه طعم الباصق (4 5)

د - الصورة الشمية:

من الصور الحسية التي تدور حول نقاط محددة أيضا، فالحبيبة قد صاك العبير بجسدها، ويفوح هذا الجسد برائحة الزعفران الذي تطل! به جسدها فهي صفراء كزهرة العرار، ويتضوع المسك والبخور من ثيابها كلما نهضت ، وحركت أردافها، وهي دائما حلوة النشر. . وثغرها كرائحة الأقحوان ، وهي تفوح برائحة أطيب من رائحة الروض النضير .

- أما الخمرة فتفوح برائحة كالمسك . . وهي ذات أرج شذى .

- ومجلس الخمر يفوح شذاه بالورود والياسمين والبنفسج والنرجس .

- والروح تفوح منه الروائح المختلفة، ونكاد نشم رائحة الأرض

التي تهتز، وتربت بفعل المطر بعد تساقطه على الروض .

- وأرومة الممدوح وأصوله أعطر من أريج المسك والعنبر

والرياحين .

ومن نماذج الصور الشمية عند شعراء العصر قول الستالي ، واصفا أخلاق يعرب مشبها إياها بالروض الذي هبت عليه نسائم الصبا فماس زهره أنيقا شذى

الرائحة:

له شيم كالروض هبت له الصبا

فماس أنيقا زهره طيب النفح ( 55)

ويشكل الكيذاوي نفس الصورة في معنى ممتد يشبه فيه أخلاق الأمير عرار بن الفلاح بنشر أزهار العرار ورائحة الروض وأزهاره العبقة:

سقى الرياض رياض الحزن فاغتبطت

به من الروض أغصان وأوراق

وأصبح الروض أحوى لونه بهج

في حافيته من الأزهار أشواق

وفاح نشر العرار الغض منتشرا

كإنما من عرار فيه أخلاق (6 )

ويقول النبهاني متغزلا برائحة حبيبته خالطا حاسة الشم بحاسة التذوق .. فكأن هذه المحبوبة قد سقت أسنانها بعد الكرى والنوم بمثل هذه الخمرة العانية الطيبة التي تفوح منها رائحة العبير، ومتبخرة من وعاء المسك الذكي الرائحة:

ومؤشر ألمي المراكز واضح

يقق كنوار الأقاح مفلج

وكأنما جريال عانة شعشعت

في صحنها بزلال ماء الحشرج

خلطت بمسحوق العبير وعللت

بذكي نافجة ونشر يلنجج

علت به بعد الكرى أنيابها

فذهبن بعد تضوع وتأرج (57 )

أما اللواح فتنعكس أبعاد تجربته الصوفية على هذه الصورة بشكل خاص .. فكل الروائح الجميلة التي تفوح هي عبق عاطر للنفس الرحماني القدسي ومن ثم كانت جميع الصور الشمية تدور ضمن هذا الاطار:

طيف لليلى على شحط النوى طرقا

ليلا وطرفي بأمواج الكرى غرقا

حتى أتاني وحياني بها ولها

نشر على الافق من أنفاسها عبقا (8 )

لقد رمز بليلى لمرموز آخر بعيد لا تدركه الأبصار وهو لم يكن إلا طيفا ولفظ " شحط " النوى يكاد يجسد لنا أبعاد ذلك البعد. . وجسد الكرى على هيئة أمواج غرقت بها أجفانه - ونلاحظ تأثير كلمة أمواج للدلالة على شدة النوم والضمير بها في البيت الثاني يعود على الصحراء في بيت قبله محذوف ، ولها يعود على ليلى وقوله في صورة أخرى:

وكم دلنا للخيف والليل أليل

عبير يحيينا وقد غطغط الركب (59 )

لقد دلهم عبير ليلى على الطريق الذي يسلكونه ، وصل إليهم يحييهم وهم نيام ونلاح!ظ تأثير حروف الكلمة في تشكيل صورة تنم عن عمق ذلك النوم "غطغط ". والنوم لدى المتصوفة نوع من الحب ، قال المتصوف لما زارني الله ، أحببت النوم . . ولم أرد الصحيان "فالنوم مجال من مجالات التجلي التي يسعى إليها المتصوف " .

ولا يخرج اللواح من الإطار السابق إلا ليشخص ليلى في صورة الرمز الأنثوي

المحسوس:

سعى بيننا الواشون حتى عبيرها

ونمت بها الأعداء حتى عقودها (60)

لقد برع اللواح في تشخيص أطراف الصورة، رغم تقليديتها، وتكرار معناها لدى شعراء قبله ، إلا أنه تبقى لهذه الصورة فنيتها وبراعتها، فالعبير من ضمن الوشاة الذين سعوا بيننا ليحدث الفراق والخصام وعقودها أحدثت صوتا فدلت علينا وبذلك انضم العبير الذي فاح ووشى بنا، والعقود التي رنت فنمت علينا، الى فريق الواشين ، وتحولت الى الأعداء النمامين الذين يسعون بالقطيعة والفراق بين

الأحبة .. لقد مزج اللواح من هذا التداخل الشمي والبصري والصوتي صورة فنية جميلة ذات إيحاء ات متعددة .

س - الصورة اللمسية:

وهي قليلة النماذج ، إذا ما قورنت بالبصرية والسمعية والذوقية مثلا، وتكاد تكون في غالبها صورا محفوظة تقليدية متوارثة، وتتمثل هذه الصور في التراث العربي عامة وفي شعر العمر النبهاني خاصة في المحبوبة وجسدها الفاتن ، فالمحبوبة

دائما ناعمة الملمس وجها وخدا وبطنا وهي دائما بضة الجسم رخصة ترفل في ناعم الثياب والحرير، ومن مواصفات الخيل الأصيل نعومة ملمس الجلد وهو جلد صقيل لامع الشعر. ويلمس اللواح استار الكعبة متلمسا متباركا، والصورة

اللمسية ترد واضحة صافية لكنها في أغلب الأحيان تأتي مختبئة غائمة متداخلة مع الحواس الأخرى، ومن نماذج الصور اللمسية قول الكيذاوي:

ففي الحر تشبه كانون طبعا

وتشبه في زمن البرد آبا

أغار على ناعم الجسم منها

إذا هي ألقت عليه الثيابا (61)

ويقول الستالي:

من خماص البطون ملس الترافي

مبهجات كمثل بيضى الأداحي (63)

وقوله راثيا ابن الملك ذهل في معنى مجازي جميل وتشبيه مركب بنى على طرفين الأول معنوي ، مجازي والآخر حسي مادي .

وقد كان أحلى في النفوس من المنى

وأشهى وأبهى في العيون من الكحل

فه صبح كيا في الضمائر ذكره

كأن كل قلب ضم منه على نصل (63)

لقد أصبحت ذكرى هذا الولد الحبيب في قلب كل من يحبه ألما وكيا تكتوي منه الضمائر، بعدما كان أحلى من الأماني في النفوس وأشهى من الكحل في العيون ، وألم هذه الذكرى التي تكتوي بها القلوب كألم القلب الذي غرس فيه نصل ثم أطبق

عليه حتى لا ينتزع منه هذا الخنجر المؤلم ، وتظل معاناة الألم سرمدية .

ويقول النبهاني واصفا نعومة حبيبته:.

لها بشر ناعم كالحرير

وخد كجلنارها الأحمر (64)

ويقول واصفا جلد حصانه:

صقيل السراة جميل القطاة

سليم الشظاة من البربر ( 65)

ويقول اللواح مصورا ما ألم به بعد أن لدغته حشرة تسمى "الكرش" بمكة، وتركت على جلده ندوبا كالقروح أو كبعر الكبش حتى أنضجت جلده فأصبح من لسعها كالفرخ الذي شوته النيران .

لقد قرحت جلدي بلسع فلم تزل

به ندب كالفرخ أو بلم الكبش

فغودرت من لسع الكروش ى نني

فريخ من النيران ملقى بلا عش (66)

ويقول واصفا زيارته لقبر الرسول( صلى الله عليه وسلم ) وبكاءه ، وقد أخذ يقلب خديه فوق تربة القبر الشريف ، عله يتطهر من ذنوبه ، وقد ساعداه على ذلك التطهير دمعه المنسكب وقلبه الخاشع ، ولم يشفه من الظمأ والتعطش للتوبة والمغفرة غير تمسحه بذلك التراب الطاهر، ووقفته الطويلة على القبر لائذا، تائبا حتى يسامحه مما علق عليه من أوزار آدميته:

أقلب خدي فوق تربة قبره

وقد ساعداني الدمع فانهل والقلب

ولم يشفني من غلتي غير وقفتي

عليه ويبريني من تربي الترب (67)

ونلاحظ خصوصية لغة اللواح في لفظ "ساعداني " لغة أكلوني البراغيث ، ولفظ - يبريني أي يسامحني لغة محلية من تربي ، أي من آدميتي وأنا إنسان مخلوق من تراب . وقد تتداخل الصور الحسية مع بعضها البعض فتتشكل الصورة بأكثر من

حاسة من الحواس فيشترك الذوق والسمع والبصر مثلا في تشكيل صورة ما، فتصبح الصورة مركبة من تداخل كذا حاسة وتختلف الصور من شاعر الى آخر، ومن بيئة الى أخرى، فصور الستالي الشاعر المترف المقيم في القصور، تختلف عن الشاعر النبهاني المتصحر ذي البداوة الواضحة في صوره وألفاظه وموسيقاه ، وتختلف عن صور الكيذاوي ا لمغترب ، واللواح الشاعر الذي أدمن التجوال والحل والارتحال ، فترك المكان بصماته الواضحة على صوره مثلما ترك الزمان بصماته على صور الستالي ، ولاحظت أن الصورة الشعرية قد اختلفت من حيث التشكيل سهولة وصعوبة، سطحية وعمقا، فالستالي هو شاعر القرون الأولى في العسر النبهاني جاءت معظم صوره تشبيهية تعتمد على حاسة البصر كما وضح جدول رقم 1 وجدول رقم 2 . بينما تتعقد الصورة عند الكيذاوي ليشكلها ا لمجاز والاستعارة، وتصبح الصورة عند النبهاني واللواح مولدة لصورة ثم صورة أخرى، وهكذا نجد أن البساطة والسطحية لدى الستالي خاصة قد تحولت الى تعقيد وعمق وتكثيف واكتظاظ وأن الصورة التشبيهية قد تضاءلت بجانب الصور

المجازية وصور الاستعارة المكنية عند اللواح والنبهاني وهما من شعراء العصر المتأخرين ومن أمثلة الصور المتداخلة في الحواس قول اللواح راثيا أحد العلماء الزاهدين من أصدقائه في صورة ممتدة أجتزيء منها هذه الأبيات التي تتداخل فيها

الصورة البصرية بالشمية بالسمعية باللمسية:

كان حزنك في وسط القلوب لظى

 تجري الدموع عليها وهي تتقد

كأن ذكرك بين العالمين شذى

روضى أجاد عليها الوابل البرد

نروم ننساك لكن قد تركت لنا

خلائقا منك تنعينا فنجتهد

سقى ضريحك محلول النطاق له

زماجر كدموعي فيك تنسرد (68)

والحقيقة أن أغلب هذه الصور لا تعطينا المفهوم الصحيح لمعنى التداخل ، وإنما هي أقرب الى لوحة جمعت فيها الصور الحسية المختلفة فهي لمصطلح التجميع أصح وأدق من التداخل ، وقد تتداخل الصور الحسية مع بعضها البعض بشكل أقرب الى المزيج والخلط ، لكننا نادرا ما نجد ظاهرة ما يسمى حديثا بتراسل الحواس ، "Correspondence " وإذا وجدت في بعض النماذج النادرة، فهي من قبيل

 المصادفة، لم يقصدها الشاعر، ولم يسع الى ايجادها.

وتعتبر مجالس الخمرة عند الستالي متحفا للصور الحسية المختلفة فثمة ورد يبهج العين وعطور تطيب المكان وعزف يؤنس النفس ، وشراب يلذ في المذاق ، يقول بعد أن يصف الروض الذي سقاه مطر الصيف الخفيف ، حتى انتشرت هذه

النفحات في شكل حلل على وجه الثري:

وشادن يتهادى في الصبا غيدا

ميس القضيب تثنى ثمت اعتدلا

يسعى علينا بنور في زجاجته

لولا وقوع مزاج الماء لاشتعلا

من فهوة كنسيم المسك تحسبها

دما جرت في فم الابريق متصلا

كأن ريقتها مما ترقرق في

صفو الزجاج دموع غشيت مقلا

وقينة انطلقت صوت الكران وقد

غنت بسيطا على الأوتار أو رملا

والشرب قد مزجوا صفوا خلائقهم

كما مزجت بماء المزنة العسلا(69)

وعلى الرغم من تقليدية الصور ونمطيتها، وعدم توافق بعضها مع الوقع النفسي للمشهد المصور، إذ يصور تلك الخمرة كدم جرى في فم الابريق متواصل الانسكاب ، وشبهها أيضا بالدموع التي تغشى المقلة، ومجلس الخمرة هذا يفترض أن يكون مجلسا سارا مبهجا للنفس ، لا معنى لإسالة الدموع والدماء فيه ، وقد تتناقض الصورة الواحدة أحيانا، ففي بيت واحد، وصف الخمرة كنسيم المسك ثم قال تحسبها دما جرت ، فأين رائحة المسك من رائحة الدم المراق ؟ ونلاحظ هنا.. أن هم الشاعر من التشبيه في هذه الصور أن يعدد ويحصى الأشكال والألوان دون أي رصيد شعوري أو نفسي ، وهو ما ينبغي أن يكون غاية كل صوره شعرية ،"إن الشاعر من يشعر بجوهر الأشياء لا من يعددها ويحمي أشكالها وألوانها، وان ليست مزية الشاعر أن يقول لك عن الشيء ماذا يشبه ، وإنما مزيته أن يقول ما هو، ويكشف لك عن لبابه وصلة الحياة به ، وليس هم الناس من القصيدة أن يتسابقوا في أشواط البصر والسمع ، وإنما همهم أن يتعاطفوا ويودع أحسهم وأطبعهم في نفس اخوانه زبدة ما رآه وسمعه ، وخلاصة ما استطابه أو كرهه "

(70). وبالرغم من ذلك فللستالي صور عدة لمجلس الخمر يصور فيها تمازج الصور الحسية وتداخلها تصويرا أفضل من هذه اللوحة.

2 - الصورة الذهنية:

الى جانب الصور الحسية، هناك الصور الذهنية وهي تلك "الخيالية التي تكسب المعنى خصوبة وامتلاء. . وهذا النوع من الصور أدخل في باب الابداع الخيالي ، لأن مقدرة الشاعر الابتكارية تتمثل فيه " ( 71).

ومن المعروف أن للخيال طاقات خلاقة لا تحد، وأن الصور الذهنية عادة ما تكون صورا خاصة بصاحبها، أي أنها صور ليست تقليدية متوارثة متناقلة عبر الشعراء. . وإنما هي إبداع فردي يحمل بصمات صاحبه وخصوصية شخصيته .

ومن هذه الصور قول اللواح مجسدا ومصور لعبراته التي قد واكبتها زفرات لا يدرس مجراها، حتى إن زفراته قد رحمت ضلوعه لأنها تنقد وتتساقط منها عندما يتنفس الشاعر، ومن حرارة وهج هذه الزفرات ، ظن السائرون ليلا بأن نيرانا تشتعل ، في خياشيمه ، فأتت إليه لعلها تستدفيء بها أو تأخذ منها قبسا:

كم عبرة قد ربعتها زفرة

درست ومجرى وقعها لا يدرس

رحمت حشاشتي الضلوع لأنها

تنقد منها عندما أتنفس

ظن السراة مقابسا بخياشمي

فأتت إلي لعلها تتقبس (72)

وحينما صور كثرة الأمطار التي نزلت على عمان شخص المزن في صورة حور عاطفات على الأرض ، وشخص الأرض بكف تحلب من هذه المزن في إناء كبير.

كأن المزن حور عاطفات

وكف الأرضى يحلب في إناها (73)

ويقول النبهاني مصورا بعده عن رايه وعن ملكه وعن وطنه:

جمح الزمان بها وبي وتواترت

نوب اسنتها أصبن مقاتلي (74)

ويقول الكيذاوي مادحا ممدوحه بالشجاعة والكرم تجاهه حتى إنه قد كف الخطوب التي كانت تعض الشاعر فأصبحت دردا بعد أن سلبها الممدوح أضراسها. .

وتركت أفواه الخطوب جميعها

دردا وكنت سلبتها الأضراسا ( 7)

ويقول مجسدا حب من يهواها بأنه قد رعى في روض قلبه واستوطن في تلك الرياض - ثم أفرخ في سويداء القلب وعششا.

رعى روضى قلبي حبها متوطنا

وأفرخ في سوداء قلبي وعششا (76)

ويقول اللواح مصورا تأثير الشيب عليه مصورا ومشخصا فعل الزمان بوجهه كمن يعرب الحروف وينقطها - ويشخص الموت جاعلا له يدا تلقط ما تبقى من الانسان بعد أن يضعفه الكبر":

تشفلط جلدي والليالي تشفلط

وتعرب إعراب الحروف وتنقط

وقد نثرت فيه الحوادث أشمسا

وليس له إلا يد الموت تلقط (77)

الهوامش:

1 - د. عبدالقادر القعل الاتجاه الوجداني في الشعر العربي المعاصر. مكتبة

الشباب سنة 978 1 م ص 435.

2 - د. شفيع السيد/ التعبير البياني رؤية بلاغية نقدية - الطبعة الثانية

سنة 1982 - دار الفكر العربى . ص 141 نقلا عنWinifred

Nowottny Op.cit, p57

3 - المصدر السابق .

4 - د. كامل حسن البصير" عضو المجمع العلمي العراقي . بناء الصورة

الفنية في البيان العربي - مطبعة ا لمجمع العلمي العراقي - بغدار سنة

1987 م ص 54.

* - الآيتان 7 ، 8 من سورة الإنفطار.

* - الآية 64 من سورة غافر"

5 - د. شفيع السيد - التعبير البياني رؤية بلاغية نقدية، ص 139،

الهامش .

6 - د. علي عشري - عن بناء القصيدة العربية الحديثة، الطبعة الثالثة مكتبة

النصر - سنة 3 99 1 - ص 4 8 .

7 - د. عبدالاله الصائغ - الصورة الفنية معيارا نقديا - وزارة الثقافة

والاعلام بغداد سنة 87 9 1 م . ص 6 0 4 .

8 - د. شفيع السيد / التعبير البياني - ص 141 .

9 - د. عبد الاله الصائغ / التعبير البياني - 141 .

10 - النبهاني - ديوان النبهاني - ص 433.

11 - النبهاني - ديوان النبهاني ص 59.

12 - النبهاني - ديوان النبهاني -ص 56 .

13 - الستالي - ديوان الستالي - ص 70.

14 - نفس المصدر ص 43

15 - الستالي - ديوان الستالي ص 16 .

16 - المرجع السابق ص 101 .

17 - عباس محمود العقاد وإبراهيم المازني - الديوان ط 3 - دار الشعب -

القاهرة 1921 ج 1 ص 21 .

18 - الستالي - الديوان ص 43 .

19 - المرجع السابق - ص 53

20 - المرجع السابق - ص 88 .

21 -النبهاني - الديوان ص 9.

22 - الكيذ اوي - الديوا ن - ص 101

33 - الكيذاوي - الديوان - ص 31 . ء

24 - المصدر السابق - ص 8 .

" - أخذ هذا البيت من تكملة القصيدة من المخطوط رقم 2.

25 - اللواح الخروصى الديوان ب 1 - ص 114 .

26 - المصدر السابق ب 1 - ص 191 .

27 - المصدر السابق ص 260.

28 - اللواح الخروصي - الديوان - جـ 1 - ص 344 .

29 - ابن جني - أبو الفتح عثمان بن جني - الخصائص 1 /46 تحقيق

محمدعلي النجار - مطبعة دار الهدى - بيروت - الطبعة الثانية سنة

1986م.

30 - الستا لي - الديوان - ص 113 .

31 - ينسب هذا البيت أحيانا الى مجنون ليلى.

32 - الستا لي - الد يوان - ص 119 .

33 - المصدر السابق - ص 202 .

34 -المصدر السابق -ص 150.

35 - النبهاني - الديوان - ص 125.

36 -المصدر السابق -ص 50

37 - المصدر السابق - ص 354

38 - النبهاني - الديوان - ص 205.

39 - النبها ني - الديوان ص 97 .

40 - النبها ني - الديوان 110 .

41 - النبها ني - الديوان - ص 119 .

42 - الكيذاوي - الديوان - ص 177 .

3 4 - اللواع - الديوا ن - ب 1 ص 23 2 .

44 - المصدر السابق - جـ 1 - ص 354 .

45 - المصدر السابق - جـ 1 - ص 389.

6 4 - اللواح -الد يوان - جـ 2 - ص 89 .

7 4 - الستالي - الديوان - ص 333 .

48 - النبهاني - الديوان - ص 45 .

49 - الكيذاوي - الديوان - ص 179 .

50 - الستالي - الديوان - ص 353 .

51 - اللواح - الديوان - ب 3 - ص 116 .

52 - المصدر السابق - ص 139 .

53 - المصدر السابق - ب 3 - ص 4 22 .

54 - المصدر السابق - ب 1 ص 163 .

55 - الستالي - الديوان - ص 101 .

56 - الكيذاوي - الديوان - ص 196 .

57 - النبهاني - الديوان - مى 84 .

58 - اللواح - الديوان - ب 1 ص 155

59 - اللواح - الديوان - ب 1 ص 201 .

60 - المصدر السابق - ص 354 .

61 - الكيذاوي - ا لديوان - ص 38 .

63 - الستالي - الديوان - ص 103 .

3 6 - المصدر السابق - ص 339

64 - النبها ني - الديوان - ص 121 .

65 - المصدر السابق - ص 124

66 - اللواح - الديوان 1 / 140 .

67 - المصدر السمابق 1 / 204 .

68 - اللواح - الديوان جـ \ / ص 142.

69 - الستالي - الديوان - ص 371 .

70 - العقاد - الديوان ب 1 ص 17 ، 18 .

71 - د. عز الدين اسماعيل - التفسير النفسي للأدب - دار العودة - بيروت

- الطبعة الرابعة سنة 988 1 ص 2 9.

72 - اللواح - الديوان - ب 1 / 137

73 - اللواح - الديوان - ب 1 / 390 .

74 - النبهاني - الديوان ص 252 .

75 - الكيذاوي - الديوان ص 155 .

76 - المصدر السابق - ص 163.

77 - اللواح - الديوان - حـ \ / ص 143 .


 


سعيدة بنت خاطر  (كاتبة وشاعرة عمانية)

أنماط بناء الصورة في شعر بثينة

 

أنماط بناء الصورة في شعر بثينة

 

الباحث: أ/ سالم محمد سالم بامؤمن
الدرجة العلمية: ماجستير
 الجامعة: جامعة حضرموت
بلد الدراسة: اليمن
لغة الدراسة: العربية
تاريخ الإقرار: 2008
نوع الدراسة: رسالة جامعية
الــخــاتــمــة
تعود الجذور التاريخية الأولى لمفهوم الصورة في النقد العربي القديم إلى الجاحظ الذي يرى أن الصورة هي الوجه الحسي الجمالي، وأن جودة الشعر تكمن في تلاحم أجزاء القصيدة معنى وألفاظاً ووزناً حتى تبدو القصيدة كأنها جنس من التصوير، كما أن الجاحظ هو أول النقاد الذين أشاروا إلى فاعلية الصور الحسية في الشعر وبخاصة البصرية منها.
ويلتقي ابن طباطبا العلوي مع الجاحظ في القول إن الشعر تصوير ونسيج وصناعة، أما تنميط الصورة عنده فلا يقتصر على الصور الحسية بل يتعداها إلى صور أخرى كاللونية والضوئية والحركية والصوتية والمعنوية، فهو قد أَلَمَّ بالصور الحسية والمعنوية.
أما قدامة بن جعفر فيلتقي مع الجاحظ من خلال اعتماده في جودة الشعر على التصوير والصياغة ولكنه يضيف نمطاً جديداً آخر للصورة وهي الصور التي تعتمد على الجانب التأملي والمعنوي ويمكن تسميتها بالصور الذهنية.
أما الرماني فإنه قد سلك منهج الجاحظ في التصوير والتقديم الحسي للمعاني وبخاصة البصرية منها، مستفيداً من هذا المنهج في تحليل الآيات القرآنية وتفسيرها.
والباقلاني هو الآخر أيضاً ينهج نهج الجاحظ في الاعتماد على التصوير الحسي للمعاني الشعرية.
أما عبد القاهر الجرجاني فقد شكّل بآرائه النقدية في كتابيه (دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة) منعطفاً جديداً في تاريخ الصورة يضاف إلى منهج الجاحظ التصويري، حيث بنى فهمه للصورة على أساس نظرية النظم، فالتصوير لا يكون عنده إلاّ بوساطة صياغة الألفاظ وترتيبها والتأليف بينها، والنظرة الكلية للقصيدة بوصفها بنية لغوية أو تركيباً لغوياً حتى تظهر الصور متناسقة ومنسجمة الأجزاء، وذوات دلالات إيحائية، ويبلغ مفهوم التصوير فيما أسماه عبد القاهر بـ(معنى المعنى) ذروته الجمالية من خلال دلالاته الإيحائية، ومقدرته على الخيال التصويري الرائع، فالصورة عنده بهذا المفهوم أضحت هي (الأسلوب).
أما حازم القرطاجني فإنه قد ركّز على التخييل في الشعر لإيمانه أن أروع الصور الشعرية هي التي توحي بأكبر قدر من الدلالة والإثارات التخييلية عند المتلقي، فالصورة عنده خيط يتجاذب طرفيه الشاعر (المبدع)، والمتلقي (مفكك الصور).
وعلى هذا فإن جهود النقاد العرب القدامى في تأصيل مفهوم الصورة قد بدأت بالجاحظ، حيث تلتقي الصور الحسية عند الجاحظ وابن طباطبا والرماني والباقلاني بالصور المعنوية عند قدامة لتؤلف أسلوب الشاعر المبدع عند عبد القاهر، ثم لتثير خيال المتلقي ووجدانه عند حازم القرطاجني.
والتعبير الحسي في الصور الشعرية مفهوم تردد في الدراسات البلاغية كثيراً، وذلك لأنه أسلوب يكشف المعنى الشعري المخزون في الذهن بشفافية للمتلقي. ومن أنماط الصور البلاغية التي تعتمد على التعبير الحسي الصور التشبيهية حيث تجمع بين الأشياء المتماثلة الكائنة في النفس والشعور لتقيم بينها وبين الآخر علاقة معاناة وعلاقة بحث في العالم المحيط، وهي أكثر الأنواع البلاغية استعمالاً حيث تُعَدُّ أصل الألوان البيانية وعمدتها.
والصور الاستعارية تؤدي المعنى الشعري بطريقة تجسيمية لأنها توحّد بين ذاتين بحيث يصبح في مقدور أحدهما أن ينوب عن الآخر، وتكمن جماليتها في الخيال التصويري الذي يسيطر على المتلقي بحيث تلتئم العاطفة مع الحواس فتحدث اللذة عن طريق الإيحاء، والتقمص الوجداني مع كائنات الحياة، وتصبح شريكة له وبهذا تظهر فيها الفعالية الخلاقة بين اللغة والفكر.
وتمتاز الصور الكنائية بالحيوية التصويرية حيث يفضي المحسوس فيها إلى المجرد، لذلك يتطلب من المتلقي للصورة النزول إلى عالم الأشياء لإدراك المجرد بوساطة التعبير الإيحائي فيها، فتؤثر في متلقيها لأنها تعرض له المعنى مقروناً بالأدلة والبراهين، كما أنها تمتلك طاقة جمالية وإيحائية وتأملية في آنٍ عبر الثنائية الدلالية في (المعنى) و (معنى المعنى).
أما النقد الحديث فيرى أن مصطلح الصورة من المواضيع المعقدة والمراوغة، ولذلك لا يجد الباحث في خضم العديد من المفاهيم للصورة في النقد الحديث تعريفاً للصورة الشعرية، ومن خلال تتبع هذه المفاهيم يمكن القول إنها سلكت في معالجتها طرقاً وأساليب متشعبة، سببه اختلاف الباحثين وتنوع مذاهبهم ومدارسهم الأدبية والنقدية.
ولكن النقد الحديث خطا خطوات متقدمة من خلال النظرة الكلية للصورة، ورفض تقطيع الصورة إلى أجزاء من غير النفاذ إلى روحها، ولهذا أصبحت الصورة في النقد الحديث بنية من العلاقات والتفاعلات المتشابكة المنتجة للعمل الفني.
وتشير دلالة مصطلح الصورة في النقد العربي إلى عدة دلالات منها الدلالة اللغوية والذهنية والنفسية والرمزية والبلاغية أو الفنية، وقد استفاد النقاد الغربيون من نظريات علم النفس الحديث في الدلالة النفسية للصورة التي تشير إلى أن الناس مختلفون في تشكيل صورهم في أذهانهم ، كما استلهموا من علم النفس أيضاً في تصنيف صور الشعراء (لمسية/ حرارية ضغطية )، ومن هذا تولّدت عندهم الدلالة الحديثة للصورة النفسية المتمثلة في التعبير الحسي عن التجارب إلى الذهن ثم ينقلها الذهن إلى الشعر ثم يعاد إحياؤها واسترجاعها بعد غياب المنبه الحسي.
وتمحورت تعريفات النقاد الغربيين للصورة في فعالية الصور البصرية المليئة بالعاطفة، ثم تدرج هذا المفهوم إلى الصورة الذهنية (المجردة) المعتمدة على الحواس، ثم الصورة التشبيهية والاستعارية، ثم تطور هذا المفهوم بوصف الصورة معاناة لغوية فضلاًعن كونها معاناة قول وحياة.
وفي إطار الحديث عن الصورة في النقد الغربي يمكن ضبط رؤى ونظرات الاتجاهات والمدارس الأدبية والنقدية:        
فالكلاسيكيون أهملوا الخيال في صورهم؛ لأن الصورة في نظرهم تعتمد على الوضوح والحقيقة، ولذلك وقفوا عقبة في سبيل فهم الصورة. أماالرومانسيون فقد طرقوا الخيال الشعري لرسم صورهم الشعرية، وهم من ابتدع مصطلح الصورة في العصر الحديث من خلال المزاوجة بينهم وبين الطبيعة ليصلوا إلى الحلول الشعري بينهما. أما البرناسيون فقد مالوا إلى التصوير التجسيمي المحسوس الذي يدرك عن طريق العين فهم يؤكدون على فعالية الصور الحسية المرئية وأثرها في إيضاح الفكرة المطلوبة. أما الرمزيون فيلجؤون إلى التصوير المادي للأشياء ومن الماديات يعبّرون عن الأشياء النفسية والوجدانية عن طريق اللغة الوجدانية وتراسل الحواس والتعبير الإيحائي عبر الرمز. أما السيرياليون فيعدون الصورة جوهر الشعر، وهي من انتاج الخيال ، ويهتمون بالصور التي تعبر عن الجوانب النفسية والباطنية، وأفضل الصور عندهم هي التي تبرز الحواس لأنها في نظرهم أقوى تأثيراً على القارئ، كما يفضلون الصور المتضادة وتراسل الحواس والمدركات. أما المدرسة النفسية للأدب فقد تمكّنت من تحويل الصور الموجودة في عالم اللاشعور الباطني إلى صور محسوسة في عالم الشعور الإنساني. أما الوجوديون فالصورة عندهم عمل تركيبي يضم نوعاً من المعرفة الحسية تتمثل للوعي ويكون موضوعها في حكم المعدوم، ويتم تصميمها عن خيال تلقائي. أما الشكلانيون الروس فالصورة عندهم خلق رؤية خاصة للشيء في الوجود . أما البنيويون فالصورة عندهم هي جوهر فن الشعر، وهي القصيدة نفسها التي تحرر الطاقة الشعرية الكامنة في العالم. أما السيميولوجيون فالصورة عندهم تعني تمثيلاً لجميع التجارب الحسية والحركية.
وفي تأصيل مفهوم الصورة في النقد العربي الحديث انقسم النقاد إلى قسمين فرأت مجموعة أن المصطلح حديث وجديد وجاء إلى النقد العربي بتأثير النقد الغربي الأوربي، في حين رأت مجموعة أخرى أن المصطلح حديث بدلالاته الجديدة ولكنه قديم في أصله يعود إلى البدايات الأولى للخصائص النوعية للأدب.
ويرى بعض النقاد العرب أن الصورة هي امتزاج فني تعادلي بين الحقيقة والمجاز ثم أضاف إليها نقاد آخرون الجانب الوجداني، في حين يميل نقاد آخرون إلى إبراز الجانب الوجداني والانفعالي وحدهما في تعريف الصورة، في حين ضمّت مجموعة أخرى إلى الطاقة الوجدانية النفسية الطاقة الذهنية التصورية، ورآها نقاد آخرون في الألوان البلاغية جميعاً، والبعض الآخر جسدها في الاستعارة ، وآخرون في التشبيه والاستعارة. ورأى نقاد آخرون أن للثنائية القائمة بين المتشابهات والأضداد فعالية كبيرة في بناء الصورة وتكوينها، ورأى آخرون فاعلية الدلالة الصوتية في بناء الصورة ، ويراها البعض الآخر عملاً تركيبيّاً يقوم الخيال ببنائها.
وحول نشأة الخيال في نظريات النقد العربي الحديث ظهر اتجاهان فيرى الاتجاه الأول أن العرب لم يهتموا بالخيال كثيراً، وأن صور الخيال تأتي في بعض الفنون البلاغية كالتشبيه والاستعارة، أما الاتجاه الثاني فيرى أن العرب عرفوا      ( التخيّل ) مقابلاً للخيال.
وتتردد في أبحاث الصورة في النقد الحديث مصطلحات أربعة وهي: الصورة الفنية التي تشمل كل ما يقع في إطار الفنون ومنها الشعر، والصورة الأدبية التي تشمل الشعر والنثر، والصورة الشعرية التي تشمل الشعر بمفرده، أما الصورة البلاغية فهي التي يعبر عن المعنى فيها بأحد الأساليب البلاغية.
والبحث قبل أن يدرس أنماط الصورة في شعر جميل بثينة حاول أن يعطي تعريفاً للصورة في شعر جميل فيرى أنها (التعبير بالكلمات الشعرية عن مكنونات النفس البشرية وسرائرها ولواعجها وخلجاتها، لرسم لوحة ناطقة ومعبّرة وموحية للآخرين للإحساس بآلام النفس البشرية ومرارتها وأوجاعها وما تواجه من حرمان وتوّقد في الحياة بسبب صدود المحبوبة وفراقها).
ومن أنماط الصور في شعر جميل الصور الحسية التي هي محفزات ومثيرات تعتمد على الحواس في إيضاح مداليلها وتنقسم إلى صور بصرية وذوقية وشمية وسمعية ولمسية.
والصور البصرية هي التي تعتمد على العين في تصوير الأشياء، كما أنها اعتمدت في مواضيع أخرى على (عين الخيال)، ومن اللافت للنظر في صور جميل البصرية طغيان الحركة فيها حيث تجلت لتصوير حركة الضياء والنور، وحركة العين والكحل، وحركة الحياة المرتبطة بالماء والظل، وحركة الحيوان (الظباء والنعاج، والناقة، والقطا)، وحركة لباس المحبوبة (الرداء، والبرد، والإزار).  كما تجلت في صور جميل البصرية ثلاثة أنواع من الحركة وهي: الحركة الهادئة البطيئة، والحركة السريعة المتلاحقة، والحركة المختلطةالمتداخلة. وقد علل البحث كثرة الحركة في الصور البصرية إلى كثرة الجري الدائم وراء المحبوبة، والهروب من الرقباء، وتخطي الموانع والحواجز المانعة للقاء بثينة، كما جاءت الحركة لتصوير طهارة الحب عند جميل وعلوّه عن الحب السائد في الواقع، كما جاءت متناسبة أيضاً مع البحث عن الماء والظل والمطر والاخضرار وهذه الأشياء جميعاً يجدها في محبة بثينة والتعلق بها.
أما الصورة الذوقية في شعر جميل فقد صورت مذوقات جمالية مختلفة منها (ماء السحاب، والعسل)، كما صورت مذوقات ضدية للحلاوة وهي (السم، والباطل الشهي، والسقيا المُرَّة) ولكن هذه الصور المتضادة تلتقي كلها جميعاً لكونها تعمل لصالح بثينة، ولأنها حملت في ثناياها معنى الطهارة والصفاء والنقاء في الحب، وقد ساعدت كل هذه الصور على تحسين شعر جميل وجماله.
والمتأمل للصور الذوقية في شعر جميل يجد أنها تُبنى على بناء خاص، وفيها يعتمد على ثنائية العطش والارتواء حيث مثّلتها الثنائيات الضدية:
- ثنائية العطش والارتواء (الحائم العطشان- والمزن)
- ثنائية العطش الشديد والماء البارد ( شرب النزيف ، وبرد الحشرج )
- ثنائية (الصاديات-وبرد الحياض) ,و (الحواني-وحباب الماء) ,و (الرواني واللواغب-وأصوات السقاة).
- ثنائية (الصادي، الماء العذب).
وقد مثلت تلك الثنائيات في الصور الذوقية في شعر جميل الموقف العذري بكل أطرافه، كما أحالت هذه الثنائيات إلى ثنائية العشق العذري (جيل/ بثينة)، (العطش/ الارتواء).
ومن البُنى الفنية في الصور الذوقية أيضاً الاعتماد على: (التصفيق، والمخالطة، والمخالطة المتعددة في المذوقات) و (المخالطة الذوقية بين المحسوسات والمعنويات). ومن البُنى الذوقية أيضاً: نقل المذوقات إلى مثال مقدس ونادر وخارق يتجه إلى (لسان الخيال) كما اعتمد جميل في صوره الذوقية على تراسل الحواس حيث تجلى التراسل بين: ( المشموم والمذوق ) ، و ( المنطوق أو المسموع والمذوق ) ، و ( المتخيّل والمذوق ).
أما الصور الشميّة فقد صورت روائح المحبوبة والمحب، كما صورت الروائح المعنوية التي تكتسي بها المحبوبة، وقد تمحورت الصور الشمية في شعر جميل في الآتي:
- تصوير رائحة الطبيعة وتمثلت في روائح الزهور الورود والرياحين والرياض، ورائحة المسك والعنبر والخمرة المصنوعة وريح المحبوبة.
- تصوير رائحة الطبيعة المنقولة إلى الطلل.
- تحويل الرائحة إلى طعم وتمثل في الخمر وماء المطر والعسل.
- نقل الرائحة إلى مثال نادر (جنة الخلد).
ومن اللافت للنظر في الصور الشمية عند جميل أن صورة المسك الشمية قد أخذت صفات متعددة منها (الفتيت، والذكي، والفوّاح، والمطلي، والمروي، والأحم) ، وهذا يرجع إلى تنوع تلقيه لرائحة المسك، وهو ما يعكس الحركة الفنية في الوصف الشمي لرائحة المحبوبة ، والمثالية النادرة في الشم عند جميل  (العاشق) .
والصورة السمعية في شعر جميل صوّرت مخاطبة المعنويات وهي (الذات، والقلب، والريح) كما صورت محاورته للطير (الحمام، والغراب)، كما صوّرت صوت المحبوبة وجرس حليّها.
أما الصور اللمسية في شعر جميل فقد صوّرت المعنويات التي تصور لحظات اللقاء بالمحبوبة، والدفء الجسدي والمعنوي الذي يحس به في أثناء وصال المحبوبة. ويعلل البحث قلة الصور اللمسية في شعر جميل إلى العفة المحاطة بتقوى الإسلام وطهارة الحب العذري وصفائه وإشراقه ، ولأن الحب عند جميل ليس مجرد علاقة بين رجل وامرأة وإنما تمتد هذه العلاقة إلى عالم أوسع يشكل في إطاره العام الحياة بمعناها المليء بالخصب والنماء والطهر والخُلُق والقداسة والإشراق النفسي.
ويرجع البحث أسباب كثرة الصور البصرية في شعر جميل إلى أن أمنية جميل في الحياة رؤية المحبوبة أمامه دائماً لأنها شكلت بالنسبة إليه الوجه الآخر المضيء لحياته. كما أنه يتمشى مع ما ينشده النقد الحديث من أن الصور البصرية تشكل جوهر الشعر.
أما الصور غير الحسية فتتجلى فيها الصبغة الخاصة لحالة العشق عند جميل لأنها تعبر عن أحاسيس مجردة في الحب، كما تعبر عن حالات شعورية متقاربة من الشوق والوجدان والحرمان والذكريات والأمنيات وصدق النفس في معاناة أشواقها.
وجميل في صوره غير الحسية يبني صوره على رهافة حسه ورقته والعواطف الحادة بوساطة رموز وإيحاءات هذه الصور، ومن الوسائل التي اعتمد عليها في بناء صوره غير الحسية استخدام الألفاظ العاطفية والانفعالية مثل: الصبابة، والشوق، والهجر، والأنات والزفرات والسهاد والسحر والخطرات والطيف والحرمان.
وتقسم الصور غير الحسية في شعر جميل إلى الصور الوجدانية والصور التجريدية.
فالصور الوجدانية هي التي ترسم أنموذجاً وجدانياً خاصاً بحالة جميل في العشق معتمداً فيها على الإيحاء لتصوير الأحاسيس الداخلية التي تنبع من الأعماق،  ومن الكوامن الشعورية التي صورتها الصور الوجدانية عند جميل الصبابة في العشق التي كشفت عن حالة الهيام الدائم بالمحبوبة، والمكانة المتفردة لحب بثينة في مواجده، والارتحال إلى حيث تسكن المحبوبة، وبيّنت صور الصبابة مكامن الصبابة لبثينة عنده، فهي كائنة في لسانه وعينيه وجفونه وقلبه وعظامه وأحشائه وجوانحه ونفسه وسواد قلبه فهي قد رسمت حالة الاستغراق اللاشعوري لبثينة في جسمه. كما تكون الصبابة مداهمة له في أوقات شتى مما يوحي بضعفه واستسلامه لها، كما تكشف صور الصبابة فلسفة جميل في الحب والعشق المتمثلة في موت العشق عنده باللقاء، وحياة العشق بالفراق، والقناعة باللقاء المعدوم.
أما الشوق ولواعجه فينبعث عند جميل من مثيرات متعددة منها: رؤية منازل المحبوبة وأوديتها وصدودها وهجرها له والقرب منها، وصوت الحمام والغيث والمطر على أرض المحبوبة حينما يلحظه عن بعد. وهذه المثيرات العاطفية للشوق تضفي على جميل روح الوصال بالمحبوبة.
والحرمان نشأ عند جميل بسبب الفراق والمماطلة من المحبوبة وقد كان جميل أنموذجاً فريداً في تجرع كأس الألم والحرمان حتى ظهر عليه (النحول، والأرق، والهزال، والجنون، واعتلال الجسد بكامله) . وقد ظهر الحرمان عند جميل في صور تفاؤلية من خلال ( التمني، والقناعة بالقليل من المحبوبة أو عدمه، واللقاء بالعيون في أثناء نظرتها للسماء بين المحب والمحبوبة ) وهي ما تكشف عن تحرر جميل من نوازع الجسد حيث تخطاها إلى الوجد والشوق. كما تجسد الحرمان عند جميل في صور تشاؤمية تمثلت في تمني العاهات (العمى)، وهلاك نفسه (الموت). والحرمان عند جميل لا يفسد عشقه بل يزيده تطلعاً وتفاؤلاً بلقاء المحبوبة.
وتمثلت حالات اعتلال الجسد عند جميل في (الهزال، والشحوب، والنحول، والأرق، وقصر الجفون، وظهور الشيب، وتصدع القلب، وتلف النفس، وتقطع الكبد، أنين الرئة) ، كما ظهر عنده اعتلال معنوي من خلال (ذهاب العقل، والحيرة، وضياع النعل، والرهن، واللدغ، واعتلال الريح)، ويكمن مصدر الاعتلال الجسدي والمعنوي عنده في (نظرة المحبوبة، وكحل عينيها، وذكر المحبوبة ) . أما علاج الاعتلال فيكون بالنظر إلى محبوبته بثينة.
أما الصد من المحبوبة فقد ظهر على شكل عدة صور منها الدلال والبخل ولكنها كانت صفات إيجابية لأنها مظهر من مظاهر جمال المحبوبة، كما أن الغربة والحسرة والفقد تتجهم في وجه جميل فتصور له الصدود والهجران والوجه الصلود من المحبوبة.
أما محاولة النسيان فقد حاول بوساطتها جميل الخلاص من عشقه حيث ظهرت صور محفزة للنسيان منها: (البعد، والنأي، والغضب، واليأس) ولكنها كانت ضعيفة القوى أمام محبة بثينة في وجدانه، كما برزت صور ساعدت على التمسك بالمحبوبة واستحالة نسيانها فمنها: ( غفلة الوشاة عنهما، ومراقبة المحبوبة له، والعواطف الجياشة للمحبوبة، والمحبة الأبدية للمحبوبة، واستمرارية الحياة في الطبيعة المحيطة بجميل العاشق )
أما صور التحدي فقد أظهرت جميلاً عاشقاً وفارساً نبيلاً تقوم فروسيته فيها على السجايا الحميدة، فهي فروسية روحية ميدانها الحياة. ومن صور الفروسية التحدي لأهل بثينة وأبناء عمومتها، والابتعاد عن المخاتلة والعفو عند المقدرة والترفع عن سلوكيات الخصوم. ويظهر جميل في صور التحدي المجاهدة من أجل ديمومة الحب والعشق لبثينة وطهارته ونقاوته وإشراقه، كما تكشف صور التحدي عن ذاتية الحب عنده بتعزير المعاني الإيجابية في المحبوبة عبر رفض القيم السلبية في أهلها، وهنا تكمن محبة بثينة عنده. أما الاستسلام فقد كان من المحبوبة لوشاية الأقرباء والعذال، أما استسلامهما فقد كان للدهر ونوائبه، كما أن الاستسلام قد نحا منحى آخر عند جميل تمثل في استسلامه وضعفه أمام جمال محبوبته بثينة، ولهذا فإن بثينة تغدو دليل انتعاش روحه ودليل تعبها أيضاً، وهذه مفارقة مضادة يعانيها جميل، حيث تصبح بثينة رمزاً للألم في العشق والسعادة فيه، ولهذا فإن صور الاستسلام لا تأتي استسلاماً بالمعنى الكامل للكلمة ولكنها دخول في أخص خصائص العشق والمحبة.
أما الصور التجريدية فهي المتعلقة بالكيانات المجردة حيث يشترك فيها كل من الحس والفكر، ولذلك تتشكل الأشياء في هذا النوع من الصور في بصيرة الشاعر، وقد تمظهرت الصور التجريدية عند جميل في صور الخطرات والذكريات وصور السحر والجنون وصور الطيف.
وقد حملت الخطرات والذكريات تصوير الألم والأسى والمرض والجروح الجسمية والأرق والسهاد واليأس والهلاك الناشئ عنده من تذكر المحبوبة، كما حملت صور الخطرات والذكريات دلالات إيجابية في محبة بثينة عنده وقد تمثلت في تذكر أيام الشباب وعدم نسيان المحبوبة.
أما صور السحر والجنون فإنها تتجلى على شكل قوى خفية متمثلة في الجمال الساحر الذي يراه جميل يشـع من محبوبته بثينة من غيرها من النسوة. واللافت للنظر في هذا النمط من الصور أن جميلاً قد مزج بين العشق والسحر والجنون وجعلها منظومة متكاملة في تجربة عشقه لبثينة، لذلك فإن السحر والجنون ليست أمراضاً ولكنها حملت دلالة إيجابية رسخت المحبة القوية لبثينة عنده.
أما الطيف فهو الدواء الشافي لكل محبوب مهجور تطاول غمه وأرهقه الفراق، وهو خير معوّض للهجر والصدود حيث يتجلى في الليل مسرح اللقاء بين جميل ومحبوبته عبر لقاء طيفهما. وفي صور الطيف يتحقق لجميل كل ما يتمناه من وصال بالمحبوبة ومطالب كثيرة ولكنه ما يلبث في الصباح أن يجد ذلك خيالاً فتزداد حالته ألماً. ولكن ما يميز صور الطيف جمالياً هو فاعلية التضاد القائم فيها بين النوم واللقاء حيث يجمعهما (الشوق والشجن) للمحبوبة وهو ما يحقق المماثلة بينهما، وبهذا تكون بثينة بجمالها مسيطرة عليه في صحوه ومنامه، فهي قد مثلّت بالنسبة له الحياة بجمالها الأبدي عنده.

الخميس، 13 ديسمبر، 2012

رياضة "الطبلة" في الشعر الأندلسي

رياضة "الطبلة" في الشعر الأندلسيفي عصر بني الأحمر
الدكتور صلاح جرّار/ الجامعة الأردنية
مقدمـة:
دعاني إلى إعداد هذه الدراسة داعيان: أولهما: الكشف عن رياضة أندلسية شاعت في غرناطة في عصر بني الأحمر (635هـ- 897هـ/ 1238م - 1492م) لم يرد لها وصفٌ إلا في عددٍ من قصائد الشعراء الأندلسيين، ولم يصفها أيٌّ من المؤرخين القدماء، ولم يدرُسْها أيٌّ من الدارسين المحدثين.
وثانيهما: أن الدارسين الذين درسوا الشعر في زمن بني الأحمر، أو درسوا شعر أي من الشعراء الذين وصفوا هذه الرياضة، تجنبوا التعرّض للأبيات التي تصف تلك الرياضة، لأن أحداً من هؤلاء الدارسين لا يستطيع أن يعرف صفات تلك الرياضة من خلال قصيدة بمفردها، إذ لا بد من جمع مختلف القصائد التي وصفت الرياضة وإخضاعها للمقارنة من أجل استجلاء صورة هذه الرياضة، وهو ما تهدف إليه هذه الدراسة. وأما من استوقفته هذه الرياضة من الباحثين فقد وقف حائراً بين يديها، كما فعل إميليو غارسيا غومس في كتابه "مع شعراء الأندلس والمتنبي"() حين قال: "إن هذه اللعبة غامضة"؛ وكما فعل محقق "أزهار الرياض" في تعريفه "الطبلة" بأنها بعض آلات الحرب()، معتمداً في ذلك على معجم دوزي.
وقد عثرتُ على ثماني مقطوعات شعرية متفرّقة في وصف هذه الرياضة، وردت كل مقطوعة منها ضمن قصيدة مطوّلة في وصف الاحتفالات التي كان يقيمها ملوك بني الأحمر في المناسبات الوطنية والاجتماعية والدينية المختلفة في غرناطة، وهذه القصائد لخمسة من شعراء غرناطة في عصر بني الأحمر. وقد جعلتُ هذه المقطوعات الثماني في ملحق في آخر هذه الدراسة، وجعلتُ لكل مقطوعة رقماً، وأشرتُ في أثناء الدراسة إلى كل مقطوعة برقمها.
وقد اختلفت المصادر الأدبية في اسم هذه الرياضة فبعضهم أطلق عليها اسم "الطّلْبة" وبعضهم سماها "الطَّبْلة" بتقديم الباء على اللام، وقد آثرتُ إرجاء البحث في اسمها إلى حين الانتهاء من التعرف على ملامحها وأصولها ومبادئها كما وردت في المقطوعات المذكورة، لأن معرفة مبادئ هذه الرياضة تساعد على معرفة سبب تسميتها. وتتناول هذه الدراسة، فضلاً عن ذلك صلة هذه الرياضة بغيرها من أنواع الرياضة السابقة واللاحقة.
مبادئ اللعب:
العناصر الأساسية في هذه الرياضة هي: الهدف، والرامي، وما يُقْذَف به الهدف. ويستطيع الباحث من خلال تأمل المقطوعات الشعرية التي تصف هذه الرياضة ومقارنتها بعضها ببعض، أن يستخلص صورة للهدف وطريقة نصبه في الهواء، وصفات العصيّ أو السهام التي كان يُقْذَفُ بها، وهيئة اللاعب الذي كان يقذف الهدف بالعصيّ، وشروط الفوز والخسارة، إلى غير ذلك مما يتصل بمبادئ اللعب وأصوله.
الهـدف:
يشكل الهدف أساس هذه الرياضة، وتتجه أكثر الأبيات التي تصف هذه الرياضة إلى وصف الهدف، فمثلما كان هذا الهدف محط أنظار الرماة والمتفرجين ومحط رحال العصيّ التي تُقْذَفُ نحوه، فكذلك نال النصيب الأوفر من اهتمام الشعراء الذين وصفوا هذه اللعبة؛ فأشاروا إلى المادة التي صُنع منها الهدف، وطريقة إعداده، ثم الصورة التي يصبح عليها بعد إطلاقه في الفضاء.
وتتفق القصائد التي تصف هذا الهدف، على أنه هدفٌ خشبيّ يُجعل في مكان مرتفع جداً من الفضاء، وهذا ما نصّ عليه لسان الدين بن الخطيب في الإحاطة ونقله عنه المقري في نفح الطيب، حيث يقول ابن الخطيب في التقديم لإحدى قصائده: "وقولي في امتداح سلطاني لما احتفل لإعذار ولده، واستركب الفرسان لمزاملة الهدف الخشبي المتخذ في الجو المسمى بالطبلة ..." ().
ويشير ابن الخطيب إلى أنها مصنوعة من الخشب حيث يقول():
وطاعنةٍ نحْـرَ السُّكاكِ أعانهـا     على الكونِ عِرْقٌ واشجٌ ولحًى سبْطُ
(والسُّكاك: الجوّ، والعرق الواشج: المتداخلُ المتشابك الملتفّ، والسَّبْط: نقيض الجعد)().
فالهدف، على ذلك، مأخوذٌ من الشجر من ساقٍ قوية ملتفّة ذات لحاء أملس، ليساعدها ذلك على الانطلاق في الفضاء عند إرسالها فيه.
ويشير ابن زمرك الصريحيّ إلى هذا الأصل الخشبيّ للهدف، حيث يقول():

وقد أُرْضعَتْ ثَدْيَ الغمائم قبلها
فلمّا أُبينَتْ عن قرارة أصلها
بحجر رياض كنَّ فيه نواشيا
أرادت إلى مرقى الغمام تعاليا

ويقول في قصيدة أخرى مشيراً إلى صلة الرحم بين الهدف والسهام التي تطلق عليه():

تراوغها طوْراً وطوْراً تضيفها
وبالأمس كانت بعض أغصان دوحها
فحنَّت إلى أوطانها وتسابقت
فسامٍ لأعلى مرتقاها ونازلُ
فنقّلها عنها على الرغم ناقِلُ
تعاود مسراها بها وتواصِلُ

ويقول ابن زمرك في المعنى ذاته في مخمسةٍ له():

وقد قذفَتْها للعصيّ حواصِبُ
تزاوَرَ منها في الفضـاء حبائـبُ قد انتشرَتْ في الجوّ منها ذوائبُ
فبينهمـا مـن قَبْـل ذاكَ مَناسِـبُ   
لأنّهمـا في الـروض قبـلُ تولَّـدا   
بناتٌ لأُمٍ قد حيين بروحها
فأقلامهـا تهـوي لخـطٍ بلَوْحهـا دعاها الهوى من بعد كتْم لبَوْحِها
فبالأمس كانت بعْضَ أغصانِ دوْحِها   
فعادت إليها اليوم مـن بَعْدُ عُوَّدا
وهذه الصلة بين الهدف الخشبي وبين السهام التي تطلق عليه، كما بينها الشعراء تؤكد أن الهدف كان يؤخذ من ساق الشجرة بينما كانت السهام تؤخذ من الفروع الصغيرة، فالعلاقة بين الهدف والسهام علاقة الأصل بالفرع وعلاقة الأم بأبنائها، فلذلك صوّر الشعراء إقبال السهام على الهدف بأنه كإقبال الأبناء على أمهم، ولذلك يصف ابن فركون هذه العلاقة بقوله():

تحنُّ إليها الذابلات فترتمي
فروعاً يرينا الأصل كيف اجتذابُها

وبعد أن يُسْتأصَلُ الهدفُ من سيقان الشجر محكمة الالتفاف والتماسك ملساء اللحاء، كانت تجعل على شكل أسطوانة ذات طول مناسب، فيُدَبَّبُ رأسُها ليساعدها على الانطلاق عالياً في الفضاء، وكانت تجوَّفُ بحيث تبقى كالأسطوانة الفارغة أو كالطبلة، وكانت الغاية من تجويفها أولاً لتخفَّ حركتها في الفضاء فتنطلق سريعاً، وثانياً لكي تحطّ السهامُ في جوفها عندما تصيبها. ولعلّ وصف لسان الدين بن الخطيب لهذا الهدف بقوله "وطاعنةٍ نحر السُّكاك"() يشير إلى كونها مدببة الرأس، أما تجويفها فتدلُّ عليه أبياتٌ كثيرة منها قول لسان الدين بن الخطيب():

تلقَّفُ حيّات العصيّ إذا هوت
فثعبانُها لا يستتمُّ له سرْطُ

ولا يستطيع هذا الهدف أن يتلقف العصيّ الصغيرة لولا أنه مجوّف ومفتوحٌ من بعض جوانبه، ولعلنا نستطيع من هذا البيت ومن خلال العلاقة النسبية بين الثعبان والحيات الصغيرة التي يبتلعها أو يسرطها أن نتصور العلاقة النسبية في حجم الهدف الخشبي والعصيّ (السهام) التي تطلق عليه، وأطوالها.
ويستطيع الدارس أن يتصور حجم ذلك الهدف قياساً على ما يستطيع تجويفه من استيعاب للعصي التي تطلق عليه، ويظهر مدى استيعاب الهدف للعصي من خلال البيت السابق:

تلقَّفُ حيّات العصيّ إذا هوت
فثعبانُها لا يستتمُّ له سَرْطُ

ومعنى ذلك أنه مهما دخل إلى جوف ذلك الهدف من العصي فإنه لا يكاد يمتلئ(*) ويقول ابن زمرك():

فخفَّتْ إليها الذابلاتُ كأنها
حكت شبهاً للنحل والنحلُ حوله
طيورٌ إلى وكْرٍ أطلْنَ تهاويا
عصيٌّ إلى مثواه تهوي عواليا

فهو يشبّه الهدف تارة بوكر الطيور الذي تُتابعُ الطيورُ الدخولَ فيه، وتارة بخليّة النحل، والعصيّ حوله كالنحل حوله خليّته.
ويقول ابن زمرك من مقطوعة أخرى مصوراً دخول العصيّ في الهدف():

وتنتابها هيفُ العصيّ كأنها
تراوغها طوراً وطوراً تضيفُها
سهامٌ وعاها للرميّة نابلُ
فسامٍ لأعلى مرتقاها ونازِلُ

ويقول ابن فركون يصف الهدف وهو يتلقف العصيّ():

كأن طيوراً في ذرى الجو حوَّمَتْ
تقيم إذا لاقى الأمانَ ارتياعها
وثابَتْ لأوكارٍ بهن وثابها
ورتبما عنها ثناها ارتيابُها

أما فتحات ذلك التجويف فيخيل لي أنها كانت جانبية، وهذا ينسج مع تشبيه الهدف بوكر الطيور وخلّية النحل والثعبان، ويساعد هذا أيضاً على بقاء العصيّ أو السهام داخل الهدف في حالة إصابته، فأما إن كانت الفتحة في طرف الأسطوانة الخشبية لما تمكن الرماة من إطلاق سهامهم عليه، ولما استقرت داخل الهدف بل ترجع إلى الأرض بفعل الجاذبية. ويستفاد من تصوير الشعراء للهدف أن هذه الفتحات صغيرة كالثقوب.
ويفهم من المقطوعات التي بين أيدينا أنّ الهدفَ كان يُدبّبُ من رأسه وتثقب حول الرأس المدبّب ثقوبٌ تجعله أشبه بالبرج الصاعد إلى السماء، ويصفُ ابن زمرك هذا الرأس المدبّب بقوله():

وحصنٍ منيعٍ في ذراه قد ارتقى
كأنّ بروج الأفق غارت وقد رأت
فَأنشأتَ بُرْجاً صاعداً متنزلاً
فأبعد في الجوّ الفضاءِ المراقيا
بروج قصور شِدْتهنّ سواميا
يكون رسولاً بينهنّ مُداريا

ويقول من مقطوعة أخرى():

وبرج منيف في ذراها قد ارتقى
لتُرْفَعَ منه للبروج الرسائلُ

ويقول من مقطوعة ثالثة():

ويا رُبَّ حصنٍ في ذراها قد اعتلى
بروج قصـور  شِدْتَهـا متطـوّلا أنارَتْ بُروجَ الأفْق في مظهر العُلا
فأنشـأتَ برجـاً صاعـداً  متـنزلا   
يكـون رسـولاً بينهـا متـردّدا
ولعلّ جعل الهدف على صورة البرج كان المقصود منه أن ينسجم وبعض الأهداف المتوخاة من هذه الرياضة، وهي التدريبات العسكرية، لأنّ إصابة هذا الهدف وهو على شكل البرج يسهل على الفرسان إصابة أبراج الأعداء في أثناء الغزوات والمعارك().
ويظهر أن الثقوب التي كانت تحيط برأس الهدف كانت مصدراً لذلك الزمر الذي كان ينبعث من الهدف أثناء صعوده في الفضاء، ولذلك يصف ابن زمرك هذا الزمر بقوله():

فلمّا أُبينَتْ عن قرارةِ أصلها
وعدَّتْ لقاءَ السُّحْبِ عيداً وموسماً
فأضحكت البرقَ الطروبَ خلالها
أرادت إلى مرقى الغمام تعاليا
لذاك اغتدت بالزمر تلهي الغواديا
وباتَ لأكواس الدراري مُعاطيا

ويظهر أيضاً أنّ الهدف كان يضيّقُ من وسطه بحيث يبدو كأنّ خصراً. وقبل إطلاق الهدف إلى الفضاء كان يزيّن بالحلْي والقماش الملوّن، فيجعل له عند رأسه شبه التاج، وفي موضع العنق منه قماش، وفي موضع الخصر منه وشاح، وفي موضع القاعدة حليٌ كالخلخال، وبذلك فإنه كيفما تقلّب في الجوّ نتيجة ضربات السهام فإنه يظل رائق المنظر، وفي زينة الهدف يقول ابن زمرك():

تطورّ حالاتٍ أتى في ضروبها
فحِجْلٌ(*) برجْلَيْها، وشاحٌ بخصرها
بأنواع حَلْي تستفزُّ الغوانيا
وتاجٌ إذا ما حلَّ منها الأعاليا

ويقول في مقطوعة أخرى():

تطور حالاتٍ أتى في جميعها
فتاجٌ بأعلاها وشاحٌ بخصرها
بأوضاع حلْي وصفُهُ متغافلُ
وفي الساق منه قد أديرت خلاخِلُ

ويقول في مقطع من مخمسةٍ له():

وهل هي إلا هالةٌ حول بَدْرها
تطوّر أنواعـاً تشيـدُ بفخرهــا يصوغ لها حَلْياً يليق بنحرها
فحِجْــلٌ بـرجلَيْهـا بخـصرهـا   
وتـاجٌ بأعلى رأسهـا قد تنضّـدا
وقد أشار الشاعر ابن فركون إلى الحلي والقماش الذي يزين به الهدف فقال():

وصاعدة في الجو ألقت ذيولها
إذا ثبتت راق العيونَ ثباتُها
فراق بآفاق السحابِ انسحابها
أو انقلبت راقَ النفوسَ انقلابُها

فهي إذن بهذا الحلي وهذه الزينة تظلّ جميلة رائقة المنظر سواءً أكانت بوضعها الطبيعي أم انقلبت نتيجة ضربات السهام؛ وأن القماش يتبعها كالذيول.
إطلاق الهدف إلى الفضاء:
بعد أن كان الهدفُ يعدُّ على الصورة التي وصفناها ويُزَيَّن، كان يجري إطلاقه إلى الفضاء بحضور السلطان والمتفرجين والفرسان الذين يستعدون لإطلاق سهامهم نحوه. غير أننا لم نقف في الشعر أو غيره على وصفٍ للطريقة أو الأداة التي كان يطلق بها الهدف، أهو بالمنجنيق أم بآلة  قذف خاصّة أم بالحبال والبكرات، إلا أنّ ما تقدمّه المقطوعات التي بين أيدينا من وصفٍ لإطلاق الهدف يقتصر على وصف السرعة الخاطفة لانطلاقه وإلى شقّه لعنان السماء إلى الدرجة التي يكاد معها يغيب عن الأبصار؛ فهذا ابن زمرك يصف انطلاق الهدف قائلاً():

ومسافرٍ في الجوّ تحسبُ أنّه
يرقى إلى أوج السماءِ بسُلَّم

ويقول():

وطامحةٍ في الجوّ غير مطالةٍ
تمدُّ لها الجوزاء كفَّ مصافح
يردُّ مداها الطرفَ أحْسَرَ عانيا
ويدنو لها بدْرُ السماء مناجيا
  
ولا عَجَبٌ أنْ فاتت الشهب بالعلا
فبيْنَ يديْ مثواكَ قامت لخدمةٍ
وأنْ جاوزَتْ منها المدى المتناهيا
ومَنْ خَدَم الأعلى استفادَ المعاليا
 
ويقول():

وصاعدة في الجوّ ملءَ عنانها
طلعْتَ تحيّي البدْرَ منها بصعدةٍ
تُسامِتُ أعنانَ السَّما وتُطاولُ
عليها لواءُ الصُّبْح في الأفْق ماثِلُ

ويقول():

وذاهبةٍ في الجوّ ملءَ عنانها
يفوتُ ارتدادَ الطرْف لمحُ  عيانهـا وقد لفّعَتْها السُّحْبُ بُرْدَ عِنَانها
وختّمـت الجـوزاء سَبْـط  بنانِهـا   
وصاغـت لها حليُ النجـوم مقيّدا   
أراها عمودُ الصُّبْح عُلْوَ المصاعِدِ
وأوهمها قُرْبَ المدى المتباعِدِ

ويقول ابن فركون():

وصاعدةٍ في الجوّ ألقَتْ ذيولها
فراقَ بآفاقِ السحابِ أنسحابُها

ويقول ابن الحاجّ النميري():

وقد صَعَدَتْ في الجوّ آيةُ طبلةٍ
تحاكي عمود الفجر أسْفَرَ للسَّفْر

ويظهر أنّه بعد انطلاق الهدف في الفضاء بهذه السرعة وهذا العلوّ الذي يصفه الشعراء، تعود فتسبح في الفضاء بشكل منساب، ولهذا وصفها عبدالله بن لسان الدين بن الخطيب بقوله():

وساقيةِ العمادِ إذا أطلّت
إلى الأدواح تنسابُ انسيابا

ونجد إشارة في تخميس ابن زمرك قد تشير إلى ما يمكن أن يكون وسيلة لإطلاق الهدف إلى الفضاء، إذ يقول في وصف الهدف():

أراها عمودُ الصُّبْح عُلْوَ المصاعِدِ
ففاتته سبقاً في مجال الرواعد
وأوهمها قرب المدى المتباعِدِ
..........

فهل توحي كلمة الرواعد في هذا السياق، باستخدام المتفجرات أو الأسهم النارية في إطلاق الهدف؟! لا سيما أنّ بني الأحمر قد عرفوا البارود واستخدموا المدافع منذ سنة 724هـ/1323م في فتح حصن أشكر().
أما انسياب الهدف في الفضاء بعد نفاد حدّة انطلاقه، فربّما يكون مردّه إلى قطع القماش التي يزيّن بها، والتي قد تشكل له ما يشبه المظلّة أو المنطاد، ولذلك نجد لسان الدين بن الخطيب يشبه هذا الهدف بسفينة الفضاء حيث يقول في وصفها مخاطباً سلطانه():

أزرْتَ بها بحر الفضاءِ سفينةً
على الجوّ لا الجوديّ كان لها حطُّ

ومما مر من الأبيات التي تصف صعود الهدف إلى الفضاء يتبين أنه كان يثبت أحياناً في الفضاء أي يمشي بطريقة مستقرة منسابة، مما يدلّ على أن طريقة صناعة هذا الهدف مع الإضافات التي تلحق به كانت تمكنه من الاستقرار في الفضاء، مما يسهل مهمة الرماة الذين يطلقون الأسهم نحوه.
الرُّماة/ اللاعبون:
بعد أن كان الهدف يندفع إلى الفضاء كان الفرسان والرماة تتبعه بالعصيّ (السهام) بكثرة، بحيث تنهمر عليه العصيّ بكثافة تريد إصابته والدخول إلى جوفه، فبعض العصيّ تخترقه وتنزل في جوفه من فتحاته المختلفة وبعضها يخطئه فيعود إلى الأرض، وكلما رام ذلك الهدفُ هبوطاً حالت السهام دون الإذن له بذلك، وأبقته قائماً في الجو. وفي ذلك يقول ابن زمرك في وصف الهدف عندما يحاول الهبوط إلى الأرض():

رامَ اسْتراقَ السَّمْع وهو مُمَنّع
رجمتْهُ من شهبِ النصال حواصبٌ
فأصيبَ من قضب العصيّ بأسْهُمِ
لولا تعرّضُهُ لها لم يُرْجَمِ

ويقول():

وقد أعْرَبَتْ بالرَّفْع عن طيبِ فخرِها
متى نصبتها في الفضاءِ العواملُ

(والشاعر يستخدم هنا المصطلحات النحوية بقصد التورية في وصف ارتفاع الهدف في الجو وحيلولة السهام دون هبوطه إلى الأرض، فالعوامل في هذا البيت هي من جهة العوامل النحوية ومن جهة أخرى السهام).
ومثلما كانت بعض الرماة تصيب الهدف كان بعضها الآخر يخطئه، يقول ابن زمرك في وصف السهام():

فمن مثبتٍ منها الرميّة مدركٍ
ومن طائشٍ في الجوّ حلَّقَ وانيا

ويقول في وصف السهام():

ترواغها طوْراً وطوْراً تضيفُها
فسامٍ لأعلى مرتقاها ونازلُ

ويفهم من المقطوعات التي تصف هذه اللعبة أن الرماة كان يطلقون الأسهم على الهدف وهم ركوبٌ على الخيل، يدلُّ على ذلك قول عبدالله بن لسان الدين بن الخطيب():

تحفُّ بها خيولُ القوم منّا
فَتُرْسِلُ نحوها الجُرْدَ العِرابا

ويقول ابن الحاج النميري():

وقد جالَ نقْعُ الخيل في جنباتها
كما جالَ في الأفكار معنًى من الشِعْرِ
ولكنّ ذلك لا ينفي وجود رماةٍ غير ركوب يطلقون العصيّ على الهدف، غير أن استعمال الخيل في هذه الرياضة قد يكون لكون هذه الرياضة لوناً من ألوان الفروسية، وربما للتمكن من إصابة الهدف الذي ينطلق بسرعة كبيرة لا تدركها إلا الخيل.
العصيّ/ السّهام:
أما العصيُّ أو السهام التي كان يطلقها الفرسان على الهدف، فقد ورد وصفها في عدة أبيات، ويستطيع الدارس من مجمل هذه الصفات أن يتبين أنها عصيّ رقيقة قصيرة ذات رأس معدني مدبب؛ فمما قاله لسان الدين بن الخطيب في وصف الهدف وهو يتلقف العصيّ():

تلقّف حيّاتِ العصيّ إذا هوت
فثعبانها لا يستتمُّ له سرْط

ويفهم من هذه الصورة أن العصيّ قريبة الشبه بالحيّات الصغيرة من جهة الطول والسمك والرأس المدبّب، وأن الهدف قريب الشبه بالثعبان الضخم الذي يبتلع الحيّات. وفي لسان العرب الثعبان: الحيّة الضخم الطويل، الذكر خاصة، وهو من أعظم الحيّات(). ويبدو أنّ الشاعر قد تمثل عصا سيّدنا موسى وهي تتلقف الأفاعي، وذلك في قوله تعالى: )وأوحَيْنا إلى موسى أنْ ألْق عصاكَ فإذا هي تلقَفُ ما يأفِكون(()، وقوله تعالى: )قال لهم موسى ألقوا ما أنتُم مُلْقون، فألقوْا حبالهم وعصيَّهم وقالوا بعزّة فرعونَ إنّا لنحنُ الغالبون، فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقَفُ ما يأفِكون(().
ولعل لهذا البيت صلة بقول بعضهم في الرماح: "خُلِقَتْ كالأراقم، لثغر الحلاقم"().
ومما قاله ابن زمرك في وصف الهدف والعصيّ معاً():

رام استراقَ السمْع وهو مُمَنَّعٌ
رجمته من شُهْبِ النصالِ حواصبٌ
فأصيبَ من قُضْب العصيّ بأسْهُمِ
لولا تعرُّضُهُ لها لم يُرْجَمِ

وصفة العصيّ في البيت الأول أنها قضبان خشبية ولكنها مدببة الرأس كالأسهم، وفي البيت الثاني أنها نصال، والنصال لا تكون إلا معدنية، والعصيُّ إذا كانت ذات نصال في رأسها، فإنها تصبح رماحاً، وشبّهها في البيت الثاني بالشهب لأن نصالها لامعة.
وفي موضع آخر يصف ابن زمرك هذه العصيّ بالذابلات حيث يقول():

فخفّت إليها الذابلاتُ كأنّها
طيورٌ إلى وكْر أطلْنَ تهاويا

والذابلاتُ جمع ذابل وهو الرمح ذو العصا الليّنة. وقد استعملت صفة الذبلات للعصيّ في أكثر من موضع من المقطوعات التي بين أيدينا(). وهي من أفضل صفات الرمح().
وفي مقطوعة أخرى يصف ابن زمرك العصيّ بالصَّعْدة، حيث يقول():

طلعْتَ تحيّي البدْرَ منها بصعدةٍ
وقد أعرِبْت بالرفع عن طيبِ فخرها
عليها لواءُ الصُّبْح في الأفُق ماثلُ
متى نصبتها في الفَضاء العوامِلُ

والصعدة في البيت الأول هي عصا الرمح إذا نبتت مستوية ولم تحتج إلى تثقيف(). وفي البيت الثاني استخدم كلمة "عوامل" في وصف العصيّ التي أبقت على الهدف منتصباً في الجو، والعوامل جمع عامل وهو رأس الرمح إلى قدْر الثلث منه().
ويقول ابن زمرك أيضاً():

وتنتابها هيفُ العصيّ كأنّها
سِهامٌ وعاها للرميّة نابلُ

ويفهم من هذا البيت، في صفة تلك العصيّ أنها ليست من النوع الغليظ، بل من النوع الرقيق وأنها رقيقة رقة السهام التي يقذفها الرماة بالقوس.
وعلى ذلك فان هذه العصيّ المستخدمة في قذف الهدف هي قضبان رشيقة رقيقة شبيهة بالسهام لها رؤوس مدببة تساعدها على اختراق الهدف. ولعلّ النوع المستخدم في هذه الرياضة هو ما يُعْرَف بالمزراق الذي "يُرمى به للطافة عصاه، وقد يكون سنانه مربعاً لطيفاً لخرْق الدروع وشبه ذلك"(). وعندما يصف لسان الدين بن الخطيب سلاح الجمهور الغرناطي في كتابيه "الإحاطة" و"اللمحة البدرية" يقول: وسلاحُ جمهورهم العصيُّ الطويلة المثنّاةُ بعصيّ صغار ذوات عُرًى في أوساطها، تدفَعُ بالأنامل عند قذفها، تسمى بالأمداس"(). وربما تكون هنالك صلة بين هذه العصي الصغار والعصي المستخدمة في رياضة الطبلة.
ورقة هذه العصيّ وقصرها وحدّة رؤوسها ولمعانها هو الذي كان يساعدها على الانطلاق بسرعة البرق في الجوّ واختراق هدفها، ولذلك يصفها ابن الحاج النميري بقوله():

وأنحوْا عليها بالعصيّ كأنّها
بروقٌ ولكنْ بالبروق غَدَتْ تُزْري

ولكثافة هذه العصيّ حول الهدف، ممّا يدلّ على كثرة اللاعبين، فقد شبّهها الشعراء بتشبيهات عدة، فتارة شبهوها بالطيور وتارة بالنحل وتارة بالأفاعي، وهاهو عبدالله بن لسان الدين بن الخطيب يشبهها بالفراش حول المصباح، قائلاً():

تحومُ بها العصيُّ فراشَ ليل
تروم بسمعه منه اقترابا

الفوز والخسارة:
أما أسس الفوز والخسارة في هذه اللعبة، فيمكنُ أن نستأنس في معرفتها بالتصور العام لهذه اللعبة فضلاً عن بعض الإشارات الواردة في مقطوعة ابن الحاج النميري() في وصف هذه اللعبة. ولعلّ إصابة الهدف بالسهام ودخولها في جوفه تعدّ مقياساً للفوز وأنّ عدم إصابة الهدف وابتعاد العصيّ عنه يعدُّ مقياساً لخسران جولة اللعب. ونجد ابن الحاجّ النميري في أبياته يقسم النتيجة إلى ثلاثة أقسام:
الأول: إصابة الهدف وكسره، وبكسره تدخل العصا إلى جوف الهدف، ويعدّ ذلك فوزاً عظيماً، فيقول في وصف الهدف():

من الطبلات اللاءِ ما زال كسرها
لدى البطل الأحمى يعدُّ من الجبْرِ

والثاني: إصابة الهدف دون كسره ودون دخول السهم في جوفه، ويعدُّ ذلك نقطة لصالح الرامي، لكنها ليست في المستوى الأول، حيث يقول():

وضاربُها يومَ الوفودِ عقوقه
وإنْ كان لا يخفى يُعَدُّ من البر

وأما الثالث: فهو عدم كسر الهدف وعدم إصابته، وفي هذه الحالة يبدو الهدف وكأنه يزري بالعصيّ التي ترمى عليه، فيقول ابن الحاج():

وأنحوْا عليها بالعصيّ كأنّها
بروقٌ ولكنْ بالبروق غَدَتْ تُزْري

ولا شك أن إخفاق الرامي في إصابة الهدف هو دليلٌ على خسرانه الجولة، فقد اتضح لنا من خلال الأوصاف المذكورة لهذه اللعبة أن السبيل إلى إبقاء الهدف سابحاً في الفضاء دون هبوطه على الأرض هو الاستمرار في إصابته بالسهام، ومتى أخفقت السهام في إصابته هبط على الأرض ليعلن خسارة الرماة في تلك الجولة.
اسم هذه الرياضة:
اختلفت المصادر في اسم هذه الرياضة، فبعضها تسميها "الطّلبة"، وبعضها الآخر يسميها "الطّبلة"؛ فقد أطلق إسماعيل بن يوسف بن الأحمر على الهدف الذي يقذَفُ بالعصيّ اسم "الطلبة"، وذلك في تقديمه لقصيدة لسان الدين بن الخطيب()، حيث يقول عن تلك القصيدة: "وتشتمل على أوصاف من ذكر الحلبة التي أرسلها، والطلبة التي نصبها في الهواء للفرسان يرسلـون العصيّ إليهـا ..."() وفي تقديمه لقصيدة ابن زمرك() يقول إسماعيل بن الأحمر: إنّ الشاعر قد "أجاد في وصف الجند والجرد والطلبة وغرائب الأوضاع"().
أما لسان الدين بن الخطيب فإنه يطلق عليها اسم الطبلة، وذلك في تقديمه لقصيدته السابقة() حيث يقول مشيراً إلى سلطانه: إنه "استركب الفرسان لمزاملة الهدف الخشبي المتخذ في الجوّ المسمى بالطبلة"().
وفي رأيي أنّ الاسم الصحيح لها هو "الطّبْلة" وذلك لورودها في الشعر على هذه الصورة، فقد ذكرها ابن الحاجّ النميري في مقطوعته حيث يقول():

وقد صعدت في الجوّ آية طبلةٍ
... إلــخ
ويقول():

من الطبلات اللاء ما زال كسرها
لدى البطل الأحمى يُعَدُّ من الجَبْرِ

ولعلّ سبب الخلط في التسمية هو تقارب صورة الاسمين، واحتمال وقوع التصحيف عند إسماعيل بن يوسف بن الأحمر أو عند المقّري الذي نقل رواية إسماعيل بن الأحمر. وربما يكون سببُ الاختلاف في الاسم أنّ كلا الاسمين ينطبق على هذه الرياضة؛ فتسميتها بالطلبة منبثق من المعنى اللغوي للطلبة، وهو: ما طلبتَهُ من شيء(). والهدفُ في هذه اللعبة كان يُطلبُ بالعصيّ. وأما تسميتها بالطبلة فمنبثقٌ من صفتها، فهي كالطبلة في كونها قطعة خشبية مجوفة يخرج لها صوت كصوت الطبل حين تظفر بها العصيّ، ولستُ أستبعد شيوع الاسمين معاً بين أهل غرناطة، وأن يكون أحدهما قد أصابه القلب فتقدم أحد الحرفين (الباء واللام) على الآخر، كما يحدث كثيراً عند عوام الناس في كثير من الأسماء، وشاع الاسمان على هذا النحو، وساعد في شيوعهما مناسبة الاسمين للمسمى دون إخلال بصفته في الحالين.
التأثر والتأثير:
لم تتعرّض المصادر الأندلسية التي أُلفت قبل عصر بني الأحمر إلى هذه الرياضة، على الرغم من أن ألعاب الخيل والفروسية كانت الرياضة المفضلة لدى المسلمين في الأندلس وغيرها عبر عصور التاريخ الإسلامي لغايات الحرب، كما هو الحال عند الرومان الذين وقف الأندلسيون على تراثهم في الأندلس، فقد كانت الرياضة العسكرية تشكل جانباً أساسياً من برنامج تربية الشباب وكانت تتضمن تدريبه على الجري والوثب والسباحة ورمي الرمح والمبارزة، وكانت الفرسان تتدرب على القوس والنشّاب والركوب().
وفي رأيي أن هذه الرياضة عند الأندلسيين كانت نتيجة طبيعية لانتشار ألعاب الفروسية وتطورها والتعرف إلى قوانين الفروسية عند الأوروبيين، والمتتبع لتاريخ الرياضة عند المسلمين يجد صوراً مشابهة لرياضة الطبلة عند المماليك، ومن ذلك رياضة "القبق"، وهي عبارة عن خشبة ينصب في أعلاها جسمٌ أشبه بالقرعة العسلية، وكان المماليك يجعلون في وسطها طير حمام، ويسوقون ويرمونها في أيام المواسم والأعياد().
والذي يبدو لي أن رياضة "الطبلة" عند الأندلسيين ورياضة "القبق" عند المماليك هما من الأشكال المتقدمة لرياضة كرة السلة.
ملاحظات ختامية:
رياضة "الطبلة" عند الأندلسيين هي إحدى ألعاب الفروسية، كان من غاياتها التدرّب على الرماية من أجل الاستعداد للجهاد، شأنها في ذلك شأن رياضة الفروسية بمختلف أشكالها، وقد أشار ابن الحاجّ النميري إلى هذه الغاية من رياضة الطبلة وعناية سلطانه بها حيث يقول():

فذلك منه للجهاد تدرُّبٌ
سيسقي به الحزْبَ الذي دان بالكُفْرِ

ويقول ابن زمرك إن سلطانه قد كلّف الأدباء وصف هذه الرياضة وغيرها من الألعاب التي جرت في أحد احتفالات السلطان():

لمولًى تولاّه وأحكم رصفه
وكلَّف أربابَ البلاغةِ وَصْفَهُ

غير أن سلاطين غرناطة كانوا يرون أن وصف هذه الرياضة يليق بشعراء دون شعراء آخرين، فيحدثنا لسان الدين بن الخطيب أنّ سلطانه نهاه عن الهبوط إلى درجة وصف المناسبات التي وصف بها لعبة الطبلة، فعندما أورد قصيدته التي تتضمن وصفاً لهذه اللعبة قال: "وهي آخر الشعر في هذا الغرض، لخجل السلطان من تنزُّلي إلى ذلك  وتنزيهي() عنه تجلّة، أجلّه الله وكرّمه"().
وفي ظني أنه لولا تحرّج السلطان من استمرار ابن الخطيب في وصف هذه الرياضة لربما قدّم لنا ابن الخطيب تفصيلات أكثر عنها. غير أنّ القصائد التي عرضت لهذه الرياضة استطاعت أن تقدّم لنا مجتمعة بعض ملامح هذه الرياضة.
ويلاحظ في جميع المقطوعات التي وصفت هذه الرياضة أنّ أيّاً منها لم يكن مستقلاً منفرداً بوصف هذه الرياضة بل جاءت كلّ منها ضمن قصيدة مطوّلة في وصف جملة ألعاب احتفالية. ولم يستطع أيّ شاعر أن يعطي وصفاً دقيقاً لهذه الرياضة بل انصرف هؤلاء الشعراء إلى المبالغات والتشبيهات المختلفة التي تجعل التمييز بين الحقيقة والخيال أمراً عسيراً، ولذلك كلّ مقطوعة من هذه المقطوعات – على حدة - وكأنها لغز. ويلاحظ أيضاً أنّ جميع هذه المقطوعات جاءت متشابهة ومتأثراً بعضها ببعض في الألفاظ والصور والتشبيهات، مما لا يعطي لأي منها خصوصية بارزة في توضيح صورة هذه الرياضة أو حتى في تمييز أسلوب شاعر عن غيره، هذا فضلاً عن أن هذه المقطوعات تتسم بالتكلّف والخلّو من الحرارة والعاطفة والطبع كما يلاحظ أن جميع المقطوعات التي تصف هذه الرياضة تنتمي إلى عصر واحد وهو عصر بني الأحمر ولا سيما بعد النصف الثاني من القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي.
بقي أن أقول إنّ هذه الرياضة ووصف الشعراء الأندلسيين لها تؤكد أن حلم أهل الأندلس باختراق الفضاء لم يبرح الخيال الأندلسي منذ أيام عباس بن فرناس الذي خاطر بمحاولة الطيران في القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي، حتى عصر بني الأحمر حيث يتبارى الشعراء في وصف المسافات التي أوغلت بها الطبلة في مدارج السماء، وحيث جهز الأندلسيون هذه "الطبلة" بكل ما يمكّنها من اختراق الفضاء لكي():

تمدّ لها الجوزاءُ كفَّ مصافحٍ
ويدنو لها بْدرُ السماءِ مناجيا


ملحق
المقطوعات الشعرية التي وصفت الطبلة
(1)
يقدّم لسانُ الدين بن الخطيب() لإحدى قصائده بقوله: "وقولي في امتداح سلطاني لما احتفل لإعذار ولده، واستركب الفرسان لمزاملة الهدف الخشبي المتخذ في الجوّ المسمى بالطّبلة ... وهي آخر الشعر في هذا الغرض لخجل السلطان من تنزّلي إلى ذلك، وترفيهي عنه تجلّة، أجلّه الله وكرمه لديه:

شَحَطَتْ وفودُ الليل بانَ به الوخْطُ
وعسكَرَهُ الزنجيُّ همَّ به القبط()

إلى أن يصل إلى وصف الطبلة فيقول():

وطاعنةٍ نَحْرَ السُّكاكِ() أعانها
تَلَقَّفُ حيّاتِ العصيّ إذا هَوَتْ
أزَرْتَ بها بحر الهواء سفينةً
على الكوْنِ عرْقٌ واشجٌ ولحًى سَبْطُ
فثعبانُها لا يَستتمُّ له() سَرْطُ
على الجو() لا الجوديّ كان لها حطُّ

(2)
قدّم الأمير إسماعيل بن يوسف بن الأحمر في كتابه "البقية والمدرك من كلام ابن زمرك"() لإحدى قصائد ابن زمرك() بقوله: "ومن ذلك ما أنشد في الصنيع الثاني المختص بعمّينا السيدين الأميرين سعد ونصر، رحمة الله عليهما، وأجاد في وصف الجُنْد والجُرْد والطّبلة وغرائب الأوضاع():

أللمحةٍ من بارقٍ متبسّمِ
أرسلْتَهُ دمعاً تضرَّجَ بالدمِ

ويقول في وصف "الطَّلبة"():

ومسافر في الجوّ تحسبُ أنّه
رام استراقَ السَّمْع وهو ممنَّعٌ
رَجَمَتْهُ من شُهبِ النصَال حواصبٌ()
يرقى إلى أوج السماءِ بسُلَّمِ
فأصيبَ من قُضْبِ العصيّ بأسهمِ
لولا تعرّضُه لها لم يُرْجَمِ

(3)
    يقول ابن زمرك من قصيدة مطوّلة في وصف بعض الاحتفالات، مطلعها():

سلْ الأفق بالزُّهْرِ الكواكبِ حاليا
فإنّي قد أودعتُهُ شرْحَ حاليا

يقول منها في وصف الطّبلة():

وطامحةٍ في الجوّ غير مُطالةٍ
تمدُّ لها الجوزاءُ كفَّ مُصافح()
ولا عَجَبٌ أنْ فاتت الشُّهْبَ بالعُلا
فبيْنَ يديْ مثواك قامت لخدمةٍ
وشاهدُ ذا أنّي ببابك واقفٌ
يردُّ مداها الطرْفَ أحْسَرَ عانيا
ويدنو لها بدْرُ السماءِ مُناجيا
وأنْ جاوَزَتْ منها المدى المتناهيا
وَمَنْ خَدَم الأعلى استفادَ المعاليا
وقد حَسَدَتْ زُهْر النجوم مكانيا

 
وقَدْ أُرْضعَتْ ثديَ الغمائم قبلها
فلما أُبينَتْ عن قرارة أصلها
وعدَّتْ لقاءَ السُّحْبِ عيداً وموسماً
فأضحكت البرْقَ الطروبَ خلالها
رأتْ نفَسها طالت فظنَّتْ بأنّها
فخفَّتْ إليها الذابلاتُ كأنّها
حكت شَبَهاً للنحل والنحلُ حوله
فمن مُثْبِتٍ منها الرمّية مُدْركٍ
وحصنٍ منيعٍ في ذراه قد ارتقى
كأنَّ بروجَ الأفق غارت وقد رأتْ
فأنشأْتَ بُرْجاً صاعداً متنزّلاً
تطوَّرَ حالاتٍ أتى في ضروبها
فحِجْلٌ برجليْها، وشاحٌ بخصرها
وما هو إلا طيْرُ سَعْدٍ بذِرْوةٍ
بحجر رياض كنَّ فيه نواشيا
أرادت إلى مرقى الغمام تعاليا
لذاك اغتدتْ بالزمْر تُلهي الغواديا
وبات() لأكواس الدراريَ مُعاطيا
تفوتُ على رغم اللحاق المراميا
طيورٌ إلى وكر أطلْنَ تهاويا
عصيٌّ إلى مثواه تهوي عواليا
ومِنْ طائش في الجّو حلّقَ وانيا
فأبْعَدَ في الجّو الفضاءِ المراقيا
بروجَ قصورٍ شدتهنّ سواميا
يكون رسولاً بينهنَّ مُداريا
بأنواع حلْي تستفزُّ الغوانيا
وتاجٌ إذا ما حلَّ منها الأعاليا
غدا زاجراً من أشهب الصُّبْح بازيا

(4)
من قصيدة لابن زمرك في وصف إحدى الاحتفالات التي في عهد السلطان يوسف الثاني، ومطلعها():

نجومٌ أمدَّتْها بدورٌ كوامِلُ
لها النور من شمس الخلافةِ شاملُ

ومنها (في وصف الطلبة)():

وصاعدةٌ في الجّو ملء عنانها
طلعْتَ تحيّي البدْرَ منها بصعدةٍ()
وقد أعْرَبَتْ بالرفع عن طيبِ فخرها
يمدُّ لها الكفُّ الخضيبُ بساعد
وتنتابُها هيف العصيّ كأنّها
تراوغها طوْراً وطوْراً تضيفُها
وبالأمْس كانت بعْضَ أغصانِ دَوْحِها
فحنَّتْ إلى أوطانها وتسابقَتْ
وبُرْجٌ منيفٌ في ذراها قد ارتقى
تطوَّرَ حالات أتى في جميعها
فتاجٌ بأعلاها، وشاحٌ بخصرها
وما هو إلا قائمٌ مدَّ مُلْكَهُ
تُسامِتُ أعْنانَ السَّما وتُطاولُ
عليْها لواءُ الصُّبْح في الأفْق ماثِلُ
متى نصبتْها في الفضاء العَوامِلُ
ويشكي السماكَ الأعْزَلَ الرمح عامِلُ
سهامٌ وعاها للرميّةِ نابلُ
فسامٍ لأعلى مرتقاها ونازلُ
فنقّلها عنها على الرغم ناقِلُ
تعاودُ مسراها بها وتواصِلُ
لتُرْفَعَ منه للبروج الرسائِلُ
بأوضاع حلْيٍ وصفُه متغافِلُ
وفي الساقِ منه قد أديرت خلاخِلُ
إلى اللّه في البقيا لما صدَّ سائلُ

(5)
يقول ابن زمرك في تخميس له يصف فيه صنيعاً لبعض أمراء بني الأحمر، مطلعه():

أرقْتُ لبرْقٍ مثل جفني ساهرا
فأضحك زهرُ الروضٍ منه أزاهرا ينظّم من قطْر الغمام جواهرا
وصبـح حكـى وجه الخليفـة باهرا   
تجسَّـم من نور الهدى وتجسّـدا
ويقول منه في وصف الطلبة():

وذاهِبةٍ في الجّو ملء عنانها
يفوتُ ارتدادَ الطرْفِ لمحُ عَيانهـا وقد لفّعَتْها السُّحْبُ بُرْدَ عَنانِها
وختَّمَـتِ الجـوزاءُ سَبْـطَ  بنانِهـا   
وصاغتْ لهـا حلْيُ النجوم مُقَيَّـدا   
أراها عمودُ الصُّبْح عُلْوَ المصاعِدِ
ففاتتْهُ سبقـاً في مجـال  الرواعِدِ وأوهما قربَ المدى المتباعِدِ
وأتحفتِ الكـفَّ الخضـيبَ  بساعِـدِ   
فطوَّقتِ الزُّهْرَ النجـومَ بها يـدا   
وقد قذفَتْها للعصيّ حواصِبُ
تزاور منهـا في الفضـاء حبائبُ قد انتشَرَتْ في الجوّ منها ذوائبُ
فبينهمــا مـن قبـل ذاكَ مَنَاسِـبُ   
لأنهما في الـروض قبلُ تولّـدا
 
بناتٌ لأمٍ قد حيين بِرَوْحها()
فأقلامُهـا تهوي لخـطٍ  بلوْحِهـا دعاها الهوى من بعد كتْم لبوْحِها
فبالأمْس كانت بعضَ أغصانِ  دوْحِها   
فعادت إليها اليومَ من بعْدُ عُـوَّدا   
ويا رُبَّ حِصْنٍ في ذراها قد اعتلى
بروجُ قصـورٍ شِدْتَهـا متطـوّلا أنارت بروجَ الأفق في مَظْهر العُلا
فأنشـأتَ برجـاً صاعـداً  متنَـزّلا   
يكـون رسـولاً بينها متـردّدا   
وهل هي إلا هالةٌ حول بدرها
تطوَّرُ أنواعـاً تشيـد بفخرهــا يصوغ لها حَلْيـاً يليق بنحرها
فحجلٌ برجليهـا وشـاحٌ بخصـرها   
وتاجٌ بأعلى رأسها قد تنضّـدا   
أرادَ استراقَ السَّمْع وهو ممنّعُ
وأصغـى لأخبـار السَّما يتسمَّـعُ فقام بأذيال الدجى يتلفَّعُ
فأتبعـه منهــا ذوابــلُ شــرَّعُ   
لتقذفه بالرجْـم() مثنًى وموْحَـدا   
وما هو إلا قائمٌ مدَّ كفَّهُ
لمولـى تـولاه وأحكـم رَصْفَـهُ ليسألَ منْ ربّ السمواتِ لُطْفَهُ
وكلَّفَ أربـابَ البلاغـةِ  وَصْقَــهُ   
وأكـرمَ منه القانـتَ المتهجّـدا   
ملاقي ركْبٍ من وفودِ النواسِمِ
مختّـم كـلٍّ بالنجـوم العواتــم مقبّل ثغرٍ للبروقِ البواسِمِ
مبلّغ قصـدٍ من  حضـور المواسِـمِ   
تجدّده مهمـا صنيعٌ تجـدّدا
(6)
أنشد أبو الحسين بن فركون() السلطان يوسف الثالث قصيدة في سنة 818هـ/1415م بمناسبة ولادة ابن للسلطان وإعذار أخوين لذلك المولود، ومطلع القصيدة():

سل البان عنها أين بانت ركابها
ولمْ رفُعَتْ فوقَ المطيّ قبابُها

ومن أبيات هذه القصيدة في وصف رياضة الطبلة():

وصاعدةٍ في الجوّ ألقت ذيولها
تحنُّ إليها الذابلاتُ فترتمي
إذا ثبتت راقَ العيونَ ثباتُها
كأنّ طيوراً في ذرى الجوّ حوّمَتْ
تقيمُ إذا لاقى الأمانَ ارتياعُها
إذا أخطأ الخطيُّ يهديه خطُّها
إذا اعتمدتْ قوسُ السماءِ عمودَها
فراقَ بآفاق السحابِ انسحابُها
فروعاً يرينا الأصل كيف اجتذابُها
أو انقبلت راقَ النفوسَ انقلابُها
وثابِتْ لأوكارٍ بهنّ وِثابُها
ورتّبما عنها ثناها ارتيابُها
وما كان يأبى أنْ يُصِيبَ صوابُها
لرمْيٍ فسَهْمُ السَّعْدِ يدنيه قابُها

(7)
من قصيدة لابن الحاجّ النميري()، مطلعها():

أتتك وقد هزَّ الدجى مضجع الفجْرِ
بكأسين من ريقٍ بَرُودٍ ومن خَمْرِ

يصفُ جانباً من إحدى احتفالات الغني بالله محمد الخامس، قائلاً():

وقد صعدت في الجوّ آيةُ طبلةٍ
وأنحوْا عليها بالعصيّ كأنّها
من الطبلاتِ اللاءِ ما زال كسرُها
وضاربها يومَ الوفودِ عقوقه
فذلك منه للجهاد تدرّبٌ
وقد جال نقعُ الخيْل في جنباتِها
تحاكي عمودَ الفجْر أسْفَرَ للسَّفْرِ
بُروقٌ ولكنْ بالبروقِ غدت تُزْري
لدى البطل الأحمى يعدُّ من الجبْرِ
وإنْ كان لا يخفى يُعَدُّ من البرِّ
سيسقي به الحزبَ الذي دانَ بالكفرِ
كما جال في الأفكار معنًى من الشعرِ

(8)
من قصيدة لعبدالله بن لسان الدين بن الخطيب() في إعذار ابن للسلطان محمد ابن يوسف بن نصر الغنيّ بالله محمد الخامس، مطلعها():

أثرْها عزمةً تنفي الركابا
وإنْ دمَيتْ لها العيْنُ انسكابا

يقول في بعض أبياتها في وصف الطبلة():

وساقيةِ العمادِ إذا أطلَّتْ
تحومُ بها العصيُّ فراشَ ليل
تحفُّ بها خيولُ القوم منّا
عجائبُ أبدعَتْ علياك فيها
إلى الأدواح تنسابُ انسيابا
تروم بسمعِهِ منه اقترابا
فَتُرْسِلُ نحوها الجرْدَ العِرابا
ومثلك يبدعُ الأمْرَ العجابا