الأحد، 3 مايو، 2015

نشأة البنيوية :

نشأت البنيوية في فرنسا، في منتصف الستينيات من القرن العشرين عندما ترجم (تودوروف) أعمال الشكليين الروس إلى الفرنسية. فأصبحت أحد مصادر البنيوية.

ومن المعلوم أن مدرسة (الشكليين الروس) ظهرت في روسيا بين عامي 1915 و1930، ودعت إلى الاهتمام بالعلاقات الداخلية للنص الأدبي، واعتبرت الأدب نظاماً ألسنياً ذا وسائط إشارية (سيميولوجية) للواقع، وليس انعكاساً للواقع. واستبعدت علاقة الأدب بالأفكار والفلسفة والمجتمع. وقد طورت البنيوية بعض الفروض التي جاء بها الشكليون الروس.

المصدر الثاني الذي استمدت منه البنيوية هو (النقد الجديد) الذي ظهر في أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين في أمريكا، فقد رأى أعلامه "أن الشعر هو نوع من الرياضيات الفنية" (عزرا باوند)، وأنه لا حاجة فيه للمضمون، وإنما المهم هو القالب الشعري (هيوم)، وأنه لا هدف للشعر سوى الشعر ذاته (جون كرو رانسوم).

والألسنية هي المصدر الثالث الذي استمدت منه البنيوية، ولعلها أهم هذه المصادر، وعلى الخصوص ألسنية فرديناند دي سوسير (1857-1913) الذي يُعد أبا الألسنية البنيوية، لمحاضراته (دروس في الألسنية العامة) التي نشرها تلامذته عام 1916 بعد وفاته. وعلى الرغم من أنه لم يستعمل كلمة (بنية) فإن الاتجاهات البنيوية كلها قد خرجت من ألسنيته، فقد مهد لاستقلال النص الأدبي بوصفه نظاماً لغوياً خاصاً. وفرق بين اللغة والكلام: (فاللغة) عنده هي نتاج المجتمع للملكة الكلامية، أما (الكلام) فهو حدث فردي متصل بالأداء وبالقدرة الذاتية للمتكلم.[1]



و كما أسلفنا ؛ ففي نهاية العقد الثاني من القرن العشرين التقت آراء العالم السويسري (فردنياند سوسور) بالتيارات النقدية السائدة في اوربا ليبرز تيار الفكر البنيوي في الدرس النقدي المعاصر والحديث . والحقيقة ان “الجذور البنيوية تضرب بعيداً في القدم منذ ارسطو والجاحظ والعسكري والجرجاني وقدامة وابن طباطبا وهيغل وماركس ، حتى اشتهر قال بعضهم :”لنقل صريحاً: البينوية ليفي شتراوس” علماً عليها ليفي شتراوس وعرف بها فوكوهو ولاكان والتوسير وجان بياجيه وغيرهم. [2]

ففي القرن التاسع عشر نادى الباحث الاجتماعي اليهودي دوركايم بالنظرية المسماة "العقل الجمعي"، ودعا إلى دراسة الظواهر الاجتماعية باعتبارها "أشياء مستقلة"، وتبعاً لذلك ظهر الباحث اللغوي السويسري "فرديناد دي سوسيور " بنظريته في "ظاهرة اللغة"، حيث جرد اللغة من دلالاتها الإشارية المألوفة وعدها نظاماً من الرموز يقوم على علاقات ثنائية، ومن هنا ظهرت فكرة "البنية".[3]

مفهوم البنيوية و مدارسها :

ومن أبرز ما قرره سوسيور بقوة مبدأ "اعتباطية الرمز اللغوي" وهو ما يعني أن أشكال التواصل الإنساني ما هي إلا أنظمة تتكون من مجموعة من العلاقات التعسفية أي: العلاقات التي لا ترتبط ارتباطاً طبيعياً أو منطقياً أو وظيفياً بمدلولات العالم الطبيعي" وأن "كل نظام لغوي يعتمد على مبدأ لا معقول من اعتباطية الرمز وتعسفه" أي: تماماً كما يعتبط العقل الجمعي عند "دوركايم " ويتعسف فيفرض على الناس ما هو خارج عن ذواتهم، ومن هنا انبعثت فكرة "السيمولوجيا" أي علم الدلالة، أو العلامة والإيحاء، وتطورت فيما بعد .




, و يعد( جاكبسون ) من المدرسة الروسية الشكلية التي من أهم آرائها "تحرير الكلمة الشعرية من الاتجاهات الفلسفية والدينية والانطلاق من "دراسة العمل الأدبي في ذاته"، فهي تؤكد "أن العمل الأدبي يتجاوز نفسية مبدعه، ويكتسب خلال عملية الموضعة الفنية وجوده الخاص المستقل" .

وتؤكد أن "العمل الفني لا يتطابق بشكل كامل مع الهيكل العقلي للمؤلف ولا المتلقي"، أو كما يقول: "موخارو فسكي : "فإن الأنا الشاعر لا ينطبق على أية شخصية فعلية ملموسة، ولا حتى شخصية المؤلف نفسه، إنه محور تركيب القصيدة الموضوع.

و تعني البنيوية عند جورج لوكاش : استخدام اللغة بطريقة جديدة بحيث يثير لدينا وعياً باللغة من حيث هي لغة، ومن خلال هذا الوعي يتجدد الوعي بدلالات اللغة، هذا الوعي الذي تطمسه العادة والرتابة .

و قد حدد لوسيان جولدمان (1913-1970) وهو فرنسي من أصل روماني البنوية التوليدية على أنها المنهج الذي يحلل النص الأدبي بوصفه بنية إبداعية تخبئ تحتها بنية اجتماعية،. وقد أصدر جولدمان عدداً من الكتب المتصلة بقناعاته البنيوية منها: الإله الخفي وعلم اجتماع الإبداع الأدبي ومن أجل علم اجتماع الرواية .[4]

و نرى أن ثمة علاقة بين العلوم المختلفة و البنيوية , خاصة الاجتماع و النفس و اللسانيات ,

بالإمكان اختصار مفهوم البنيوية في مقولة ميشيل بريكس : أما المنهجية البنيوية الشكلانية فتهتم فقط بالنسيج اللغوي للنص وتدرسه بذاته ولذاته مهملة صاحبه أو مؤلفه. وهي تنطلق من القناعة التالية: النص هو وحده المهم ولا يفيد في شيء أن نتعرف على حياة مؤلفه لكي نفهمه. وهذا الموقف المتطرف في النقد الأدبي ساد في فرنسا لفترة ولكنه تراجع وانحسر الآن. [5]

و يرى جميل حمداوي أن البنيوية طريقة وصفية في قراءة النص الأدبي تستند إلى خطوتين أساسيتين وهما: التفكيك والتركيب ، كما أنها لا تهتم بالمضمون المباشر، بل تركز على شكل المضمون وعناصره وبناه التي تشكل نسقية النص في اختلافاته وتآلفاته. ويعني هذا أن النص عبارة عن لعبة الاختلافات ونسق من العناصر البنيوية التي تتفاعل فيما بينها وظيفيا داخل نظام ثابت من العلاقات والظواهر التي تتطلب الرصد المحايث والتحليل السانكروني الواصف من خلال الهدم والبناء أو تفكيك النص الأدبي إلى تمفصلاته الشكلية وإعادة تركيبها من أجل معرفة ميكانيزمات النص ومولداته البنيوية العميقة قصد فهم طريقة بناء النص الأدبي. ومن هنا، يمكن القول : إن البنيوية منهجية ونشاط وقراءة وتصور فلسفي يقصي الخارج والتاريخ والإنسان وكل ماهو مرجعي وواقعي ، ويركز فقط على ماهو لغوي و يستقرىء الدوال الداخلية للنص دون الانفتاح على الظروف السياقية الخارجية التي قد تكون قد أفرزت هذا النص من قريب أو من بعيد. و يعني هذا أن المنهجية البنيوية تتعارض مع المناهج الخارجية كالمنهج النفسي والمنهج الاجتماعي والمنهج التاريخي والمنهج البنيوي التكويني الذي ينفتح على المرجع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتاريخي من خلال ثنائية الفهم والتفسير قصد تحديد البنية الدالة والرؤية للعالم [6]

و تقوم البنيوية على فكرة إعادة انتاج الواقع من خلال إقامة الأنموذج الذي يحدده المحلل نفسه، وهذا الأنموذج سيكون قابلاً للمقارنة مع الشيء الخاضع للدراسة، وإذا مضينا أكثر لتفهم البنائية فعلينا أن نلجأ إلى واحدة من الآليات التي تستخدمها وهي المقابلات الضدية.

يقرر صلاح فضل أن التعريف الأول للبنائية: "يعتمد على مقابلتها بالجزئية الذرية التي تعزل العناصر وتعتبر تجمّعها مجرد تراكب وتراكم، فالبنائية تتمثل في البحث عن العلاقات التي تعطي للعناصر المتحدة قيمة وضعها في مجموع منتظم [7]





أدبية الأدب : المبدأ الرئيس في البنيوية :

إن حركة الشعراء المستقبلين في روسيا، وكتابات الرومانسيين الألمان ستوجه اهتمام النظرية الأدبية نحو التركيز على جانب الانسجام الداخلي للنصوص الأدبية، وستفسح المجال للإعلان عن ميلاد علم للأدب، منذ أن طلق جاكبسون عام 1919 قولته التي أصبحت فيما بعد كبيان يختزل عمل الشكلانين والشعرين والبنيويين حيث قال " ليس موضوع علم الأدب هو الأدب وإنما الأدبية أي ما يجعل من عمل ما عملاً أدبياً . فما المقصود بالأدبية ؟ يجيب تودوروف في كتابه- الشعرية -عن تحديد هذا المفهوم المركزي بقوله " ليس العمل الأدبي في حد ذاته هو موضوع الشعرية، فما تستنطقه هو خصائص هذا الخطاب النوعي الذي هو الخطاب الأدبي، وكل عمل عندئذ لا يعتبر إلا تجليا لبنية محددة وعامة، ليس العمل إلا إنجازاتها الممكنة ولكل ذلك فان هذا العلم لا يعنى بالأدب الحقيقي بل بالأدب الممكن،

وبعبارة أخرى يعنى بتلك الخصائص المجردة التي تصنع فرادة الحدث الأدبي، أي الأدبية .

يعد للمؤلف نفس الدور الذي كان يلعبه في النقد السيري، لأن ما يشكل موضوع الدراسة الأدبية ليس الأعمال الأدبية المفردة وإنما الأدبية، بحيث أن العمل الأدبي يرتبط بالنسق الأدبي بصورة عامة وليس بشخصية مؤلفة، فالشاعر في النظرية الشكلانية لم يعد ينظر إليه كصاحب رؤى أو عبقرية وإنما نظر إليه " كعامل ماهر يرتب، أو بالأحرى يعيد ترتيب المادة التي يصادق وجودها في متناوله، إن وظيفة المؤلف هي أن يكون على معرفة بالأدب، أما ما يعرفه عن الحياة أو ما لا يعرفه، فأمر غير ذي أهمية لوظيفته تلك ، إن هذا التصور يذكرنا بالمنجز النقدي العربي القديم خصوصا عند نقادنا الذين قالوا بأن الشعر صناعة وأن الشاعر يقوم بوظيفة السبك والصوغ ولا اعتبار بالمادة التي يصوغ فيها.[8]

و حول نظرية ( موت المؤلف ) التي تعوّل عليها البنيوية كثيرا ذلك في أن المنهج البنيوي يرفض النظرة التي ترى أن المؤلف هو منبع المعنى في النص ، وصاحب النفوذ فيه ، يرفض ذلك ويؤكد أن الكاتب لا دور له يذكر ؛ فلم يقم بعمل يستحق الثناء والمدح ، وكل ما قام به هو استخدام اللغة التي هي حق مشاع ، وأنه عندما أنشأ النص أنشأه على طريقة من سبقه ، فلم يأت بجديد بل قلد من سبقه في هذا الفن فهو اتجاه يركز على اللغة وكيفية عملها ودلالاتها ، وبذلك يخرج المؤلف خاوي الوفاض ، لا هو مبدع ولا هو عبقري ، وإنما هو مستخدم للغة لم يبتدعها ، وإنما ورثها مثلما ورثها غيره .


فمع انتشار الاتجاهات النقدية الجديدة مثل " البنيوية وما بعدها " لم يعد ينظر إلى المؤلف بوصفه منشئ النص ومصدره ، كما لم يعد هو الصوت المتفرد الذي يعطي النص مميزاته ، فالذي تتحدث وتنطق هي اللغة وليس المؤلف أو صوته .



من مناهج النقد البنيوي :

اهتمت الناقدة سيزا أحمد قاسم بالمنهج البنيوي كوسيلة لتحليل النص الروائي ،و تصرح في كتابها "بناء الرواية "منذ البداية بأنها تتبنى هذا المنهج في دراستها المقارنة" لثلاثية نجيب محفوظ " فتقول :"وفي ضوء التزامنا بالدراسة النقدية التطبيقية ،كان لابد لنا أن نستند إلى المنهج البنائي حيث أن السمات التي نريد أن نرصدها بين الأعمال موضوع الدراسة هي سمات تتعلق بالشكل والبناء وهذا المنهج سماه"رينيه ويلك"في كتابه نظرية الأدب المنهج الداخلي"

وتحدد المنهج الداخلي بالمنهج الذي يتعامل مع النص الأدبي مباشرة كبنية واحدة معزولة عن مؤلفها وبيئتها التي كتبت باعتبارها كيانا له عناصره الخاصة ،لابد للنقد التعامل معه على هذا الأساس.12وإذا اختارت المنهج البنيوي فلأنها لا تولي اهتماما لما سمته الناقدة يمنى العيد بالخارج وألحت على ضرورة دراسته،الخارج الذي يجعل من النص كائنا حيا متطورا بتعبير" سيزا قاسم" فرغم اعترافها بأهميته تبعده عن دراستها.

بناء على هذا الهدف الذي تسعى لتحقيقه ،وهو مقارنة رواية نجيب محفوظ بالرواية الفرنسية الواقعية من أجل كشف أوجه الشبه والاختلاف الخاصة بالتقنيات والأساليب و باقي أشكال السرد هذا الهدف تنشده باعتمادها على المقولات النقدية البنيوية كما جاءت عند" جرار جينيت "،واللغوية عند الروسي" بوريس أزبنسكي" إلى جانب الشكلانيين الروس.

وتختلف عن الناقدة" يمنى العيد " التي لم تكتف بتحليل العناصر البنائية للنص ورصد علاقاتها وراحت تربطها بالبنية الاجتماعية والثقافية ،محاولة كشفها داخل النص .بينما على العكس نجد "سيزا قاسم قد اختارت المنهج البنيوي توخيا منها الموضوعية وتجنبا الوقوع في الأحكام الجاهزة والانحراف بالتحليل إلى إطلاق الأحكام القيمية ،والتركيز على الوصف المقارن للرواية ،ليس من أجل قولبة نص نجيب محفوظ وجعله قالبا جاهزا استعاره الكاتب ثم أفرغ فيه حكاته، إنما الهدف كشف مدى تمثله الرواية الغربية وممارسة تقنياتها ،الأمر الذي يوضح علاقة الرواية العربية بالرواية الغربية عموما باعتبار نجيب محفوظ ممثلا للنص الروائي العربي خاصة الواقعي منه لهذه الأسباب تشرح رؤيتها المنهجية بقولها :"وقد استلزم ذلك البحث أدوات نقدية تساعدنا على تحليل العمل الروائي إلى عناصره الأولية وطبيعة العلاقات التي تقوم بين هذه العناصر،وبذلك يجمع بحثنا بين التحليل البنائي و النقد المقارن ".

ونفهم من كلامها أنها ستتعامل مع ثلاثية نجيب محفوظ كوحدة مستقلة تحلل من الداخل دون الالتفات إلى ما هو إبعيدا عن الأحكام القيمية .

و إذا كانت يمنى العيد تكشف عن المقولات البنائية التي ستنطلق منها في دراستها التي ذكرنا فإن الناقدة "سيز ا قاسم" تكتفي بالإشارة فقط إلى أنها ستعتمد "جيرار جينيت " و "أزبنسكي" ،دون توضيح كيفية ذلك أو تحديد المفاهيم التي تختارها كمنطلقات نقدية لعملها ،وقد لاحظ ذلك" حميد لحميداني " فراح يلومها متسائلا :"وقد كان على الناقدة أن تحدد بدقة ما هي الأطروحات البنائية التي تود تطبيقها ولا ينبغي الاكتفاء بالإشارة إليها ،بل تقديم الصورة الخاصة التي تمثلها بها ،ومما يجعل هذا الجانب ملحا هو أنها تقدم منهجا جديدا في العالم العربي خصوصا بالنسبة للقراء الذين ليس لهم القدرة دائما على الاتصال المباشر بالنقد الغربي بسبب عوائق اختلاف اللغة .

لكن الشيء الملاحظ هو كون الناقدة تعترف أنها لن تلجأ إلى مناهج أخرى لتستفيد منها ،بل اكتفت بالمنهج البنيوي على أساس أتخادها الوصف وسيلة تحليلها ،ثم رؤيتها المبنية على معاملة النص كبنية تدرس من الداخل ،غير أننا نلاحظ أن هناك تفاوت بين هذا الطموح وممارستها النقدية ،إذ نجدها أثناء تفسيرها للثلاثية بنصوص غربية تسترسل في التأويل الفلسفي والاجتماعي وحتى الأيديولوجي ،فتبتعد عما خططت له متأثرة بوجهة نظرها الفكرية [9]



البنيوية في العالم العربي :

لم تظهر البنيوية في الساحة الثقافية العربية إلا في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات عبر المثاقفة والترجمة والتبادل الثقافي والتعلم في جامعات أوربا. وكانت بداية تمظهر البنيوية في عالمنا العربي في شكل كتب مترجمة ومؤلفات تعريفية للبنيوية ( صالح فضل، وفؤاد زكريا، وفؤاد أبو منصور، وريمون طحان ، ومحمد الحناش، وعبد السلام المسدي، وميشال زكريا، وتمام حسان، وحسين الواد، وكمال أبوديب....) ، لتصبح بعد ذلك منهجية تطبق في الدراسات النقدية والرسائل والأطاريح الجامعية.

ويمكن اعتبار الدول العربية الفرانكوفونية هي السباقة إلى تطبيق البنيوية وخاصة دول المغرب العربي ولبنان وسوريا ، لتتبعها مصر ودول الخليج العربي.

ومن أهم البنيويين العرب في مجال النقد بكل أنواعه: حسين الواد، وعبد السلام المسدي ، وجمال الدين بن الشيخ، وعبد الفتاح كليطو، وعبد الكبير الخطيبي، ومحمد بنيس، ومحمد مفتاح، ومحمد الحناش، وموريس أبو ناضر، وجميل شاكر، وسمير المرزوقي، وصلاح فضل، وفؤاد زكريا، وعبد الله الغذامي.[10]





ختاما :

فالبنيوية كاتجاه نقدي , لم يكن إلا بعد توطئة معرفية علمية طويلة , كما أسلفنا , و كان يطبق في عصور ممتدة , حتى مضى عهده الزاهر , و أتت بعده مذاهب و اتجاهات أخرى , كالتشريحية أو التفكيكية , خاصة لما رأينا من جمود البنيوية في طبيعتها الصارمة و طريقتها التعسفية التي أبت إلا الأخذ بالداخل في النص دونما النظر إلى الخارج , في تجاهل صريح للمعطيات التاريخية و السياقية و المؤلف و ظروفه المؤثرة .. كل هذا أدى إلى البحث عن سبيل آخر لنقد النصوص , لكن مع كل هذا , إلا أن للبنيوية خطرها الكبير و أهميتها التي لا يمكن تجاهلها إذ كانت وليدة للفكر اللساني الذي يعد نقلة كبيرة في اللغويات العالمية ..

تمظهر العجائبي في النصوص السردية التراثية

الخامسة علاوي ـ الجزائر

تسعى هذه الدراسة المقتضبة إلى البحث عن صور متفرّقة للظاهرة الفانتاستيكية ( fantastique ) في بعض النصوص العربية القديمة، على اختلاف أنواعها وغاياتها وأساليبها. رغبة في التأصيل التراثي للمفهوم العجائبي الذي نتصور أنّه يبتعد بقرون عن كتاب تزفيتان تودوروف (المدخل إلى الأدب العجائبي) 1970.

وفي المستهل، لعله من الأهمية بمكان طرح السؤال الآتي: هل يمكن الحديث عن جينات مكتملة للعجائبي في النصوص السردية القديمة؟.

إن الإجابة عن هذا السؤال تستلزم استقراء تلك النصوص لإدراك مدى تمثلها للعجائبي كشكل تقني يعمد إليه الراوي في حكيه لغرض المتعة والتشويق وخرق قوانين الواقع. وبالاطلاع على تلك النصوص القديمة، ولاسيما التاريخية والجغرافية منها، تبين أنها ملأى بذكر العجائب والغرائب "التي ما تزال موضع إدهاش حتى يومنا هذا"( [1] ).

أجل ما تزال تطرح السؤال ذاته، الذي طُرح منذ قرون مضت، ما تزال تثير الحيرة والتردد، تبعث على الشك في كل ما يُروى، فتنهال الأسئلة على العقل: أكانت تلك العجائب المروية حقائق واقعية؟ أم أنها مجرد خيالات وصور ابتدعتها المخيلة المتعالية داخل محيط اجتماعي وسياسي، وخرافات عالقة بالأذهان توارثتها الأجيال؟ فأصبح ـ كما يقول الغرناطي ـ الذكي العاقل هو القادر على التصديق( [2] )، هو وحده الذي بوسعه أن يعرف "أين ينتهي الواقع؟ وأين يبدأ الخيال؟ فالخيال واقعي، والواقع خيالي، إنه خيال يستعمل الواقع ذريعة، ونقطة انطلاق، وتتداخل الغربة والغرابة ويصبح الغريب غير عادي أي عجيباً"( [3] )، عجيباً في ذاته وصفاته، عجيباً لأننا ـ كما يقول القزويني ـ أصبحنا عاجزين عن الوقوف على أسباب حدوثه، أو لم نأنس مشاهدته( [4] )، ومتى سقط السببان عدنا إلى المألوف.

فهل يمكن عدُّ تلك العجائب والغرائب، بكل ما تحمله من معاني التهويل والخرق للعادات المألوفة، جينات مكتملة للأدب العجائبي عند العرب؟.

ثمة كمٌ هائل من الخرافات والأساطير العربية القديمة التي عجت بها كتب الرحلات والجغرافيا والتاريخ وهي أساطير جميلة، يتجلى جمالها في أنها "تقرب البعيد، وتبعد القريب وتنفي الثابت وتثبت المنفي أي أنها ترفض بطبيعتها المستحيل، بل قصاراها التعامل معه والتمكين له"( [5] ).

لكن، هل يمكن عدّها بهذه المواصفات أدباً عجائبياً؟! أم هل هي مجرد جينات غير مكتملة له على مستوى التكوين والتوظيف، خاصة إذا علمنا أن هناك من النقاد المحدثين من رد العجائبي إلى الذهنية البدائية وإلى التقاليد الشفوية والفلكلور. فهذا شارلز شيل " Charals Schee l" يقول: إن "العجائبي هو عرف في الحكايات يمتحُ من التقاليد الشفوية والفلكلور"( [6] )، وذاك روجيه كايوا ـ حسب تحليلات " Valerie tritter " لنظريته ـ يقدم الأدب ضمن نظرة خطية بحيث يغدو العجائبي فيها استمرار للحكاية السحرية (المدهشة) وهي حكايات الجن( [7] ) (من الموروث الشعبي القديم)، وذاك محمد برادة يصنف العجائبي "ضمن تراث الأساطير والفلكلور لمختلف الثقافات"( [8] ) ذلك أن العجائبي في أوربا وبظهوره في القرن الثامن عشر استعاد "تمثل العناصر التقليدية والعجيبة في الموروث الثقافي الشعبي، ثمَّ صياغة كل ذلك صياغة جديدة، وبرؤية فلسفية جديدة، ومحاولة صبّ ذلك في الحياة الفردية والجماعية"( [9] ).

وبتقصي مراتع الكتاب العرب في الأدب العجائبي يظهر أنهم ينهلون من التراث العربي القديم؛ فهذا إبراهيم الغيطاني حين سئل عن مكونات خطابه الروائي في علم الأخرويات، ردها إلى الأجزاء المتخيلة في أسفار التاريخ العربي التي تحاول تسجيل الزمن الذي شهد خلق العالم والمسافات الزمنية التي كانت مجهولة لأولئك المؤرخين مضافاً إليها الأساطير العربية وحكايات الفلكلور والحكايات الشعبية، وكل عناصر ما يمكن تسميته بالثقافة التحتية( [10] )، والتي يشعر بعض المثقفين بالتعالي عليها ولا يلتفتون إليها في الوقت الذي ينبهرون فيه بكتاب من الدرجة الثانية لمجرد أنهم من الغرب( [11] )، دون أن ينسى كتب العجائب التي كانت في معظمها محاولة لتفسير بعض الظواهر الطبيعية التي كان الذهن البشري يعجز عن تفسيرها ككتاب "خريدة العجائب" لعمر بن الوردي و"مختصر العجائب" لإبراهيم بن مصيف شاه( [12] ) وغيرهما، إيماناً منه "بالذاكرة والماضي والأحلام، وهي تتلاقى مع الوعي، ذلك أن هناك اختزانات قديمة في أعماق الأديب أو الكاتب عندما تصعد من اللاوعي يمكن أن تتجلى في شكل رؤيوي جميل وعذب، لكنّها غير خارجة كلياً عن سيطرة الوعي..."( [13] )، كما يؤكد ذلك حيدر حيدر في حوار له مع مجلة المسيرة. فهذا الاعتراف من جمال الغيطاني الصريح يؤكد أنّ النصوص النثرية القديمة كانت ملأى بالعناصر العجائبية، أحداثاً وشخصيات وفضاءات...، على الأصعدة السردية الآتية:

1 ـ القصص الشعبي:

مما لا ريب فيه أن كتاب "ألف ليلة وليلة" يعد من أشهر الكتب ذات الطابع الشعبي والبنية التعجبية حيث يقوم على وصف عوالم فوق طبيعية داخل عالم طبيعي مألوف وشخوص يتخذون هيئات كثيرة، أي يطالهم الامتساخ والتحول، مما يدعو إلى الحيرة والتردد في نفس المتلقي، وتلك أهم خصائص الأدب العجائبي عند تودوروف ومن أمثلة هذا القصص أيضاً، سيرة عنترة بن شداد، وسيف بن ذي يزن، الأميرة ذات الهمة... الخ، بالإضافة إلى العدد الذي لا يحصى من السير الأخرى والشخصيات الأسطورية التي أثرت الخيال العربي وميَّزت دروبه، ودلت على "عظمة هذا الأدب الذي تنتمي إليه وكذا إنسانيته"( [14] ).

فالمبدع الشعبي لم يكترث لتوجيهات النقاد التي كثيراً ما كانت متسمة بالأبوية والتعليمية كما يشير إلى ذلك عبد الملك مرتاض، وظل يبتكر المزيد حتى اكتظ الأدب الشعبي بالخوارق والأعاجيب وامتلأ بالأساطير الجميلة، المغرقة في "عوالم جديدة لا مكانة فيها للعقل، ولا سلطان فيها للمنطق، وإنما السلطان كله للخيال المجنح يحلق إلى أقصى الحدود ولكن في فضاء دونما حدود"( [15] ).

غير أن مجيء الإسلام أضفى على العقلية العربية نوعاً من الواقعية، إذ حاول وبشتى الطرق محو الكثير من المعتقدات التي كانت سائدة في شبه الجزيرة العربية معتبراً إياها أباطيل وأساطير الأولين، ومما يشوش على العامة عقائدهم.

2 ـ كتب الفتوح والمغازي:

وقد استمدت مادتها من تاريخ المسلمين إبان الفتوحات الإسلامية، وهي عبارة عن حكايات شعبية ذات أصول تاريخية، "تجاور فيها الواقعي والعجائبي سواء على مستوى الحدث أو الشخصية، أو الزمان والمكان، الشيء الذي يعني أن المتخيل العربي الإسلامي ساهم بشكل كبير في صياغتها وإنتاجها"( [16] )، وإن كان هذا النوع من الكتابة لم يحظ بقبول السلف الذين اعتبروه من العلوم التي لا أصل لها معتمدين في ذلك على حديث رواه أحمد بن حنبل يقول فيه: "ثلاثة ليس لها أصل: التفسير، والملاحم والمغازي" كما يروي ذلك السيوطي في الإتقان( [17] ).

ومن أمثلة هذا النوع السردي ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ غزوة وادي السيسبان التي تحكي جانباً من سيرة علي بن أبي طالب ـ كرم الله وجهه ـ ومغامراته في وادي السيسبان؛ إذ على الرغم من كون النص "يستمد شرعيته من مادة إسلامية، فإنه يتحرر من مختلف سماتها ويتعامل معها بشكل طليق: فهناك العديد من المغالطات التاريخية والجغرافية التي يتنبه لها كل من له إلمام ولو بسيط جداً بتاريخ صدر الإسلام"، وتبدو هذه المغالطات التاريخية واضحة على صعيد الحدث والفضاء والشخصيات. فبعض الشخصيات الإسلامية (كحمزة) يعاصر خالد بن الوليد ويشارك معه في عدة معارك، كما أن حمزة يمتد العمر به طويلاً في الإسلام، كما تحضر بعض الأمكنة في شبه الجزيرة موصوفة كما لو أنّها بعض الجزر في كتب العجائب"( [18] ).

ومما لا ريب فيه أنّ هذا النوع السردي الخاص الإنتاج؛ لتعدد أبعاده واختلافها من حيث طبيعة المادة الحكائية له متلقٍّ خاص، وهو "موجود دائماً، ويشهد بذلك استمرار مثل هذه النصوص، مطبوعة، أو مروية، والطبعات الشعبية كثيرة ومتداولة وفي مختلف البلاد العربية"( [19] ).

3 ـ كتب الصوفية:

من المحاور التي كان للمتصوفة الحديث فيها، التصرف في العوالم بأنواع الكرامات وهي بالنسبة إليهم مقابلة للمعجزات التي لا يختص بها إلا الأنبياء، وتقوم هذه الكرامات على مبدأ استعمال الخوارق من الأمور، إن على مستوى السفر إلى الله وما فيه من مقامات وأحوال لأن "الصوفي عند أهل التصوف هو الذي هو فانٍ بنفسه باقٍ بالله تعالى مستخلص من الطبائع متصل بحقيقة الحقائق"( [20] )، أو على مستوى زيارة العوالم العليا والحديث عن لقاءات عجائبية خاصة وغريبة، ثم صدور ألفاظ موهومة الظاهر عن هؤلاء المتصوفة والتي تعرف في اصطلاحهم بالشطحات( [21] ).

وعموماً فقد "ارتبطت خوارقهم بالحلم والهذيان، وبقوة نفسانية يمكن القول بأنها كانت تتماس من بعيد أو قريب ـ مع الخصوصية ـ ( [22] ) مع ما كان يسلكه البوذيون، وجماعات هندية أخرى"( [23] ). وإن كنا نودّ التوقف عند المقطع الأخير من عبارة شعيب حليفي لأن ما يسلكه هؤلاء هو نوع من الشعوذة والدجل الذي لا يفتأ العقل البشري أن يضع له الحدود.

4 ـ الخطابات الأليغورية الرمزية:

وتسمى رمزية تجاوزاً كما يقول شعيب حليفي ذلك أن شخوصها اختيرت من الحيوانات ومن نموذجها "كلية ودمنة"، التي حاولت تصوير فضاء حيواني عجائبي، ولا يختلف كثيراً عن عجائبية بعض الأعمال الفنية التي ظهرت في القرن التاسع عشر.

ومن هذه الخطابات الرمزية ما يعتمد على الحلم كرسالة الغفران؛ ذلك أن "الحلم شغل دوراً كبيراً في إخصاب المخيلة العربية، وإعطاء العمل الإبداعي بعداً موحياً وفريداً"،( [24] ) وقد تحمل هذه الخطابات معنى أخلاقياً أو دينياً غير المعنى الظاهري( [25] ).

5 ـ كتب التاريخ والجغرافية والرِّحلات:

تضمنت كتب التاريخ أخباراً وحكايات غريبة تعود في معظمها إلى مخيلة المؤرخ أو الجغرافي أو الذاكرة الشعبية، ولا أدل على ذلك مما ورد في مروج الذهب عند المسعودي، وما رواه كل من وهب بن منبه القرشي وكعب الأحبار من الأخبار والقصص والأساطير التي امتلأت بها كتب الجغرافيا والرحلات والعجائب، من هذه الأساطير التي سُوِّدت بها الكتب القديمة ما تعلق بالغول، وهو كائن خرافي ظل العرب يعتقدون بوجوده، ويدل على ذلك ما أورده المسعودي من أن الفلاسفة أنفسهم ظلوا يعتقدون بوجود الغول، وقد حكى بعضهم "أن الغول حيوان شاذ من جنس الحيوان مشوّه لم تحكمه طبيعة، وأنه لما خرج منفرداً في نفسه وهيئته توحش في مسكنه، فطلب القفار وهو يناسب الإنسان والحيوان البهيمي في الشكل"( [26] ) وقد ذكر جماعة من الصحابة منهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه شاهد ذلك في بعض أسفاره إلى الشام، وأن الغول كانت تتغول له، وأنه ضربها بسيفه وذلك قبل ظهور الإسلام"( [27] )، كما زعم تأبط شراً أنه لقي الغول في مكان بالحجاز يدعى رحا بطان وجرى بينه وبينها محاربة، وأنه قتلها وحمل رأسها إلى الحي، وعرضها عليهم حتى يعرفوا شدة جأشه وقوة جنابه( [28] ).

وقد تخرج الغول للمسافر فتعبث به إذا اعتزل ببيداء أو انفرد في مكان قفر، فلا يأمن أن تُضله الطريق، وتزعم العرب قبل الإسلام "أن الغيلان توقد بالليل النيران للعبث والتحيل واختلال السابلة، قال أبو المطراب:

فلله در الغول أي رفيقة



لصاحب قفر حالف وهو معبر

أرنَّت بلحن بَعْد لحن وأوقدت



حواليَّ نيراناً تلوح وتزهر"( [29] )




كما لا ننسى الأساطير المتعلقة بزواج السعالي( [30] ) بالرجال من الإنس ومن أشهر هذه الأساطير زواج عمر بن يربوع بن حنظلة بالسعلاة التي بقيت معه زمناً، وولدت منه حتى رأت ذات ليل برقاً على بلاد السعالي فطارت إلى أهلها الذين كانوا زعموا له أنّه سيجدها خير امرأة ما لم تر برقاً. وكانوا يزعمون أن السعالي تمقت البرق فتفرّ منه( [31] ).

وقد تعرض عبد الملك مرتاض لهذه الأسطورة بالتحليل في كتابه (الميثولوجيا عند العرب) معتبراً إياها من الأساطير المغرقة في الخرافية، إن على مستوى الشخصية المعرّف بها، أو على مستوى الحدث في ذاته وهو زواج "امرأة قوية قادرة على التحليق والطيران (...) بأعرابي جلف قاصر ذهنياً إلى حد ما، بالقياس إليها، كان يجوب الفيافي ويضرب مغامراً في القفار"( [32] )، كما طرحت هذه الأسطورة أسئلة كثيرة حاول مرتاض الإجابة عنها في كتابه مؤكداً أن الرواة تعمدوا تقديم هذه الأسطورة "خاماً لتكون أبهر، ولتكون أدعى إلى التساؤل، ولتكون أدنى إلى الحيرة والاعتقاد جميعاً. فليس هناك خيط واحد يمكن التمسك به من أجل الوصول إلى حقيقة ما، إلا حقيقة الأسطورة"( [33] )، وهي بذلك تعد بأحداثها وشخصياتها، وفضاءاتها، بل وحتى لغتها مغرقة في التغريب والتعجيب( [34] ).

كما لا ننسى الشق وهو الآخر كائن غير محكم الخلق يخرج للمسافر إذا كان وحده، يقول المسعودي: "وقد كانت العرب قبل ظهور الإسلام تقول: إن من الجن من هو على صورة نصف الإنسان، وأنه كان يظهر لها في أسفارها وحين خلواتها"( [35] ).

ومما ترويه العرب أنّه وقع قتال بين علقمة بن صفوان بن أمية بن محرب الكناني جد مروان بن الحكم لأمه والشق، حيث إن علقمة خرج في بعض الليالي يريد مالاً له بمكة فانتهى إلى موضع يعرف بحائط حرمان، فإذا بشق قد ظهر له وأخذ ينشد له:

علقم إني مقتول



وإن لحمي مأكول

اضربهم بالمسلول



ضرْب غلامٍ مشمول


رحب الذراع بهلول







فرد عليه علقمة:

شقُّ، مالي ولك



واغمد عني مُنْصُلَكْ


تقتل من لا يقتلك؟







فقال الشق:

علقم، غنيت لك



كيما أبيح معقلك


فاصبر لما قد حُمَّ لَكْ







وضرب كل واحد منهما الآخر فماتا معاً( [36] ).

ومما يُروى عن العرب أن الجن قد قالت شعراً في حرب بن أمية حين قتلته وهو:

وقبر حرب بمكان قفر



وليس قرب قبر حرب قبر




مستدلين على أن هذا الشعر من قول الجن، بأن أحداً لا يستطيع أن ينشده ثلاث مرات متتاليات دون أن يتعتع فيه( [37] )، ومنذ ذلك الحين اعتبر الشق رمزاً للشخصية الشريرة التي تظهر ولا ترحم.

وقد تصدى عبد الملك مرتاض لمناقشة هذه الأسطورة أيضاً بشيء من التفصيل والتحليل في كتابه السابق الذكر، مبتدئاً بالتشكيك في طريقة وصول تلك الأرجاز التي رواها كل مِنْ علقمة والشق، متسائلاً عن مُوصِلِها إلينا؟.... الخ، مبيناً أننا إذا تغاضينا عن كل الأسئلة وعاودنا الرجوع إلى الأبيات التي رواها الشق حسب ما روي عند المسعودي، فإن محتوى هذه الأبيات لا يحمل معنى المهاجمة من الشق لعلقمة ولا يبدي أية عداوة أو بغضاء( [38] )....

وغير بعيد عن الشق والسعلاة والغول هناك النَّسْنَاسُ الذي اكتفى المسعودي بالإشارة إلى موطنه (اليمن) في "مروج الذهب" محيلاً على أنه ذكره في كتابه "أخبار الزمان"( [39] ) الذي لم يتسنَّ لنا الإطلاع عليه. أما القزويني فقد حكى في كتابه (آثار البلاد وأخبار العباد) أن الله مسخ أهل وبار فجعلهم نسناساً، ووبار هي "أرض بين اليمن وجبال يبرين من محالِّ عاد (...) كانت أكثر الأرضين خيراً وأخصبها ضياعاً وأكثرها شجراً ومياهاً وتمراً، فكثرت بها القبائل وعظمت أموالهم، وكانوا ذوي أجسام فأشرَّوا وبطروا، ولم يعرفوا حق نعم الله عليهم، فبدّل الله تعالى خلقهم وصيّرهم نسناساً، لأحدهم نصف رأس ونصف وجه وعين واحدة ورجل واحدة، فخرجوا يرعون في تلك الغياض إلى شاطئ البحر كما ترعى البهائم (...)، يفسدون الزرع ويصيدهم أهل تلك الديار ويُنَفِّرونهم عن زروعهم وحدائقهم"( [40] ).

ويذهب عبد الملك مرتاض إلى أن أصل هذا المعتقد ربما يعود إلى الأساطير التي نشأت عن هلاك قوم عاد مستدلاً على ذلك بحديث رواه ابن منظور في لسان العرب فحواه: "أنّ حياً من قوم عاد عَصوْا رسولهم فمسخهم الله نسناساً، لكل إنسان منهم يد ورجل من شَقِ واحد ينقزون كما ينقز الطائر ويرعون كما ترعى البهائم"( [41] ). فالنسناس ـ بناء على هذا النص ـ كائن ممسوخ، و"أما ما يذكره المفسرون، نسبة إلى كعب الأحبار ووهب بن منبه في الغالب، من أمر يأجوج ومأجوج، وأنهما من الخلق المشوه، ومن أكلة لحوم البشر، وممن يتصفون بالقامات الطويلة والأجسام الضخمة حتى إنه يمكن تشبيههم بشجر الأرز، فإن ذلك ليس إلا أساطير. وقد استبعده ابن كثير نفسه( [42] )، وقد أوردنا في تحليل رحلة ابن فضلان( [43] ) بيان انتقال هذه الصورة ليأجوج ومأجوج إلى الآخر بعد أن كانت من المعتقدات العربية السائدة في جزيرة العرب.

وقد كانت هذه المعتقدات قائمة على أشدها في الذهنية العربية البدائية (قبل ظهور الإسلام بزمن قد يكون طويلاً)، حتى إن صورها كانت دقيقة مما يجعل المتلقي يتردد في كثير من الأحيان بين التصديق والتكذيب.

لاشك أن هذه المعتقدات الشعبية قد أثرتها المخيلة العربية القادرة على إنجاب أجمل الأساطير، من مجرد إشارات قرآنية، لم تشف غليل القوم، فراحوا ينسجون الأساطير من حولها نسجاً مثيراً، يبعث التردد والحيرة في نفوس المتلقين. وعليه فالبعد العجائبي كان حاضراً وبقوة في كل هذه المعتقدات الشعبية.

ويذكر كراتشكوفسكي أن السنوات العشر الأولى للخلافة انتعش فيها نمط من الجغرافيا يطلق عليه "الجغرافيا الأسطورية"( [44] )، هذا النمط الذي يمكن عده شكلاً من أشكال العجائب والغرائب التي ملئت بها كتب الرحلات خصوصاً.

وقد ارتبط هذا النمط ببعض الأماكن الأسطورية كجبل "قاف" الذي يقول فيه القزويني: "قال المفسرون إنه جبل محيط بالدنيا وهو من زبرجدة خضراء منه خضرة السماوات ووراءه عالم وخلائق لا يعلمهم إلا الله"( [45] )، وعلى الرغم من غياب أية إشارة قرآنية إلى هذا الجبل، فإن المفسرون حاولوا أن يبصروا إشارة إليه في الحرف الغامق "ق" في أول سورة "ق" ولم يقفوا عند ذلك بل قاموا بوصف الجبل استناداً إلى بعض المرويات، بل وحتى وصف المواضع التي تحول دونه فلا يمكن عبورها، والتي تحيط بالأرض على طريق طوله أربعة أشهر، وأيضاً للبلاد الواقعة خلفه. حتى إن بعض الجغرافيين ذهبوا إلى تحديد مكانه "بالقوقاز"( [46] ).

ومن الموضوعات التي وردت في القرآن الكريم ودارت حولها الأساطير سد يأجوج ومأجوج الذي أمكن للرسول r بفضل ما تمتَّع به من نفاذ البصيرة ـ التي تعبر المسافات الشاسعة ـ أن يبصر ما طرأ عليه من تصدع فأخبر بذلك في الحديث الذي رواه أحمد في مسنده "إن يأجوج ومأجوج ليَحْفِرنَّ السد"( [47] ).

وقد كان للرحلات العربية اتجاه إلى مكان هذا السد وذلك في عهد الخليفة العباسي الواثق بالله (227 ـ 232 هـ) حيث رأى هذا الخليفة في منامه أن السد الذي بناه ذو القرنين ليَحُول دون تسرب يأجوج ومأجوج قد انفتح، فبعث بسَلام الترجمان إلى مكان السد (بحر قزوين) في الأصقاع الشمالية لينظر في الأمر فعاد له بوصف شامل للسد وللحصون التي مرَّ بها قبل الوصول إليه، محدداً في كل مرة حتى المسافة بين الحصن والحصن، والحصن والسد. وقد حكى سلام رحلته لابن خرد ذابة الذي قيدها في كتابه (المسالك والممالك) بكل أمانة( [48] )، ذلك أنه "يؤكد في آخر روايته أنه قد سمعها في بداية الأمر من سلام ثم أمليت عليه من التقرير الذي رفعه سلام إلى الخليفة"( [49] ).

وقد رأى البعض أن رحلة سلام أسطورة خيالية وكفى، أوهى مجرد تضليل مقصود كما (يقود) سبنجر " Spenger " ويؤيده غريغور رييف " Grigoriev ".

أما مينورسكي فقد اعتبرها مجرد حكاية تنتشر فيها بضعة أسماء جغرافية، بينما يذهب فاسيلييف " Vasiliev " عالم البيزنطيات إلى أن سلاماً قد نقل إلى الخليفة الروايات المحلية التي سمعها في الأماكن التي زارها. وإلى هذا الرأي الأخير يميل كراتشكوفسكي لأنه ـ على حد زعمه ـ لا يخلو من الوجاهة( [50] ).

وبغض النظر عن أسطورية المادة التي رويت في هذه الرحلة الواقعية، فقد نالت القصة انتشاراً واسعاً في الأدب الجغرافي العربي ورواها الجغرافيون المتقدمون مع تفاوت في التفاصيل من أمثال القزويني( [51] )، وياقوت الحموي( [52] )، وأبي حامد الغرناطي( [53] )والمسعودي الذي يذكر في (مروج الذهب) أنه ذكر في الكتاب الأوسط خبر السد الذي بناه ذو القرنين( [54] )... الخ.

إذن فالرحلة في ذاتها واقعية كما أكّد ذلك أحد كبار العلماء المحدثين في الجغرافيا التاريخية لأوروبا الشرقية وآسيا الوسطى، رغم أنّ الدافع إلى إرسال هذه السفارة كان خيالياً بحتاً وهو ذات الدافع الذي جعل الخليفة يبعث بمحمد بن موسى الفلكي لتقصي خبر أهل الكهف الذي أورد في القرآن قصتهم في سورة الكهف؛ هذه القصة التي تباينت حولها الروايات ونسجت حولها الحكايات، على نحو ما يذكر الغرناطي: "في طريق قونية غار تحت الأرض يسكنه جماعة، وفيه بيت كبير، فيه رجال موتى، بعضهم قيام، وبعضهم ركوع، وبعضهم سجود، فلا يدري من أي أمة هم، وعليهم ثياب لا تبلى، والنصارى والمسلمون يتبركون بهم وأمرهم شائع يراهم الناس"( [55] ).

ولم يكتف الغرناطي بذكر حكايته هذه التي أخرجت القصة عن حيّزها الجغرافي المعروف من جهة، وجعلتها القاسم المشترك بين المسلمين والنصارى من جهة ثانية بل راح يؤكد صحتها بما رواه له رجل من أهل باشغرد اسمه داود بن علي، من أنّه دخل ذلك الغار ورأى فيه الرجال، فلما اقترب من راكع منهم وأخذ بأسفل عنقه ورفعه استوى الرجل قائماً، فلما تركه عاد راكعاً كما كان. غير أن داود بن علي هذا يذكر أنّ الموتى في الغار كثر، منهم امرأة عندها مهد فيه طفل، قد انحنت عليه كأنها ترضعه وهي ميتة لم يسقط من جسدها شيء( [56] ).

فهذه حكاية من الحكايات الكثيرة المحبوكة حول أهل الرقيم حوتها كتب المتقدمين من أمثال المسعودي( [57] )، والقزويني( [58] )، وابن خرداذبة وياقوت( [59] ) والغرناطي الذي ارتأينا رواية حكاية أخرى له عن هؤلاء الفتية مفادها أن مدينة دقيانوس( [60] ) كانت هي غرناطة، وبالقرب من المدينة بثلاثة فراسخ مدينة صغيرة يقال لها لوشة وإلى جانبها جبل صغير في حضيضه مثل الغار (كهف)، الشمس تزاور عن بابه ذات اليمين وإذا غربت تقرضه ذات الشمال، وفي داخله فتية، عددهم سبعة موتى، ستة منهم نيام على ظهورهم، وآخر نائم على يمينه وعند أرجلهم كلب، لم يسقط من أعضائهم ولا شعورهم شيء، والناس يغطونهم بأنواع الثياب، ويزورونهم من جميع البلاد، وعلى الكهف مسجد، ولهم هبة عظيمة وعلى الكهف نور كثير، والدعاء عندهم مستجاب. وهذه كرامة الله ظاهرة لعباده في الدنيا تدل على إكرام الله تعالى لأرواحهم في الآخرة( [61] ).

وربما كان طابع القداسة الذي أضفاه الغرناطي على القصة منذ البداية (يكفي أنّه روى القصة باللفظ القرآني) أحد أهم الأسس التي استند إليها الرحالة لإقناع المتلقي بما يأتي من الدعاء المستجاب في مسجدهم والنور الساطع على جبلهم، وغيرها من الكرامات التي مُنِحوها رغم أنهم أموات عند ربهم يرزقون.

وكلها معتقدات شعبية استفحلت بين العامة والخاصة حتى أنه لم يعد يقدر أحد من العلماء على دفعها كما أشرنا إلى ذلك سلفاً، وهي مما يغذي البعد العجائبي في أدب الرِّحلات.

ومهما كانت الأحداث، والشخصيات، والفضاءات مرجعية فإن العناصر العجائبية تتدخل لإضفاء بعض السمات العجائبية عليها فتغدو عجائبية محضة. ولربما ضاعت مرجعيتها التاريخية بين مجموع الحكايات التي تطبعها بالطابع العجائبي، الذي يجعل المتلقي في حيرة من أمره أيصدق كلَّ ما يقال أم يكذب، فيصبح الذكي العاقل هو القادر على التمييز بين الأمرين كما يقول الغرناطي، ولاسيما إذا تعلق الأمر بشيء من أمور الدين.

ولم تنحصر تلك الحكايات والقصص فيما ذكرنا فحسب، بل إنّ كتب الرِّحلات البرية منها والبحرية قد عجّت بقصص ومغامرات طريفة وغريبة في الآن نفسه، كانت أكثر التصاقاً بالرحلات البحرية التي كانت وجهتها الأصقاع البعيدة، كالهند والصين، وسواحل إفريقيا الشرقية خاصة بلاد الزنج المشهورة، وهي تنطبق بوجه خاص على "زنجبار" الحالية.

وفي هذه السلسلة يشغل كتاب عجائب الهند لبُزْرُج بن شهريار الذي تم تأليفه سنة 324 هـ/953م مكانة مرموقة، والذي يرى فيها فيران أن بعض قصصه يرجع إلى أواخر القرن العاشر. ومما يتميز به هذا الكتاب أن قصصه لا تدور حول قصة واحدة متماسكة الأطراف كما هي الحال مع كتاب أبي زيد السيرافي ولكنه يتناول مجموعة من القصص المتفرقة المختلفة طولاً وقصراً تتراوح بين عشر صفحات وبضعة أسطر، ومما تتميز به مادتها التنوع، فتارة يقابلنا وصف قصير لنبات أو سمك أو عجائب، وطوراً وصف لحادث في البحر أو البر قد يتحول إلى قصة مغامرات...، وتمثل هذه المجموعة القصصية لبزرج مصنفاً أدبياً ممتازاً ـ كما يشهد بذلك كراتشوكوفسكي ـ لا يقل أهمية عن أفضل مواضع أسفار السندباد بل ويفوقها أحياناً( [62] ).

وربما كانت القصة التي رواها شوقي ضيف في كتابه (فنون الأدب العربي ـ جزء الرحلات ـ ) خير دليل على ذلك؛ إذ يروي أحد الملاحين عن أبيه قائلاً:

"أسْرَيْتُ في مركب لي كبير، ونحن طالبون، جزيرة قِنْصور( [63] ) (...) وأدْخَلنا التيار بين جزائر، فأسندنا المركب إلى واحدة منهن. على ساحلها نسوة يعمن ويسبحن ويلعبن فأنسنا بهن، ولما قربن منهن تهاربن في الجزيرة.

وتمضي الحكاية فتزعم أنّ هذا الملاح ومن معه من التجار بادلوا أهل الجزيرة عروضهم من الحديد والنحاس والكحل، والخرز والثياب بما عندهن من الأرز والغنم والدجاج والعسل والسمن، ثم طلبوا بضائع منهن يشترونها، فقلن ليس عندنا إلا الرقيق فاشتروا طائفة كبيرة، ولكن لم يكادوا يمضون في البحر حتى تطاير هذا الرقيق تطاير الجراد والمركب تجري في موج كالجبال، وكانت لا تزال بين القوم ضاربة في قاع السفينة فأمسك بها الملاح وأقعدها وأقامت معه ثماني عشرة سنة مقيدة، واستولدها ستة أولاد كان منهم راوي القصة! ويزعم أنه مات أبوه ففكوا عن أمهم قيودها رحمة بها وإبراراً لها وحنواً عليها، يقول: فخرجت كأنها الفرس السابق، وانطلقنا خلفها، فلم ندركها، وقال لها بعض من قرب منها: تمضين وتخلين أولادك وبناتك، فقالت: ما أعمل لهم وطرحت نفسها في البحر،وغاصت كأقوى حوت يكون، يا سبحان الخالق البارئ المصور"( [64] ).

وللعلم فقد جعل بعض الكتاب العرب هذه الجزيرة من بين جزر "واق واق" التي كانوا ولا يزالون يقصون عنها الأساطير الكثير، وقد قدّم "بزرخ" تعليلاً لاختصاص هذه الجزيرة بالنساء، إذ يحكي أنّ الرجل سأل المرأة التي أخذها معه عن سر تلك الجزيرة وعن سرهن في الانفراد بالجزيرة دون الرجال فقالت:

"نحن أهل بلاد واسعة ومدن عظيمة محيطة بهذه الجزيرة، ومسافة ما بين كل بلد من جميع بلادنا وبين هذه الجزيرة ثلاثة أيام بلياليها، وكل من في أقاليمنا ومدننا من الملوك والرعايا يعبدون النار التي تظهر لهم في جزيرتنا، ويسمونها بيت الشمس، لأن الشمس تشرق نم طرفها الشرقي وتغرب في جانبها الغربي فيظنون أنها تبيت في هذه الجزيرة (...) فيعبدونها ويقصدونها بصلاتهم وسجودهم من سائر الجهات. ثم إن الله سبحانه وتعالى جعل المرأة في بلادنا تلد أول بطنٍ ذكراً، وثاني بطن أنثيين، وكذلك باقي عمرها، مما أقل الرجال في بلادنا، وأكثر النسوان! فلما كثرن وأردن أن يغلبن على الرجال صنعوا لهن المراكب وحملوا منهن آلافاً، وطرحوهن في هذه الجزيرة، ويقولون للشمس: يا ربهن أنت أحق بما خلقت، وليس لنا بهن طاقة (...) وإن بلادنا في البحر الأعظم تحت سهل لا يقدر أحد أن يجيء إلينا (...) خوفاً من أن تشربه البحار.."( [ 65] ).

وقد ظلت هذه الجزيرة موضوع حكايات تنسج من بنات خيال البحريين خصوصاً، رغم البعد الجغرافي الوهمي الذي تُوسم به.

ومما تقدم يتضح أن العجائبي في التراث العربي تمظهر في الأسطوري والفلكلوري، وفي المحكيات الشعبية الشفوية، وكل ما هو سحري مقترن بالذاكرة في إطار كلية المتخيل، وكل ما له اتصال بالملل والنحل والمعتقدات المختلفة، إضافة إلى مزج اللغة المتداولة بالخطاب الصوفي وهذيان الشعر من خلال بعض الصور التي تبتدعها المخيِّلة، بما فيها تجاوُز للمألوف والآني، مستشرفة آفاق الغريب والعجيب عن طريق تلاقح مستويات مثقلة بالدلالة( [66] ).

الجمعة، 24 أبريل، 2015

نظريات في دراسة المنهج الأدبي
أ. د. السيد عبدالحليم محمد حسين


المتأمل في مناهج الدراسة الأدبية في البلاد العربية في مختلف مراحلها، يجدها لا تخرج عن إِطار واحد مكرر، هو إِطار ربط الأدب وفنونه ومدارسه بالتقسيم التاريخي السياسي للأمة العربية من لدن الجاهلية حتى يوم الناس هذا. وهي مناهج لا تربي ذوقًا ولا تنمي إِحساسًا ولا تبعث موهبة، نماذجها ابتذلها التكرار، حتى لكأنما الأدب العربي لا يعرف غيرها، أو أنه أصيب بالعقم بعدها.

ولقد عرف الأدب الحديث في البلاد العربية تطورات كثيرة، وتغذَّى بثمار متنوعة من آداب العالم وفنونه ونظرياته النقدية، وشهدت دوائر البحث الأكاديمي والمؤتمرات والندوات ودور النشر كثيرًا جدًا من الأعمال التي تناولت الأدب قديمه وحديثه، تأريخه ونقده، هذا على حين ظلت مناهج الدراسة الأدبية في المؤسسات التعليمية العربية على اختلاف مستوياتها في واد منعزل، كأنها في صمم عما يدور حولها من تلك التطورات وما فيها من إِضافات وتجديد في الأحكام والمعايير النقدية.

إِن نظرية مثل: النظرية المدرسية التقليدية لا تزال مهيمنة على مناهج الدراسة الأدبية والنقدية، على الرغم من قدمها وأخطائها الكثيرة واستحداث نظريات كثيرة بعدها. وقد غدت تلك النظرية اتجاهًا أوشك أن يكون ((مقدسًا)) لا يجرؤ أحد على كسره والخروج عنه. وبقيت كل الأصوات الصادقة التي نادت بالإِصلاح وقدَّمت البديل عنه، بعيدة، لم تجد استجابة، ولم تلق تنفيذًا لما تدعو إِليه.

ولقد شهدت المجامع اللغوية والمؤتمرات الأدبية والحلقات الدراسية والمجلات الجادة اللامعة منذ العقد الثاني من هذا القرن كثيرًا جدًا من المحاولات والأصوات التي عالجت موضوع الدراسة الأدبية واجتهدت للوصول به إِلى تصور ناضج أمثل. والتفت البحث العلمي العالي إِلى هذه المشكلة، فكان أول عمل علمي في هذا المجال هو أطروحة الدكتور شكري فيصل التي حصل بها على درجة ((الماجستير)) بإِشراف أمين الخولي سنة 1948 من جامعة القاهرة، وكانت بعنوان ((مناهج الدراسة الأدبية في الأدب العربي: عرض، ونقد، واقتراح)).

إِن الأدب - أدب أي أمة من الأمم - هو مرآة صادقة لحياتها. وعلى الرغم من نسبية هذه العبارة، فإِن تقديم الأدب وعرضه العرض الصادق الدقيق الحي من خلال المقررات الدراسية يقتضي منهجًا متكاملاً يهيئه ليكون تلك المرآة الصافية الصادقة ذاتها. وإذا لم نتجاوز الأسلوب التقليدي السائد الذي يهتم بالتقسيمات التاريخية المجردة وربط الأدب بعجلتها، دون العناية بالعناصر الحضارية في النص المدروس، ودون الاستضاءة بتيارات عصر النص وبيئته المكانية والثقافية العامة، إِذا لم نتجاوز ذلك فإِن تلك المرآة ستظل مضطربة غائمة، والحقيقة وراءها ضائعة مجهولة.

لقد كان من بين ما ارتفعت به تلك الأصوات في علاجها لهذه المشكلة أسئلة منها:
كيف نفرق مثلاً بين العصر الأموي والعباسي؟

وكيف تم تقسيم العصور العباسية على امتدادها وتداخلها؟

وهل تتماشى الخصائص الفنية مع الأحداث الزمنية؟

أيها التابع، وأيها المتبوع، وأيها المؤثر الفاعل وأيها المؤثَّر فيه؟

وهل يجوز أن نفهم أدبنا العربي بتاريخه الطويل ومدارسه وتياراته الفنية وبمختلف صوره وألوانه، من زاوية واحدة أو زاويتين، ونهمل سائر الزوايا؟

ثم ما بال الذين يتوَّلون تأليف المناهج الدراسية يضربون حول أنفسهم أسوارًا عالية فلا يتابعون الحياة المتطورة وما فيها من ثراء نقدي وبحث علمي وعطاء إِبداعي؟!

إِن جميع الدراسات الإِنسانية الأجنبية ومن بينها الأدب والنقد تتقدم بخطى واسعة، وتزداد علمية وغناء، على حين لم تزل دراسة الأدب لدينا، ولاسيما في مؤسساتنا التعليمية، مضطربة بين التعميم والسطحية والعجلة في البحث وعدم وضوح الرؤية.

وكان من بين مظاهر النهضة العربية الحديثة، محاولة خدمة الأدب وتقديمه إِلى الأجيال الجديدة من خلال فهم يخالف الفهم التقليدي الموروث للأدب ورسالته في الحياة. وقد وُجِدَت نتيجة المراجعة النقدية والتفتح الفكري على طرائق البحث المنهجي في دراسة الأدب الغربي.. وُجِدَت عدة نظريات في دراسة المنهج الأدبي وربطه بالحياة الحديثة وتقديمه ضمن المقررات الدراسية.

ويمكن حصر تلك النظريات فيما يأتي:
• النظرية المدرسية أو التقليدية.
• نظرية الفنون الأدبية.
• نظرية الخصائص الجنسية.
• نظرية الثقافات.
• نظرية المذاهب الفنية.
• النظرية الإِقليمية.

ونختار هنا من هذه النظريات ثلاثًا فقط ندرسها ونوضح في إِيجاز شديد أصولها وأبرز ملامحها ومزاياها وعيوبها.

1- النظرية المدرسية أو التقليدية:
وهي أثر من آثار المزاوجة بين لونين من ألوان التأريخ الأدبي: اللون العربي بكل خصائصه القديمة التي عَلِقَتْ بها السياسة وشغلتها حياة القصور والصراع على السلطة. واللون الذي أرخ الأدب الغربي في أوربا، والذي تجاوز حياة الحاكم وحاشيته إِلى حياة العامة والتجارب الذاتية للشعراء والصدق في التجربة والتعبير. وقد سادت هذه النظرية مؤلفات أولئك الرواد في التأليف الأدبي المدرسي مثل: حسن توفيق العدل، والمرصفي، والإِسكندري، وجرجي زيدان، وأحمد حسن الزيات، وأحمد أمين. وقد التزم هؤلاء - على تفاوت فيما بينهم - بتقسيم الأدب إِلى عصور خمسة. يقول أحدهم - وهو الزيات - في كتابه المدرسي ((تاريخ الأدب العربي)): ((التاريخ الأدبي وثيق الصلة بالتاريخ السياسي والاجتماعي لكل أمة، لذلك اصطلحوا على أن يقسموه على حسب العصور التاريخية والانقلابات الاجتماعية، واتفق أكثر كتابنا على أن يقسموا تاريخ أدبنا إِلى خمسة أعصر: عصر الجاهلية - عصر ابتداء الإِسلام - عصر الدولة الأموية - عصر الدولة العباسية والأندلسية - عصر الدول المتتابعة إِلى هذا العهد)). ونتجت عن تطبيق هذا المنهج في معظم المؤسسات التعليمية حتى الآن آثار سيئة في فهم معنى الأدب ورسالته، لارتباطه في أذهان الطلاب دائمًا بالحاكم والتيارات السياسية المصطرعة في كل عصر.

وامتد تأثير هذه المدرسة إِلى كثير من المؤلفات التي أرخت للحياة الفكرية، والحضارية بعامة، مثل سلسلة أحمد أمين: فجر الإِسلام، وضحى الإِسلام، وظهر الإِسلام، ومثل تاريخ الإِسلام السياسي للدكتور حسن إِبراهيم.. وازداد التيار اشتدادًا فامتد إِلى كثير من الدراسات الأكاديمية في الجامعات العربية.. وبات ذلك التقسيم وكأنه قانون لا يُنقَض، وبديهة لا تُناقَش.

وكان من أوائل الذين ناقشوا هذا الاتجاه وتعقبوه بكثير من الملاحظات، طه حسين في كتابه ((تجديد ذكرى أبي العلاء)) وفي مقدمة كتابه ((في الأدب الجاهلي)) الذي أثار زوبعة كبيرة على امتداد سنوات طويلة. ولم يكتف طه حسين بزلزلة أركان النظرية المدرسية، ومضى يحاول إِقامة بنيان آخر تبدو فيه العناية الأولى بالظواهر الأدبية، بغضِّ النظر عن توافقها مع الأحداث السياسية أو تنافرها معها. وقد طرح أفكاره تلك من خلال مقاييس ثلاثة هي: المقياس السياسي، والمقياس العلمي، والمقياس الأدبي.

أما الأستاذ أحمد أمين، فعلى الرغم من تقسيمه لعصور الحياة العقلية في سلسلته المذكورة على نمط التقسيم الزمني في هذه النظرية، فإِنه كان ينبِّه إِلى كثير من الملاحظات القيِّمة التي انتقد من خلالها هذه النظرية التقليدية في أسلوب هادئ ودراسة متزنة.

كذلك أسهم الأستاذ أمين الخولي في الكشف عن مساوئ النظرية المدرسية، وأثار عددًا من الملاحظات الواعية العميقة، ثم حاول هو أيضًا إِيجاد تصور جديد: ((انظر كتابه: في الأدب المصري)).

وهكذا تعرضت هذه النظرية لانتقادات هؤلاء الأعلام، وإِن كانوا قد سُبِقُوا بنوع من التشكيك الهادئ لها على يد جرجي زيدان في مقدمته لكتابه ((تاريخ آداب اللغة العربية 1911م)).

أما أهم المآخذ التي تمخضت عنها تلك الانتقادات وفطن إِليها بعض الدارسين في العقود التالية، فهي كالآتي:
1- أن هذه النظرية - كما رأينا - درست الأدب العربي على أساس قسمة العصور قسمة تاريخية لا أدبية. وعلى الرغم من شدة الارتباط بين الأدب والتاريخ، فإِن منهج هذه النظرية لا يؤدي مهمته المطلوبة مهما كانت وشائج ذلك الارتباط، كما أن مقاييسها تظل رهن المعايير التاريخية القديمة المتوارثة، التي تحتاج هي نفسها إِلى إِعادة تقنين ليمكن إِعادة كتابة تاريخ أمتنا كتابة علمية موضوعية دقيقة.

2- أنها وضعت حدودًا فاصلة بين الآداب طبقًا لحدود العصور، على حين أن العصور تتداخل والآداب تتشابك والنماذج تختلط. ثم إِنها أهملت إِلى حد كبير الأساس المكاني وتأثير البيئة في النتاج الأدبي. وقد أدى هذا الإِهمال فيما بعد إِلى بروز الاتجاه الإِقليمي في الدراسة الأدبية، وتباين الأحكام الأدبية تباينًا غريبًا هو أقرب إِلى التناقض، وأدنى إِلى التضاد.

3- أنها أهملت النوازع الفردية وخصائص الإِبداع الذاتي عند الأدباء، وذلك بسبب طغيان المقياس الزمني الأفقي. وقد جنى هذا على مئات من الأدباء الذين أغرقتهم هذه النظرية في تيار التعميم السطحي الذي لا يثبت عند التحقيق والفحص العميق وتطبيق بعض المناهج الأخرى على أولئك الأدباء.

4- توجيه كل العناية إِلى مشاهير الأدباء، وتركيز الاهتمام فقط على اللامعين عبر كل العصور، ثم إِصدار الأحكام النقدية من خلال أعمالهم. أما الأصوات الفنية الأخرى - على اختلاف ألوانها ودرجاتها - فقد تجوهلت وكأنها لم توجد على الإِطلاق، على الرغم من اتسام كثير منها بالعبقرية والخصوبة والتفرد في الإِبداع.

5- لحق هذه النظرية كثير من الجمود، واستحالت الدراسة إِلى أداة حكم وتقويم بالرقي والانحطاط والرفعة والتردي والازدهار والاضمحلال، بدلاً من أن تكون أداة وصف ورصد للحياة الأدبية بكل ألوانها وأنماطها.

وعلى كل حال، فالذي لاشك فيه أن هذه النظرية لها دور الريادة بما للريادة عادة من مآخذ التجربة والمحاولة الأولى. كما أنها مهدت تمهيدًا طيبًا لدراسة الأدب العربي، وكانت هي المنطلق والحافز من خلال نقدها وتتبع عيوبها، بحثًا عن مناهج جديدة وأساليب أشمل وأدق. ولقد تفتح الفكر الأدبي فوجد أن النظرية المدرسية هذه لم تعد تفي بحق الدراسة، فتمرد عليها، وسعى نحو نظرية أخرى بديلة.

2- نظرية الفنون الأدبية:
وجدت البذور الأولى لهذه النظرية عند جرجي زيدان في مقدمة كتابه ((تاريخ آداب اللغة العربية)). وهي نظرية ترصد تطور الفنون الأدبية منفصلة فنًا فنًا، وتبرز ظواهرها عبر العصور رقيًا وانحطاطًا، استقامة والتواء، قوة وضعفًا، كما تتبع منابع كل فن والروافد التي غذته، والقنوات التي اتصل من خلالها بغيره فترك آثاره فيه. إِنها بصورة أخرى رسم بياني دقيق لتاريخ كل فن، أو كل غرض، ورصد صادق لسيرته الذاتية وعلاقته بسائر أشقائه في الأسرة الأدبية.

إِن هذه النظرية تمكننا من الاستفادة من التسلسل الزماني والعامل الإِقليمي ومعرفة تأثيرهما في تطور أي غرض شعري أو فن أدبي، كما تجعلنا على اتصال مباشر بالنصوص المدروسة ذاتها وفحصها فحصًا حيًا فيه معاناة ومعايشة. إِنها نظرية تنتهج الاستقراء منهجًا لتجلية المغمورين الموهوبين من الأدباء، وتناولهم بالقدر الذي يُتناول به الأعلام اللامعون في مختلف الأعصر والبيئات.

وهذه الطريقة تفيد أكبر فائدة في الموازنة بين النماذج الأدبية من حيث الشخصية والأسلوب، وترهف الحس النقدي عند الدارس لإِدراك دقائق الظاهرة الفنية وتحديد الخصائص المشتركة بين الأطراف المقارن بينهم.

وأسلوب هذه النظرية يُعود على التريث والتدقيق والتقصي ويعمل على تبرئة الأحكام الأدبية - قدر الإِمكان - من السذاجة والسطحية والتعميم. إِنها ترفض الأحكام العامة الفضفاضة التي تستغرق عصرًا بأسره، بجميع كتابه وشعرائه وخطبائه وتتجه نحو التناول الفردي، بل تتخصص في تناولها فتقصره على غرض واحد فقط، أو فن مستقل بذاته من فنون الأديب.

وإِذا كانت بعض النظريات تقيم من نفسها قاضيًا يتكلف إِصدار الأحكام، أو وصيًا يصدر الإِرشادات ويحدُّ الحدود، فإِن نظرية الفنون الأدبية لا تسعى إِلى ذلك ولا تؤمن به؛ وإِنما تتمخض أحكامها النقدية بعد طول فحص وتحليل، ووصف عفوي دقيق. وهي أيضًا لا ترتبط بالتاريخ السياسي ذلك الارتباط السلبي الدائم، بل تعتبره عنصرًا من بين عناصر كثيرة متعددة، تتداخل وتتفاعل لتكيف أدب كل أديب وتطبعه بطابعه المميز الخاص.

وأخيرًا فهذه النظرية ذات أثر طيب في نفوس المتلقين من دارسين وقراء عاديين على السواء. فهي باستعراضها لحياة أي فن أدبي أو غرض فني بصورة متسلسلة دقيقة، تجلو جوانب الكمال وملامح الجمال، كما ترصد نقاط الضعف والنقص. ثم هي فوق ذلك تكشف عن صلة ذلك الفن أو ذلك الغرض بسائر الفنون والأغراض في اللغة الأم وفي الآداب العالمية المعروفة.

ولكن.. شأن كل شيء في الحياة لا يمكنه بلوغ درجة الكمال المبرَّأ عن المآخذ، نجد أن هناك بعض الملاحظات على هذه النظرية، وذلك بمقارنتها بالنظريات الأخرى في هذا المجال، وأبرز تلك المآخذ:

1- تجزئة النتاج الأدبي عند دراسته. ذلك أنها تدرس نتاج الأديب موزَّعًا بين الفنون، أو الأغراض المختلفة. فالمتنبي مثلاً يُدرس مرة في شعر المديح، ومرة في شعر الوصف، وحينًا في فن الهجاء، وحينًا آخر في فن الفخر. ومن هنا تتفتت شخصية الشاعر ويتجزأ نتاجه. وهذا لاشك يفقدنا التصور الكامل لجوانب الإِبداع وألوانه المختلفة عند الشاعر الواحد، ويضيع علينا الإِلمام الشامل بخصائص شاعريته.

2- تهمل هذه النظرية صاحب النص المدروس وتتجاهل سيرته الذاتية ومدى انعكاسها في أدبه، فلا تلتفت إِليه إِلا لمامًا وبقدر ضئيل. والحق أن هذا الإِهمال هو إِسقاط لرصيد ضخم عظيم الأهمية في الدراسة الأدبية.

3- هناك صعوبة كبرى تواجه هذه النظرية وتحول دون قيامها منهجًا متكاملاً للدراسة الأدبية الوافية. ومنشأ هذه الصعوبة عائد إِلى واقع الأدب العربي، وإِلى طبيعة الشعر فيه بصورة أخص. فالقصيدة العربية ظلت حتى العصر الحديث لا تعرف وحدة الموضوع وإِنما تعرف وحدة البيت؛ حتى لقد عُد من العيوب الفنية في الصناعة الشعرية أن يتصل البيت بالبيت الذي يليه اتصالاً نحويًا وثيقًا يقوم على ترابط المعنى. وقد مكن هذا من تنوع الموضوع داخل القصيدة الواحدة، بأن يكون لها غرض أساسي تنشأ من أجله، وأغراض جانبية مساعدة تلتفُّ من حوله.

وينتهي بنا مثل هذا التنوع في أغراض القصيدة إِلى تجزئتها - عند تطبيق نظرية الفنون الأدبية - طبقًا لأغراضها، ولاشك أن هذا يبدد خصائص العمل الأدبي، ويمزق وحدته، ويطمس كثيرًا من معالمه ويحطم الإِطار العام له. ليس هذا في الشعر فقط، بل إِن كثيرًا من النصوص النثرية ذات الموضوعات المتعددة، أو ذات الغرض الأساسي والأغراض الجانبية الفرعية، هي أيضًا من العوائق الكبرى التي تحول دون تطبيق نظرية الفنون واستغلال جوانبها الإِيجابية الكثيرة.

تلك هي وجوه النقد ونواحي الصعوبة والنقص التي تتعرض لها نظرية الفنون. ومع ذلك، فقد وُجد لها في البيئة الجامعية بوجه خاص، من يأخذ بها ويعمل على هديها. فقامت دراسة ((شعر الطبيعة في الأدب العربي)) للدكتور سيد نوفل، ودراسة ((شعر الحرب في أدب العرب)) للدكتور زكي المحاسني، ودراسة ((الهجاء والهجاءون)) للدكتور أحمد حسين. ثم تتالت دراسات الدكتور شوقي ضيف وغيره من أساتذة الجامعات العربية، فصدرت دراسات مستقلة عن: الفخر والحماسة والمديح والرثاء والغزل والهجاء والوصف... ثم دراسات عن الخطابة وفنون النثر: كالرسائل والمقامات، وأدب الرحلات، وعن الموشحات والأزجال والدوبيت، وعن الملحمة والقصة وجذورهما في الأدب العربي القديم. وهي في جملتها جهود مشكورة، كل منها يفيد من الآخر، ويحاول أن يتم نقصه المنهجي ويتلافى ما وقع فيه من مآخذ وعيوب فنية.

وفي النهاية يهمنا أن نعرف الفرق بين النظريتين: المدرسية، والفنون الأدبية، وهو أن الأولى: تقوم على التركيب الذي يفتقد التحليل، وأن الثانية: تُعنى بالتحليل الذي يتعذر معه التركيب. وبناء على هذه الحقيقة، تطلع الفكر الناقد إِلى مناهج أخرى، تجمع بين مزايا هاتين النظريتين وتتجنب عيوبهما.

3- نظرية المذاهب الفنية:
عرفت هذه النظرية سبيلها إِلى الأدب العربي في مرات متعاقبة. واتخذت أشكالاً أقرب إِلى الغموض مرة، وأقرب إِلى الوضوح مرة أخرى، واستمسك بها جماعة من مؤرخي الأدب ونقاده في القديم، ثم التزم بها جماعة آخرون في العصر الحديث. ولقد حاول القدماء تلمُّس المدارس الأدبية عن طريق رصد خطى الشعراء وتتبُّع أساليبهم الفنية من خلال المعارك النقدية وقسمة الشعراء إِلى طبقات.

وكان أول من تطرق لقضية المذاهب الفنية من المحدثين الشيخ حسن المرصفي في كتابه ((الوسيلة الأدبية)). ففي هذا الكتاب الرائد كثير من النظرات الصادقة والآراء النافذة التي رمت إِلى إِقامة دراسة جديدة على أساس من مذاهب الشعراء والأدباء ومن طرائقهم الفنية. ثم جاءت خطوة الخالدي في كتابه ((فيكتور هوجو وعلم الأدب عند الفرنج والعرب)) 1904م، حيث قسم الشعراء العرب إِلى أربع طبقات، وهي قسمة متأثرة بالمذاهب الفنية أكثر من تأثرها بأي نظرية أخرى.

وتطورت الحياة العلمية، وبدأ التفاعل بين الثقافة الغربية التقليدية، والثقافة المستقاة من الأمم الغربية؛ فاتخذت نظرية المذاهب الفنية شكلها التطبيقي الواضح في عملين اثنين:

أولاهما: دراسة مبكرة لطه حسين عن مدرسة زهير بن أبي سُلمى في الأدب.

وثانيهما: دراستان لشوقي ضيف:
الأولى: بعنوان ((الفن ومذاهبه في الشعر العربي)) وهي أطروحته للدكتوراه.
والثانية: بعنوان ((الفن ومذاهبه في النثر العربي)).

ومع نمو البحث العلمي في مختلف الجامعات العربية، وشيوع الوعي الثقافي الحديث، واتصال كثير من الأدباء والباحثين بمنابع المعرفة في البلاد الغربية مباشرة، نما الاهتمام بنظرية المذاهب الفنية وتوالت الدراسات الأكاديمية والعامة، وصدرت عشرات من الكتب ومئات من الأبحاث في المجلات المتخصصة.

ونقف عند خصائص هذه النظرية، فنجدها تتمثل فيما يأتي:
1- الوحدة الفنية: وهي تتبع الخصائص الفنية عند جماعة من الأدباء، أو من الشعراء ذوي الاتجاه المتقارب والمسالك المتوازية، وتجميع السمات التي تجمع بينهم بغض النظر عن عوامل الزمان أو المكان التي توحد أو تفصل بينهم.

2- التركيز والتدقيق واستفراغ الجهد والغوص في دراسة وجوه الاختلاف والاتفاق بين الأدباء، ورصد سمات الأسلوب وعناصره كلها. وهو موقف يتجنب السطحية والتسرع والتعميم، ويمضي في جدية وتنظيم، كما يحتاج إِلى رصيد ثقافي واسع، وتجربة طويلة خصبة.

3- الإِفادة من جهود النظريات الأخرى التي تهتم بدراسة الآثار الأدبية المختلفة. فهذه النظرية لا تهمل سائر النظريات الأخرى، بل هي غاية لها وذروة تنتهي إِليها خلاصة أساليبها واجتهاداتها.

4- الجمع بين جمالية الأدب ومنهجية النقد. فهي نظرية تقوم على الإِدراك أولاً ثم على التمييز ثانيًا، ثم على اكتشاف الحدود ثالثًا، على ما في هذا من عسر تحققه عند الدارس الواحد. إِنها - بإِيجاز شديد - نظرية تجمع بين كل مواهب المؤرخ الأدبي، وكل مواهب الناقد الأدبي، ليكون الناتج باحثًا متكامل الأدوات.

5- الجمع بين الأدب والعلم. ومعناه الحرص على تزاوج الذوق والعقل، وامتزاج رواء الأدب ورونقه بموضوعية العلم ودقته. وهي لذلك أقرب النظريات إِلى روح الدراسة الأدبية التي توائم بين العلم والأدب، ولا تدع أحدهما يطغى على الآخر.

6- تصحيح التراث الأدبي: وهي مرحلة تحقيق النصوص وتصحيح نسبتها واستبعاد زائفها، وتقع في طريق الباحث موقع قدمه الأول. وهذه النظرية هي أقدر من غيرها على الإِحاطة بمذهب الشاعر الفني والمدرسة الفنية التي يتبعها وتمحيص الأصيل من المنتحل من شعره.

7- الوحدة والانسجام: فالنظرية الفنية تقوم على الوحدة والانسجام في أدق معانيهما وأكمل صورهما. إِنها تجمع خيوط الصلات العميقة بين كل شاعر وآخر، وبين كل كاتب وآخر، كما أنها تضبط ما بين نفوس الأدباء من تجاوب، وبين آفاقهم من تماثل، وما بين أساليبهم من وحدة.

وبعد، فما موقف النقاد من هذه النظرية التي استجمعت كل هذه الخصال؟
إِنها في الحق لا تواجه كبير اعتراض. والسبب في هذا أنها تحقق للدراسة الأدبية الفائدة واللذة، وتقيمها على دعامتي العقل والذوق معًا، وتبلغها الغاية في نهج ميسر سليم.

لسنا هنا بصدد تبيان ما للنظرية وما عليها، فليس هنا سيئات تنقص جوانب النظرية الفنية، ولكن هنا محاذير يُخشى أن تؤدي بالدراسة الأدبية إِلى العقم والفشل الذريع.

وأول تلك المحاذير: ما نخشاه عليها من الاقتصار على الاهتمام بالأسماء اللامعة والقمم الشامخة في سماء الأدب العربي، وإِهمال التتبع الدقيق للروح الفنية عند الشعراء المغمورين. فمن يدري فقد يكون أحد هؤلاء مفتاحًا لمذهب أدبي، أو عنوانًا لاتجاه فني. بل من المؤكَّد أن إِصدار الأحكام النقدية من خلال نتاج اللامعين وحدهم وتجاهل سواهم، أمر يقود إِلى نتائج فيها كثير من القصور والمثالب.

وثاني هذه المحاذير: أن تسلم هذه النظرية بكل ما وقر في أذهان الأجيال من أحكام شائعة في حق الشعراء والكتاب وسواهم من الأدباء من لدن الجاهلية حتى العصر الحديث. فإِن قبول تلك الأحكام الجاهزة يؤدي حتمًا إِلى الزلل والحيف عن سنن الحق. لذلك لابد من التخلص التام منها والاتجاه نحو استقراء جديد شامل ودقيق، لاستخراج أحكام مستقلة كل الاستقلال، يمكن من ثَمَّ مقارنتها بالأحكام المتوارثة والشائعة، ثم الانتهاء إِلى القول الفصل.

أما المحظور الثالث فهو: الخشية أن تنقلب الوسيلة عند هذه المدرسة هدفًا والهدف وسيلة، بحيث تصنف المدارس الأدبية أولاً ثم يقاس عليها الأدباء ثانيًا. إِننا إِذا فعلنا ذلك، نكون قد قلبنا المسألة رأسًا على عقب. فإِن الإِطار لا يوضع قبل الصورة، والمذاهب لا تُقَرر قبل استقراء الظاهرة الأدبية نفسها. ونظرًا لأن نظرية الفنون تغري بطبيعتها على الانزلاق والتبادل الخطر بين الغاية والوسيلة، نتيجة ما رسب في أعماق دارسي الأدب من آراء ونظرات جاهزة شائعة.. إِذن لابد من الحذر الشديد عند التطبيق.. أي لابد من الابتداء بالقاعدة القائمة على الاستقراء، والانتهاء بالقمة لنخرج بالاستنباط النهائي الدقيق.

إِن هذه النظرية إذا استطاعت تَجنُّب تلك المحاذير الثلاثة المذكورة وَتَزوَّدَ مُطبِّقُوها بأدوات المؤرخ والناقد الأدبيين كليهما وبشروط البحث وبأخلاقه، فلاشك أن المستقبل الباسم من نصيبها، وأن البعث الحقيقي للدراسة الأدبية المنهجية الجادة سيكون متكاملاً على يديها.

إِن النظريات والاتجاهات المختلفة التي تعاقبت على الأدب العربي، لم تف بحاجة هذا الأدب، ولم تفلح في درسه وتأريخه. فقد كانت هذه النظريات جميعًا المفترضة منها والمطبقة، المعرف بها هنا والتي لم نعرف بها، كانت سواءً في التنبيه إِلى جانب من جوانب الدراسة والقصور عما عداه، والنظر إِلى الأدب من زاوية وإِهمال الزوايا الأخرى.

وإِذن: فماذا نستطيع أن نتخذ من أسباب للوصول إِلى نظرية تشمل الأدب العربي من أطرافه كلها، بما لهذا الأدب من امتداد زمني، ومن سعة مكانية، ومن واقع لغوي خاص وحياة متميزة؟

إِن الهدف الأساسي من الدراسة الأدبية هو فهم الحياة الفنية التي غمرت العالم الإِسلامي عبر تاريخه الطويل، وضبط مراحل هذه الحياة، وإِدراك هذا التنوع الأدبي الواسع ورده إِلى وحدات مشتركة الخصائص متسقة الألوان. ويمكن أن تتم هذه الإِحاطة بالتراث الأدبي على نحوين مختلفين: أولهما: نفاذ إِلى الفروق، أدق الفروق في هذا التراث وبحثها بحثًا عميقًا بذكاء وصبر، وثانيهما: استخلاص الوحدات التي تجمع بين أجزاء التراث، ممثلة في النزعات والتيارات والمدارس الأدبية الفنية. وهذان النحوان أو العنصران متصلان ومتكاملان، يؤلفان قطبي الدراسة الأدبية ويحققان صورتها المثلى.

وبناء على ذلك، فإِن المنهج الجديد الذي نتطلع إِليه هو منهج تكاملي. هو تنظيم التعاون بين مناحي الدراسات السابقة التي عالجت طبيعة كل النظريات المعروفة، والعمل على توجيهها لتلتقي في النهاية كاشفة عن المدارس الأدبية التقاء البناء الهرمي عند ذروته.

ويمكن حصر أصول هذا المنهج الجديد كما تصوره د. شكري فيصل في النقاط الآتية:
1- التعاون بين الدراسات الأصلية والدراسات المساعدة: فإِن دراسة الأديب نفسه، والتعرف على حياته، ودراسة شعره وتحليله، والتمرس بأسلوبه، والوقوف منه الموقف الشارح المميز الناقد في آن واحد، هو ما نسميه بالدراسات الأصلية. هذه الدراسات لابد لها من الاستفادة والتعاون مع دراسات النظريات الإِقليمية والثقافية والجنسية والفنية، باعتبارها دراسات مساعدة، لها كثير من الجوانب الإِيجابية التي يمكن استغلالها.

2- إِفراد القضية الأدبية وتمييزها: إِن جوهر الدراسة الأدبية هو الظاهرة الأدبية ذاتها، وهي الغاية الأساسية والأصل. ولقد كان من عيب النظريات السابقة أنها اعتبرت القضية تبعًا أو وسيلة، وركزت عنايتها على أمور ثانوية جانبية؛ فأدى هذا إِلى الاضطراب والانتهاء إِلى نتائج قاصرة. أما المنهج الجديد فيحفظ للقضية الأدبية طابعها الخاص واستقلالها المتميز، ثم يجعل سائر الدراسات المساعدة أدوات معينة لها ومكملة.

3- النظرة الواسعة المرنة: وهي ألا نجاوز المهمة الأساسية للدراسات الجانبية المساعدة عن الحياة السياسية وعن أثر البيئة وتفاعل الثقافات، وألا نعلو بها فوق قدرها، فنسلم بنتائجها التقريرية؛ وإِنما الصحيح أن نفيد منها في حدود معينة وبكل حيطة وهدوء، وبعد فحص ومراجعة.

4- تحقيق الوحدة الفنية الكلية: وهي تتم بصورة منتظمة متدرجة: نبدأ بالشاعر الواحد لننتهي إِلى المجموعة من الشعراء، وبالكاتب لنصل إِلى الطائفة من الكتاب، دون تقيد بمكان أو عصر أو إِقليم. فإِذا انتهينا إِلى المدارس الأدبية كان من الممكن ملاحظة توزعها بين الأقاليم أو العصور أو الثقافات. إِذن فالمنهج الجديد يقوم على الانتقال من الفردي إِلى العام، ومن الجزئي إِلى الكلي، بطريقة متزنة عميقة هادئة نافذة.

5- توسيع مفهوم الأدب: فلابد من توسيع دائرته من المعنى الخاص إِلى المعنى العام وربطه بميادين الفكر في الدراسات الإِنسانية المتنوعة من تاريخ وتصوف وفلسفة. إِننا إِذا صنعنا ذلك، سنجد أن مقدمة ابن خلدون مثلاً كانت مثالاً أدبيًا رائعًا، يستحق التمهل في التقويم والعمق في الدراسة، فيتغير كثير من آرائنا الجاهزة الشائعة وسنكتشف في تراثنا الفلسفي والصوفي كثيرًا جدًا من النماذج الراقية المجهولة كذلك. وما من شك في أن أمثال هذه الدراسات الجديدة ستشيع الخصب والنماء في عملنا الأدبي، وستحدث انقلابًا كبيرًا في أحكامنا الأدبية، وستغير من نظرتنا إِلى كثير من العصور والفترات. إِن هذه الميزة في المنهج الجديد ترفع الحواجز بين دائرة الأدب بمعناه الضيق، وسائر فنون المعرفة الإِنسانية، وتعمل على إِغناء الأدب بثمار الفكر بمختلف ألوانه من جهة، وعلى إِكساب الإِبداع الفكري في كل العلوم الإِنسانية نكهة الأدب ورواء أسلوبه وأناقة مظهره من جهة أخرى.

ولقد ازداد تشبع الأجواء الثقافية والأكاديمية العربية خلال السنوات الأخيرة بمختلف ألوان المعارف الأجنبية. فازدانت المكتبة العربية بأعداد من الأعمال المترجمة والمؤلفة في مجالات: نظرية الأدب، والمناهج الأدبية، والأدب المقارن، والنقد الأدبي. وظهرت مناهج جديدة في دراسة النص الأدبي من مثل: الألسنية، والأسلوبية، والبنيوية، أو الهيكلية، أو السيميائية[1] وغيرها. كما صدرت كتب تحمل عناوين مثل: ((مشكلة البنية)) لزكريا إِبراهيم، ((والأسلوب والأسلوبية)) للدكتور عبدالسلام المسدي، و((الألسنية والنقد الأدبي)) لموريس أبو ناضر، و((في تاريخ الأدب: مفاهيم ومناهج)) لحسين الواد، و((في معرفة النص)) ليمنى العيد، وغير ذلك كثير جدًا.

ولاشك أن هذه الإِسهامات الجديدة تتفاوت فيما بينها جدة، وابتكارًا، واتصالاً بالتراث والمعاصرة، وتطرفًا واعتدلاً. وهي اتجاهات ذات مزايا إِيجابية، وذات مزالق قد تجنح بالدراسة إِلى التطرف المسرف، خصوصًا إِذا تناست طبيعة الأدب العربي وعالجته من خلال المعايير الأجنبية المحضة.

إِن مناهج دراستنا الأدبية الراهنة، خصوصًا ما يتصل منها بالمناهج التعليمية، هي في حاجة ماسة إِلى إِصلاح جذري جاد. إِنها لا تزال أسيرة المدرسة التقليدية - في الغالب - بكل ما لها من عيوب كما قدَّمنا، ولقد آن الأوان أن نستبدل بها منهجًا جديدًا على ضوء الحقائق التي انتهينا إِليها من خلال هذا العرض الموجز. إِننا نتطلع إِلى منهج يناسب الوعي الثقافي المعاصر وما وصلت إِليه الأذواق والأفهام الأدبية الحديثة.. منهج متكامل يجمع بين الأصالة والمعاصرة ويتميز بشخصيته المستقلة ومعاييره الخاصة.

[1] السيميائية: هي تطوير للبنيوية وتنويع لها. وهي تستمد أدواتها من علم اللغة، وتعتبر علمًا استقرائيًا يوضح العلاقة بين مبادئ تنظيم اللغة، أي الثقافة المادية (تنظيم المكان)، والقيم العقلية والأخلاقية (وتعني علاقة الزمن بعلم الأخلاق)، وتهدف السيميائية اللغوية إِلى دراسة اللغات الطبيعية وأساليبها.


رابط الموضوع: http://www.alukah.net/literature_language/0/37510/#ixzz3YFIf7CGZ

الثلاثاء، 21 أبريل، 2015

الحكاية المثلية «نوعاً أدبياً»
الرسالة والقضايا
عبد الواحد التهامي العلمي
عندما يريد الباحث في الأدب العربي القديم أن يقف على الأجناس الأدبية بشكل عام وأجناس السرد بشكل خاص، فإن ما يصطلح عليه بالحكاية المثلية يشكل أحد أهم الأجناس الأدبية السردية التي أسهمت في صياغة الأدب العربي القديم على نحو ما أسهمت في التعبير عن الرؤى الإيديولوجية التي عبر عنها مجموعة من كتّاب هذا الجنس، كما جسدت التواصل الحضاري الذي خاضت فيه الثقافة العربية مع ثقافات الشعوب المجاورة. ومن نصوص الحكاية المثلية: «النمر والثعلب» لسهل بن هارون، و«الأسد والغواص» المجهولة المؤلف، و«كليلة ودمنة» لعبد الله بن المقفع.
1- الحكاية المثلية «جنساً أدبياً قديماً» 
الحكاية المثلية مجموعة من القصص أو الحكايات ترتكز على أحداث متتابعة يكون أبطالها من الحيوانات التي تتحاور فيما بينها، وغالباً ما يكون هذا الحوار موجهاً لنقد سلوك الناس وطبائعهم وأخلاقهم أو معالجة قضايا اجتماعية وسياسية كثيرة عن طريق التلميح والترميز. وهي فن من فنون النثر العربي القديم المعروفة في التراث القصصي، «إذ لم يخل منه عصر، فضلاً عن كونه «فنًّاً كونياً عرفته كل الثقافات عبر التاريخ» (1)، واختلفت في تسميته حيث عُرِّف هذا الجنس بتسميات متعددة كـ «المثل» أو «الأمثولة» أو «الحكاية المثلية» أو «الخرافة» أو «الحكاية» أو «القصة على لسان الحيوان»، أو «رواية الحيوان».
لقد اختلف الدارسون حول نشأة هذا الفن؛ فبعضهم يرى أن أصوله يونانية، وبعضهم الآخر يكاد يجزم أن الهند كان لها السبق في ظهور هذا النوع من الحكايات، بينما يرى آخرون أن هذا الفن كان له ارتباط وثيق بالحكاية أو القص الشعبي والأسطورة، مما حقق له الشيوع والانتشار في كثير من الأمم.
إن أي فهم حقيقي لهذا الجنس الأدبي ينبغي أن بضع في اعتباره أنه جنس أدبي كلاسي يجري عليه ما يجري على الأجناس الأدبية التي أنتجت في العصر الكلاسي عربياً أو غربياً؛ أي أن الحكاية المثلية شأنها شأن الخطبة والخبر والنادرة والمقامة والقصيدة... إنما صيغت لتستجيب لحاجات جمالية وأخلاقية متداخلة. فالتصور الكلاسي للأدب لا يفصل بين الفن والأخلاق ويقوم الإنتاج الأدبي بتواشج أدبيته بنجاعته في مجال الأخلاق والسلوك والاعتقاد. وهذا يعني أن المدخل الصحيح لقراءة الحكاية المثلية ينبغي أن يقوم على مراعاة هذا الوضع الأدبي المخصوص. فالوظيفة الحجاجية أو التداولية تكيف الوظيفة الأدبية، كما أن الوظيفة الأدبية تتخلل الوظيفة الحجاجية والتداولية. وهذا يعني أننا لا نستطيع استخلاص المكونات التي صنعت أدبية هذا النوع دون مراعاة التباسها بالوظيفة الحجاجية التي منحتها صيغتها التي تشكلت بها داخل النص المعطى. إننا لا نستطيع أن نفصل مكونات البنية السردية على سبيل المثال عن المقصدية التداولية العامة التي تتحكم في بنية النوع؛ فالزمن، والمكان، والشخصيات، والتضمين، عناصر سردية وضعت على نحو يخدم المقصدية الأخلاقية والتعليمية التي تنهض عليها نصوص الحكاية المثلية في كليلة ودمنة على سبيل المثال. كما أن مقاصد الحكاية المثلية ليست عقلية خالصة، بل تداخلت مع المكون الجمالي بحيث يمكن القول إن استدعاء السرد والرمز والتمثيل والهزل والغرابة كان لأجل إضفاء الطابع الأدبي على التواصل الذي تراهن عليه نصوص هذا النوع.
ولإبراز هذا التداخل نشير على سبيل المثال إلى حكاية «القرد والغيلم» التي تقوم على حبكة سردية مثلما تقوم على رسالة عملية؛ فهذه الحكاية تحكي قصة قرد هرم كان ملك القردة، لكن قرداً شاباً قوياً تغلب عليه ونزع منه الملك. وبعد هروبه إلى الساحل صعد شجرة تين وجعلها مكاناً لإقامته ثم شرع يأكل ويرمي بعض التين في الماء، وكان الغيلم يلتقط الذي يسقط من أعلى الشجرة. هكذا نشأت صداقة متينة بين القرد والغيلم أنسته زوجته. ولما طال غيابه فكرت زوجته السلحفاة بمساعدة جارتها في حيلة للقضاء على القرد بعد أن تظاهرت بالمرض، وادعت الجارة لزوجها أن علاجها الوحيد هو قلب القرد بناء على وصفة الأطباء. وكاد الغيلم أن يغدر بصديقه لولا فطنة القرد عندما علم بنوايا الغيلم فخاطبه قائلاً: «وما منعك أصلحك الله، أن تعلمني عند منزلي حتى كنت أحمل قلبي معي؟ فإن هذه سنة فينا معاشر القردة إذا خرج أحدنا لزيارة صديق له خلَّف قلبه عند أهله أو في موضعه لننظر إذا نظرنا إلى حُرَمِ المَزُر وليس قلوبنا معنا. قال الغيلم: وأين قلبك الآن؟ قال خلفته في الشجرة. فإن شئت فارجع بي إلى الشجرة حتى آتيك به»(2). وهكذا يتبين أن هذه الحكاية تحمل رسالة إلى المتلقي، وتعالج عدة قضايا إنسانية وأخلاقية: كالوفاء، والمكر، والكيد، والغباء، والفطنة، والصراع بين الخير والشر، وبين الوفاء والغدر؛ كما يظهر ذلك جلياً في حديث الغيلم مع نفسه: «كيف أغدر بخليلي لكلمة قالتها امرأة من الجاهلات؟ وما أدري لعل جارتي قد خدعتني وكذبت بما روت من الأطباء. فإن الذهب يجرب بالنار، والرجال بالأخذ والعطاء، والدواب بالحمل والجري. ولا يقدر أحد أن يجرب مكر النساء ولا يقدر على كيدهن وكثرة حيلهن»(3).
2 -الحكاية المثلية جنس مركب:
في حقيقة الأمر يمكن القول إن الحكاية المثلية هي خطاب مركب من صيغتين؛ صيغة السرد وصيغة القول، أي أنها تتكون في بنيتها الخِطابية من حكايات يرويها راوٍ أو رواة، وتجري في زمان ومكان، ويقوم بأفعالها شخصيات، وتتوالى أحداثها أو تتتابع، كما أنها تخضع للتحول. غير أن السرد ليس الصيغة الوحيدة التي تشكلت بها نصوص الحكاية المثلية؛ فقد صيغت الحكاية المثلية أقوالاً حجاجية، وهذا هو الذي كان يعنيه عبد الفتاح كيليطو عندما رأى أن المثل يتكون من عنصرين هما: السرد أي الحكاية التي تجري أحداثها بين الحيوانات والحكمة التي تشكل الغاية من الحكاية المثلية، والحكمة بدورها ما هي إلا وسيلة تؤدي إلى غاية هي: العمل(4). وبتعبير آخر، تنطوي الحكاية المثلية في نصوص كليلة ودمنة على سبيل المثال على وظيفة تخييلية سردية تتمثل في إقناع القارئ بحكايات رمزية ووصف وتشويق وحوارات، كما تنطوي على وظيفة تداولية تتمثل في توجه النص ضمناً أو صراحة إلى المتلقي يدعوه إلى العمل بالتوجيهات التي يسعى إلى ترسيخها في السلوك الفردي والاجتماعي(5).
يقول أحد الباحثين إن الحكاية المثلية ملتقى أنماط كتابة عديدة؛ فهي من جهة نص سردي يعتمد الوصف والإخبار، وهي من جهة أخرى نص حجاجي ذو مقاصد أخلاقية واجتماعية وسياسية وفكرية تحتاج إلى أساليب الوعظ(6). وينتهي الباحث إلى إبراز أهم مكون في الحكاية المثلية هو الترابط بين «أدب الفكرة (الحجاج) وأدب السرد (القص)؛ ذلك أن الحكاية المثلية تقنعنا وتمتعنا؛ تقنعنا لأنها حلقة من السلسلة الحجاجية، أي دعامة من دعائم كامل الاستدلال، وتمتعنا بما تتضمنه من الإثارة رغم اختزالها وما تفتحه للقص من أفق ومشاريع وبما تشف عنه من دلالة فكرية وثقافية»(7).

لقد اختلف الدارسون حول نشأة هذا الفن؛ فبعضهم يرى أن أصوله يونانية، وبعضهم الآخر يكاد يجزم أن الهند كان لها السبق في ظهور هذا النوع من الحكايات، بينما يرى آخرون أن هذا الفن كان له ارتباط وثيق بالحكاية أو القص الشعبي والأسطورة، مما حقق له الشيوع والانتشار في كثير من الأمم

ويبدو أن الباحث كان محقاً عندما نعت الحكاية المثلية أو صنفها في إطار ما أسماه بالأدب الحجاجي(8)؛ فالحكاية المثلية في ذاتها تعد حجة كما بيَّن سيمور شتمان قائلاً: «فحينما نجد حجاجاً... فهو في الأغلب صنيع الأمثال السائرة... ولنتذكر الأمثال والحكايات الخرافية كما بينت لنا سوزان سليمان في كتاب رائع حول رواية الأطروحة»(9). والحكاية المثلية حجة لأنها ترتبط بسياق تواصلي يتوخى فيه السارد إقناع المتلقي بالأطروحة التي يرغب في توصيلها له.
3 - بلاغة الحكاية المثلية:
تفضي القراءات الحديثة التي قامت بفحص نماذج من الحكاية المثلية قي التراث العربي (كليلة ودمنة) على سبيل المثال إلى النظر إلى هذا النص باعتبار بلاغته المخصوصة المتمثلة كما قلنا سابقاً في الجمع بين البعد التعليمي الأخلاقي والبعد الأدبي التمثيلي. فهذا النموذج من التعبير الأدبي يجمع بين خصائص الخطاب الحجاجي وخصائص الخطاب الأدبي؛ ذلك أنه لا يوجد أي تعارض بين الغرض الحكمي المعلن داخل النص وبين تعدد الدلالات والتأويلات المحتملة التي يمكن أن تنبثق عن تنظيمه الجمالي. يقول سامي سويدان إن كتاب كليلة ودمنة على الرغم من وظيفتيه الإمتاعية والتعليمية فهو لا يخلو من بعد رمزي «فمزية الرمز افتراضه التأويل، والتأويل في أساسه متعدد في وسائله كما في نتائجه. وإذا كان تكرار إعلان الحكمة المرجو بلوغها من الحكاية - المثل في البدء (الطلب) وفي النهاية (الجواب) محاولة لحصر هذا التأويل أو تلك وجهة النظر، فإنه مع ذلك لا يلغي تعددهما. بل قد يكون النص نفسه، بقدر ما يقع الإعلان المذكور في المستوى الظاهر منه، ناهيك بالقراءات المتعددة التي يتيحها بناؤه ونظمه، حاضاً على تجاوزه ودافعاً إلى استكناه دلالاته المتنوعة(10). ويختلف مع هذا الرأي عبد الوهاب الرقيق الذي يرى أن الحكاية المثلية نوع سردي حجاجي ينطوي على معنى وحيد هو المعنى المعلن الذي يترك للقارئ مجالاً للتأويل(11). ومثل هذا الرأي يركز على البعد العملي في الحكاية المثلية أي أنها نص تعليمي في المقام الأول تسعى إلى توضيح الفكرة أو توجيه السلوك. الحكاية المثلية وفق هذا الرأي قرينة الخطابة والنصوص الدينية والسياسية. غير أن النظر إلى ما تتوفر عليه الحكاية المثلية من وجوه ومقومات جمالية يؤكد أن القراءة المنايبة لطبيعة هذا النوع الأدبي ينبغي أن تتجاوز معنى الظاهر إلى معانٍ باطنية يقوم المتلقي باستخراجها واكتشافها، لكن ذلك لا ينبغي ألا يفيد أننا بإزاء نص رمزي مركب؛ فالرمزية التي اعتمدها النص هي: «رمزية بسيطة أولية تتفق مع المستوى العقلاني للحكم والأفكار التي تعبر عنها، بقدر ما تتفق مع التصور الكامن وراء هذا النمط من التعبير لأدائها. فالرؤية العقلانية التي تكمن وراء العمل تتوسل شكلاً بسيطاً لتبليغ البعيد والعميق من طروحاتها، وهو أمر يتلاءم مع الهم الإصلاحي الذي يتوخى الفعالية الأقوى في الإفهام والاتساع الأقصى في دائرة الاتصال»(12).
ومجمل القول في بلاغة الحكاية المثلية أنها قامت على جملة من المقومات والسمات التي تضفى على النص الأدبي. وسنقف فيما يأتي على أبرز مقومات أدبية الحكاية المثلية:
أ- التمثيل والترميز:
يقول ابن المقفع: «فأول ما ينبغي لمن قرأ هذا الكتاب أن يعرف الوجوه التي وضعت له والرموز التي رُمزت فيه وإلى أي غاية جرى مؤلفه فيه عندما نسبه إلى البهائم وأضافه إلى غير مُفصح وغير ذلك من الأوضاع التي جعلها أمثالاً، فإن قارئه متى لم يفعل ذلك لم يدر ما أريد بتلك المعاني ولا أي ثمرة يجتني منها ولا أي نتيجة تحصل له من مقدمات ما تضمنه هذا الكتاب. وإنه إن كانت غايته منه استتمام قراءته والبلوغ إلى آخره دون تفهم ما يَقرأ منه لم يعد عليه شيء يرجع إليه نفعه»(13).
تقوم الحكاية المثلية على تجسيد المعاني المجردة في صور محسوسة؛ فالعدالة والمحبة والحكمة والتعاون والأنانية معانٍ يتوسط بها ترغيباً وترهيباً في حكايات مخترعة أبطالها من الحيوانات. ويشير عبد الوهاب الرقيق في هذا السياق إلى أن التشخيص أبرز تقنية في الترميز في الحكاية المثلية أي تقديم الحيوان في هيئة الإنسان و«تشخيص الحيوان بالكلام والفكر ظاهرة قارة في الحكاية المثلية إلى حد أننا لا نحتاج إلى التمثيل عليها. ولكننا نحب أخيراً أن ندقق أن الحيوان الموضوع للإنسان بالتشخيص لا يرمز إلا إلى مظهر واحد من الإنسان إذ ليس في كليلة ودمنة حيوان واحد يرمز إلى الإنسان في كليته وتعدد أبعاده»(14).
تنزع الحكاية المثلية إلى التغريب، لكنه تغريب مشدود إلى الواقع بحكم أن الحيوان ليس سوى قناع يخفي وراءه الإنسان أحد أبعاده الأخلاقية؛ فهذه الحيوانات هي كائنات حقيقية موجودة في الطبيعة، وقد أسبغ عليها النص خصائص سلوكية إنسانية؛ فالغرابة تزول بمجرد ما ندرك أن الحيوان ليس إلا رمزاً للتعبير عن سلوك الإنسان. إن الغرابة في الحكاية المثلية تختلف عن غرابة الحكاية العجيبة - مثلاً- في كونها لا تخرق الواقع الطبيعي إلا في خاصية إسناد الكلام إلى الحيوانات، لكن الحكاية المثلية تحتفظ بالخصائص الطبيعية للحيوانات، في حين أن الحكاية العجيبة تقوم على شخصيات وأحداث مفارقة للطبيعة.
ب - البنية السردية أو التضمين:
إن المتأمل في نصوص الحكاية المثلية باعتبارها نوعاً كلاسياً من أنواع الجنس القصصي، يلاحظ أنها تنطوي على بعض المؤشرات الخاصة بها والدالة عليها، وعلى ما يميزها عن غيرها من النصوص. هكذا أشار عبد الوهاب الرقيق إلى أنها تشترك مع النصوص السردية الأخرى في بعض العناصر القصصية كالمكان، والزمان، والشخصية القصصية، والراوي أو الرواة، والحوار، والتوتر، والعقدة، والحل، والمغزى...
لقد تناول الباحث الراوي والتضمين باعتبارهما مكونين لأدبية الحكاية المثلية «فالراوي هو هيئة قصصية على درجة من التعقيد والتشعب لا تعرفها الأنواع السردية الكلاسية» الخبر، والمقامة، والنادرة، والتضمين هو أسلوب في الربط بين المقاطع وهو ظاهرة بنيوية مهيمنة في الحكاية المثلية،... باختصار، الراوي، والتضمين، والرمز هي العلامات الجوهرية الجديرة بأن ترفع الضباب عن أدبية الحكاية المثلية»(15).
ويرى الباحث أن «الهيئة السردية» في كليلة ودمنة هي هيئة متعددة الأصوات؛ إذ لا يتكلف فيها راوٍ واحد بمهمة السرد، وإنما يتوزع الرواة إلى مجموعة من الساردين، كالسارد الأصلي الذي ينشئ القص، وهو الراوي الأساس، «الخفي»، «المجهول»، «الغيري»، الذي يتفرع عنه رواة آخرون، وسمي «غيرياً» لأنه يقتصر على «سرد حكاية غيره دون المشاركة في أحداثها. هو إذن سارد أصلي، غيري، شمولي المعرفة، حريص على الحياد والموضوعية، مقتصر على عرض الوقائع بغير تعليق أو انحياز»(16)؛ وعن هذا الراوي الأصلي يتفرع راوٍ آخر، وهو كما يقول عبد الوهاب الرقيق: «سارد فرعي غيري بما أنه يقع على مستوى قصصي ثانٍ ويقص حكاية غيره، حكاية ليس هو شخصية من شخصياتها؛ هذا الراوي هو بيدبا الفيلسوف؛ ففي باب «البوم والغربان»، على سبيل المثال، نجد هذا الراوي الذي لا يشارك في الأحداث بل يكتفي بروايتها. «قال بيدبا: زعموا أنه كان في جبل من الجبال شجرة من شجر الدوح فيها وكر ألف غراب وعليهن والٍ منهن. فخرج ملك البوم لبعض غدواته وروحاته وفي نفسه العداوة لملك الغربان، وفي نفس الغربان وملكها مثل ذلك للبوم...»(17).
وقد يتكلف بالسرد، في «كليلة ودمنة»، راوٍ آخر، وهو في الغالب شخصية من شخصيات الحكاية، ككليلة، أو دمنة، أو الأسد، أو النمر، أو الغراب، أو البوم، أو القرد، أو الغيلم، إلى غير ذلك من الشخصيات التي تتولى رواية الأحداث.
وهناك راوٍ أو سارد آخر، سماه الباحث: «السارد الفرعي الذاتي» لأن هذا السارد هو شخصية من شخصيات الحكايات التي تقوم بسرد حكاية تكون مشاركة في أحداثها أو قامت بها. «ومثال ذلك في باب «الحمامة والثعلب الحزين» تلك الحمامة التي ابتليت بالثعلب الخبيث. فاشتكت لمالك الحزين قائلة: «إن ثعلباً دهيت به كلما كان لي فرخان، جاء يتهددني ويصيح في أصل النخلة فأفرق منهن فأطرح إليه فرخي»(18).
خلاصة:
تثبت الحكاية المثلية العربية أن التراث العربي لم يكن تراثاً شعرياً فقط، ولكنه كان أيضا تراثاً سردياً استجاب لغريزة الحكي عند الإنسان العربي، غير أن السرد الرسمي (العالِم) كان يختلف عن السرد الشعبي، في كونه يمثل جزءاً من بنية الثقافة العربية التي اشترطت في قبولها السرد بناء على الشعر أو الحكمة. وقد مثلت الحكاية المثلية نموذجاً للسرد العربي الذي امتثل لشروط النص في الثقافة العربية.
الهوامش:
1- عبد العزيز شبيل، التناص والتراث العربي بين «كليلة ودمنة» و«الأسد والغواص»، حوليات الجامعة التونسية، عدد52، 2007، كلية الآداب والفنون والإنسانيات بمنوبة، ص 144.
2- عبد الله بن المقفع، كليلة ودمنة، شرح سامي الخوري، دار الجيل، الطبعة الثالثة، 2006، ص241.
3- نفسه، ص 239.
4- عبد الفتاح كيليطو، الحكاية والتأويل، دار توبقال للنشر، الطبعة الأولى 1988، ص. 37.
5- نفسه.
6- عبد الوهاب الرقيق، أدبية الحكاية المثلية في كليلة ودمنة لعبد الله بن المقفع، دار صامد للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2007، ص 92.
7- نفسه، ص 96.
8- نفسه، ص 96.
9- سيمون شتمان، الحجاج والسرد، ترجمة عبد الواحد التهامي العلمي، مراجعة الدكتور محمد مشبال، مجلة الصورة، العدد الخامس، 2003، ص 58.
10- سامي سويدان، ص 305.
11- عبد الوهاب الرقيق، أدبية الحكاية المثلية في كليلة ودمنة، مرجع مذكور، ص 72.
12- سامي سويدان، ص 304-305.
13- عبد الله بن المقفع، كليلة ودمنة، شرح سامي الخوري، مرجع مذكور، ص 69.
14- عبد الوهاب الرقيق، أدبية الحكاية المثلية في كليلة ودمنة لابن المقفع، مرجع مذكور، ص 109.
15- نفسه، ص 98.
16- عبد الله بن المقفع، كليلة ودمنة، شرح سامي الخوري، مرجع مذكور، ص 99.
17- نفسه، ص 208.
18- عبدالوهاب الرقيق، أدبية الحكاية المثلية في كليلة ودمنة لابن المقفع، مرجع مذكور، ص 100.

السبت، 11 أبريل، 2015

الرمز في النثر الصوفي أ.مصطفى
يتأسّس النثر الصوفي على الرمز، بسبب عوامل من داخل التجربة الصوفية وخارجها، فالأفكار والأسرار الصوفية أدّق وأخطر من أن تُوجّه للعامة صريحة واضحة، لذلك كان الرمز أحد حلول إشكالية كبيرة واجهتها الظاهرة الصوفية، هي محاولة إيجاد الشكل التعبيري المناسب، فضلاً عن الغموض، وأسلوب الغزل. والرمز عند الصوفيين هو التلميح إلى ما يريدون قولـه، فمن الرمز الإشارة، ومنه الاستعارة، والكناية، والتشبيه. وبالرمز تُحفظ أسرارُهم، وتؤتمن معانيهم وحقائقهم الجوهرية خوفاً من أهل الظاهر أن يستبيحوا دماءهم، فالتسّتر على طريقتهم أهم الأسباب التي أدّت بهم إلى استخدام الرمز. يقول القشيري: (وهذه الطائفة (الصوفيون) مستعملون ألفاظاً بينهم قصدوا بها الكشف؛ لتكون معاني ألفاظهم مُستبْهمة على الأجانب، غيرةً منهم على أسرارهم أن تشيع في غيرِ أهلها) ( [1]).
التجربة الصوفية تجربة بحث عن الأسرار الإلهية في الكون؛ أسرار الحياة والموت، والنفس والروح، والعقل والقلب، وهي تجربة مختلفة من صوفي إلى آخر، لأنها علاقة داخلية بين الذات الفردية للصوفي، والذات الكلية للمطلق، تجربة انعتاق من الأعراف، وتجاوز للحدود يختبر فيها الصوفي الانفصال عن عالم الأرض والإنسان، والاتصال بعالم السماء.
تجربة حياة، في عالمٍ نفسي وروحيّ هائل التفرّد والاختلاف. فهي تجربةٌ غير حسية، وفي الوقت ذاته ليس أمامها سوى الأشياء المحسوسة للتعبير عن نفسِها ممّا أفسح مجالاً للتأويل، وتَعدُّد معنى الرمز الواحد ليكون رمزاً مفتوحاً على معانٍ احتمالية لا نهاية لها. يقول الطوسي: (هذا العلم ـ الصوفية ـ علمٌ ليس لـه نهاية لأنّه إشارات وبواده، وخواطر، وعطايا، وهِبات يغرِفُها أهل التصوف من بحر العطاء) ( [2]).
الرمز طريقة من طرائق التعبير، يحاول بوساطتها الصوفيون محاكاة رؤاهم، ونقل تصوراتهم، عن المجهول والكون، والإنسان، ووصف العلاقة بين الإنسان والله، والعلاقة بين الإنسان والكون.
وفي الصوفية كل شيء رمزٌ لكل شيء، وقد يكون الشيء رمزاً لنقيضه، والموت رمزٌ للحياة، لأنّ مفهومهم للموت هو أنه حياة أخرى. الفرح مُتضمَّن في الحزن، والسعادة في الشقاء، والراحة في التعب ذلك لأنّ العارف الصوفي يرى الجمال في تجليات الجلال القاهر.
والكون، والوجود، مجامع هائلة لرموز لا تنتهي، وإشارات لا يُحدّ غموضها، وفي كلام الصوفية، الرمز هو من (الألفاظ المُشكِلة الجارية ومعناه معنى باطن مخزون تحت كلام ظاهر لا يظفر به إلاّ أهلُه، ويكاد الرمز الصوفي يرادف الإشارة وهي ما يخفى عن المتكلم كشْفُه بالعبارة للطافة معناه، كما يرادف الإيماء وهو الإشارة) ([3]).
يذكر مؤرّخو الصوفية، ودارسوها أنّ ذا النون المصري، هو أول من استخدم الرمز في أقواله التي منها (الصدق سيف الله في أرضه ما وُضِعَ على شيءٍ إلاّ قطعه) ([4])، (والخوف رقيب العمل والرجاء شفيع المِحَنْ) ( [5])، فالسيف رمزٌ لقوة الصدق، والرقيب رمز تحريض الخوف للعمل، وفي نص آخر يقول ذو النون: (اللهم اجعلنا من الذين جازوا ديار الظالمين، واستوحشوا من مؤانسة الجاهلين وشابوا ثمرة العمل بنور الإخلاص، واستقوا من عين الحكمة، وركبوا سفينة الفطنة، وأقلعوا بريح اليقين، ولججوا في بحر النجاة، ورسوا لشط الإخلاص، اللهم اجعلنا من الذين سرحت أرواحهم في العلا، وحَطّت هِمَمُ قلوبهم في عاريات التقى حتى أناخوا في رياض النعيم، وجنوا من رياض ثمار التسنيم، وخاضوا لجّة السرور، وشربوا بكأس العيش، واستظلوا تحت العرش في الكرامة، اللهم اجعلنا من الذين فتحوا باب الصبر وردموا خنادق الجزع، وعبروا جسر الهوى) ( [6]). فثمرة العمل، ونور الإخلاص، وعين الحكمة، وسفينة الفطنة، وريح اليقين، وبحر النجاة،.. الخ، كُلّها إشارات لفظية لعوالم معانٍ شاسعة غير محدودة.
الإشارة عند المُظّفر بن الفضل العلوي هي (من محاسن البديع ومعناها اشتمال اللفظ القليل على المعاني الكثيرة وإن كان بأدنى لمح يُستدل على ما أُضمِرَ من طويل الشرح) ( [7]).
فثمرة العمل مثلاً ليست ثمرة محدودةٍ، فهي النجاة، وهي التوفيق، وثمرة عمل المؤمن الصادق هي الجنة. وسفينة الفطنة هي النجاة، والوصول. ونور الإخلاص ليس ضوءاً ماديّاً، بل هو حلاوة الإخلاص في انتهائه إلى الصواب والنجاة والإنسانية. وعين الحكمة هي البصر، والبصيرة. وريح اليقين هي القوة المُزعزِعة للشك، القادرة على السفر في فضاء الكون.. الخ.
جدّد الصوفيّون الرمز، وجعلوا منه طريقة فُضلى في التعبير، وفي صياغة الصور يقول بعض الصالحين (لله عِبادٌ طورُ سيناهم رُكَبُهم، تكون رؤوسهم على رُكَبِهم وهم في محالِّ القُرب، فمن نبع لـه معين الحياة في ظُلمةِ خلوته فماذا يصنع بدخول الظلمات؟ ومن اندرجت لـه أطباق السموات في طيّ شهوده، ماذا يصنع بتقلُّب طرفِه في السماوات؟ ومن جمعت أحداق بصيرته المتفرقات الكائنات، ماذا يستفيد من طيّ الفلوات؟ ومّنْ خَلُصَ بخاصيّة فِطرته إلى مجمع الأرواح ماذا تفيده زيارة الأشباح؟) ( [8]). النص مَجْمَع لصور رمزية، فـ (طور سيناهم ركبهم) كناية ترمز للصلاة والتواصل الدائم مع الله سبحانه، ومّحالُّ القُرب رمزٌ لأحوال الصوفيين، ومعين الحياة رمزٌ للأرض والسماء وموجوداتهما ومعارفهما، والنص كله رمزٌ لانكشاف الحقيقة للصوفي أثناء وصوله، وشهوده، ومجمع الأرواح رمزٌ لعالم المعنى، والأشباح رمزٌ للمادة والجسم.
إنّ استقراء الرموز الصوفيّة من حيث صياغتها، ومادة تركيبها يكشِفُ عن ثلاثة أنواع، هي الرمز الذهني، والرمز الحسّي، والرمز المجازي.
الرمز الذهني ليس رمزاً مفرداً، بل تركيباً لفظيّاً عاديّاً، ولا يُستمد من الواقع، لأنّ معادله الموضوعي لا ينتمي إلى الواقع، بل إلى الذهن، حتى يبدو النص كأنّه لا رمز فيه رغم كونه مبنيّاً ـ أساساً ـ على رمز كبير هو اللقاء بين الصوفي والله، ففي نص للبسطامي يقول:
(رُفِعتُ مرة حتى أقمتُ بين يديه فقال لي: يا أبا يزيد! إنّ خلقي يريدون أن يروك قال أبو يزيد: فزيّني بوحدانيتك،حتى إذا رآني خلقُك قالوا: رأيناك، فتكون أنتَ ذاك، ولا أكون أنا هناك قال أبو يزيد: ففعل ذلك، فأقامني، وزينّني، ورفعني، ثم قال: اخرج إلى خلقي! فخطوت من عنده خطوة إلى الخلق. فلما كانت الخطوة الثانية غشي عليّ فنادى: ردّوا حبيبي فإنّه لا يصبر عني) ( [9])، تراكيب لغوية عادية، لكنّها صيغت فنيّاً ومجازيّاً، رمزاً للعلاقة بين البسطامي والله، وللحَظوة التي ينالُها البسطامي عند الله، والأفعال "رُفُعْتُ" و"أقمت" و"زينّني"، كُلُّها أفعال تنتمي إلى التصورات الذهنية، ولكنّ سياقها يوحي بأنَّها قائمة في الواقع، وحقيقيّة بما فيها من إشارة إلى المكان، والزمان، والحركة. يرى الجنيد أنّ الحوار المُبتكر في (قال لي: وقلت) هو من باب (الإشارة إلى مناجاة الأسرار، وصفاء الذكر عند مشاهدة القلب لمراقبة الملك الجبّار بقوله: زينّي بوحدانيتك، يريد بذلك الزَيادة، والانتقال من حاله إلى نهاية أحوال المتحققّين بتجريد التوحيد، والمفرّدين الله بحقيقة التفريد، وقوله: حتى إذا رآني خلقُك قالوا رأيناك فتكون أنت ذاك ولا أكون أنا هناك فهذا وأشباه ذلك تصف فناءَه وفناءَه عن فنائه، وقيام الحق عن نفسه بالوحدانية ولا خلق ولا كون كان) ( [10]). وكل ذلك مُستخرج من آيات الحب بين الله والعبد، ومن عطاء الله لعبده بتقريبه منه، ومن أحاديث النبي e التي منها: (من أحبَّ لقاء الله تعالى أحبَّ الله لقاءَه) ( [11]).
وأمّا الرمز الحسّي فهو رمزٌ مباشر، يقع ـ غالباً ـ في كلمة واحدة، وهو رمزٌ مُكثّف في بيانٍ موجز، رمزٌ مُجنَّحٌ وطليق وعميق فنياً، كرمز الطير في نص البسطامي التالي: (ولمّا وصلتُ إلى وحدانيته وكان أول لحظة إلى التوحيد أقبلتُ أسيرُ بالفهم عشر سنين حتى كلَّ فهمي، فصرتُ طيراً جسمُه من الأحدية، وجناحُه من الديمومية) ( [12])، فالجسم رمزٌ للفناء والجناح رمزٌ للبقاء والأحدية إشارة إلى الكنزية القديمة والديمومة إشارة إلى ظهور تجليّاته، والديمومة هي تجليات الوجه قال تعالى: ) كل شيء هالك إلاّ وجهه ( ( [13]). فالطير ليس الطير الطبيعي، إنّه طيرٌ معنويٌ، فضاؤه الذهن، ووسائل إدراكه القلب والذوق. يقول هادي العلوي عن النص السابق: (هذا النص لا يتفسّر بوسائل التفسير العادية، أو بالاستناد على قواعد المنطق، وقد يُقرأ بحاسة أدبية كنص فنيّ فيُذاق ولا يُحْكَى) ( [14]).
وفي (طاسين الفهم) للحلاّج. (الفراش يطير حول المصباح إلى الصباح ويعود إلى الأشكال، فيخبرهم عن الحال بألطف المقال، ثم يمرح بالدلال طمعاً في الوصول إلى الكمال، ضوء المصباح علم الحقيقة، وحرارته حرارة الحقيقة، والوصول إليه حق الحقيقة) ( [15])، فالفراش هم الصوفيون المؤمنون العارفون، إنهم كالفراش يطيرون حول مصباح الحقيقة، والمعرفة معرفة الله، والطريق الصحيح إلى الخلاص والمتمثل بالصباح، رمز الخلاص المعرفي والوجودي و"يعود إلى الأشكال"، إلى منْ لم يتلمّسوا الطريق بعد، يخبرهم عن أسرار رحلته عمّا رأى وسمع وعاش، ثم يعيش فرحته مُتوّجةً بالدلال، لأنّه حَظِيَ عند محبوبه الله بمكانة متميزة، والمصباح رمزٌ مفتوح على أكثر من احتمال فهو نور المعرفة، أو هو نور الحقيقة المحمّدية حسب رأي الدكتور مصطفى حلمي حيث يصف نصوص الحلاّج بأنّها (نصوص صريحة الدلالة على نظرية الحلاّج في الحقيقة المُحَمّدية، والنور المحمّدي وفيض أنوار العلم والحكمة والنبوّة من سراجه الوهّاج، سواء أكانت هذه النبوة نبوة محمدية، أم نبوة غيره من الأنبياء السابقين عليه) ( [16]). وفي الطواسين الكثير من الرموز المادية لمرموزات معنوية، وهي تتدرّج في الدقة والوضوح والإفصاح عن مرموزاتها، كالسراج، والقمر والكوكب، والبدر، والغمامة، والبستان، والقوس،.. الخ، (سراج من نور الغيب بدا، قمرُ تجلّى، كوكبٌ بُرْجُه في فلك الأسرار، طلع بدرُه من غمامة اليمامة، وأشرقت شمسه من ناحية تهامة،.. اسمه سبق القلم،.. فوقُه غمامة بَرَقتْ، وتحت برقه لمعت،) ( [17])، فالسراج والقمر والكوكب.. رموز مادية من عالم الَفلَك لنور النبي محمد e ، والظهور والتجلي في إشارة إلى حقيقته والإشراق في إشارة إلى شريعته ألفاظ ترمز إلى الحقيقة المحمدية وإلى انبثاق فجر الرسالة المحمدية ونور تعاليمها.
أمّا الرمز المجازي فهو المعاني الثواني التي يعطيها المجاز، لأنّ المجاز هو التعبير غير المباشر وهو الإيحاء والإشارة ومنه الاستعارة والكناية والمجاز المُرسل، فبعض الرموز تنتج معانيٍ مجازية، كما أنّ بعض الصور البيانية تتكرر في نتاج الصوفيين، فتتحول إلى رموز، فالرمز المجازي مجال لتعدّد المعنى، لأنه ضد الحقيقة و(الحقيقة ما أُقِرّ على أصل وضعه في اللغة عند استعماله والمجاز ما كان بضد ذلك) ( [18])، يقول النِّفري مثلاً (أوقفني في التيه فرأيتُ المحاجَّ كلها تحت الأرض، وقال لي: فوق الأرض محجّة ورأيت الناس كلهم فوق الأرض والمحجّات كلّها فارغة ورأيتُ من ينظر إلى السماء لا يبرح من فوق الأرض ومن ينظر إلى الأرض ينزل إلى المحجّة يمشي فيها) ( [19])، فالتيه استعارة لأنّه مكان معنوي لا مادي يرى التلمساني أنّ (التيه هو تيه العباد في طلبهم السلوك إلى الله والمحجّة: مسألة من مسائل السلوك، والسالكون على قسمين: سالك بطريق الشرع وهم أتباع الأنبياء عليهم السلام، وسالك بطريق العقل وهم الفلاسفة) ( [20]).
يرى أدونيس أنّ (المجاز احتمالي لا يؤدي إلى تقديم جواب قاطع ذلك أنّه في ذاته مجال لصراع التناقضات الدلالية، لا يُولّدُ المجاز إلاّ مزيداً من الأسئلة، والمجاز في التجربة الصوفية هو حقيقة على صعيده الخاص) ( [21])، ففي الصوفية تفريقٌ واضح بين الرمز والمجاز، فالمجاز بمعنى من المعاني هو مرموز إليه، وهذه الثنائية خاصة بالأدب الصوفي، وبناءً على هذا فالشريعة مجرد رمزٍ للحقيقة، والظاهر رمز للباطن، والتنزيل رمزٌ للتأويل.
المجازُ يُحول الأمرَ الباطن المعنوي إلى أمر ظاهر حسي، ويُتيح للصوفيين تحقيق رغبتهم في الكشف، فالمجاز هو رؤى الصوفيين، وابتكاراتهم اللغوية التي تعكس أفكارهم الوليدة، وعلاقاتهم الجديدة بعد أن اكتشفوا ذاتهم، والعالم للمرة الثانية.
يقدُم الدكتور نصر حامد أبو زيد مسوّغاً للانحرافات اللغوية الصوفية فيكشف عن وظيفة جديدة للغة هي إنتاج المعرفة (اللغة ليست مجرد أداة للتعبير عن المعرفة، بل هي في الأساس أداة التعرّف الوحيدة على العالم والذات، فإذا لم تكن اللغة مُلكاً للإنسان، ومُحصلة لإبداعه الاجتماعي فلا مجال لأي حديث عن إدراكه للعالم أو فهمه لـه، إذ يتحول الإنسان ذاته إلى مجرد ظرف تُلقى إليه المعرفة من مصدر خارجي فيحتويها) ( [22]). ويكشف أدونيس أيضاً عن وظيفة أخرى للمجاز هي (الربط بين المرئي وغير المرئي، بين المعروف والغيب، والتوحيد بين المتناقضات) ( [23])، وهذا هو الهدف الأسمى الذي ينشده الصوفيون على مستوى الوجود كله. والصوفي يستعين بالرمز والإشارة للتعبير عن العالم الصوفي المُكتشف، فضلاً عن سبب آخر يذكره الدكتور عبد الكريم اليافي هو (أنّ الإشارة تُطلق الفكرة وتُحررّها على حين أنّ العبارة تُقيدها وتحدّها) ( [24]).
ومن الرموز المهمّة في النتاج الصوفي:
1ـ المرأة: فالمرأة في الصوفية أحد تجلّيات المبدأ المؤنث المضّاد، والمقابل للمبدأ المذكر الذي ظلّ مبدأ أحادّياً زمناً طويلاً يحكم المجتمع الإسلامي، وقد عبّر الصوفيون عن حبهم لله باستخدام رمز المرأة واستعارة أسلوب الغزل، والغزل الصوفي هو غزل بتجلّيات عديدة لحقيقة واحدة، وبأسماء مختلفة لمُسمّى واحد، فضلاً عن كون هذا الغزل رمزاً وتلميحاً للأسرار الصوفية الشاطحة، وحيلة فنيّة لوصف حب العبد لربّه وصفاً أدبياً، يحاكي الشعور الذاتي للعبد وفرديته.
بوساطة الغزل بالمؤنث عبّر الصوفيّ عن تجلّي الكمال الإلهي في الكون، وعن حبّه وعشقه لله الجميل، ورغبته في التقرب إليه، وتصوير حال الاتحاد مع الله الحبيب، والفناء فيه، وتصحيح محبته بتصحيح معرفته وتوحيده، وذوق جماله وجلاله وكماله.
هكذا ولّد رمزُ المرأة عاطفةً جديدة تجاهها لقد بجّلَ الصوفيون المرأة تبجيلاً نادراً؛ ذلك لأنهم يرون فيها أجمل تجليات الوجود، يقول ابن عربي (ليس في العالم المخلوق قوة أعظم من المرأة، لسرٍّ لا يعرفه إلاّ من عرف فيما وُجِدَ العالم) ( [25])، فالمرأة رمزٌ لطبيعةٍ إلهية خالقة، فهي مصدر خصوبة وعطاء، وصورة المرأة في الصوفية من أبرز صور التجلّي، وقد كان لذلك انعكاس واضح في مرآة علاقة الصوفي بالله، فهي علاقة غنيّة بزخمٍ عاطفي، انتقلت من عاطفة الرجل تجاه المرأة إلى عاطفته تجاه الله، من ثمَّ لم تعد المرأة سوى رمز للنفس التي تصبح معرفتها مدخلاً لمعرفة الله والكون، فالمرأة عند ابن عربي هي النفس الكُليّة، وفي (ترجمان الأشواق) يتحول جمال المرأة من جمالٍ مُقيّد إلى جمال مطلق، وفي وصفه للنظّام ما يدلُّ على مكانة المرأة عند هذا المتصوف الكبير، يقول: (بنتٌ عذراء، طُفيلَة هيفاء، تُقيد النظر، وتُحيرّ المناظر، تُسمى بالنظّامِ، وتُلقّب بعين الشمس، من العابدات الظُرف،.. شمسٌ بين العلماء، بستانٌ بين الأدباء، واسطةُ عقدٍ منظومة، يتيمةُ دهرِها، كريمةُ عصرِها، سابقة الكرم، عاليةُ الهِممْ،.. أشرقت بها تُهامة، وفتحَ الروضُ لمجاورتَها أكمامه، فَنَمَتْ أعرافُ المعارف، بما تحمله من الرقائق واللطائف، عليها مسحة مَلَك وهمَّةُ مَلِك،.. وكل اسم أذكره فعنها أَكْنِي، وكُلُّ دارِ أندُبها فدارُها أعني، ولم أزل فيما نظمتُه في هذا الجزء على الإيماء إلى الواردات الإلهية، والتنزّلات الروحانية) ( [26]).
ثُمّ يُبين ابن عربي سبَبَ اختيارِهِ لِلُغةِ الغزل في الإيماء للواردات الإلهية، والتنزّلات الروحانية في مقدمته يقول: (أشير إلى معارف ربّانية، وأنوار إلهية وأسرار روحانية، وعلومٍ عقلية، وتنبيهات شرعية، وجعلتُ العبارة عن ذلك بلسان الغزل والتشبيب لتعشق النفوس بهذه العبارات فتتوفّر الدواعي على الإصغاء إليها) ([27])، فالمرأة أصل الحب والسعادة، تُنجِبْ أبناء الحياة، فهي رمزٌ للرحم الكونية، وباستخدام رمز المرأة يكون الصوفيون قد مزجوا بين المادي والروحي، وبين السماوي والأرضي، ورفعوا نموذج (الأم) ليوازي (الأب). وزاوجوا بينهما ليمنحوا الكونَ الأمومةَ السارية فيه، والتي تنبثق عنها موجوداته.
2 ـ الطير: بُنيت قصص ورسائل كاملة في التراث الصوفي الإسلامي على رمز الطيّر لعلّ أشهرها رسالة (منطق الطير) لفريد الدين العطّار، فقد رمزَ العطّار للنفوس البشرية بالطيور، وكل طير يمتلك معرفة، ويحمل رسالة يريد إيصالها، والطيور هي الأرواح التي هجرت مواطنها الأصلية في السماء، ونزلت إلى الأرض، وعندما أحسّت بالغربة في مقامها الطيني أرادت العودة إلى مواطنها الأولى، والهدهد هو القائد الروحي لهذه الطيور، ورسول الغيب، وحامل الأسرار الإلهية، ورمز الهدهد مستمد من القرآن الكريم، فهو الطائر الذي يُنبئُ نوحاً بظهور اليابسة، فالروح الصوفية طائر فارق العرش جاء من وطن لا يُحدّ وضلّ في عالم المادة فذاق ألوانَ عذاب الغربة.
ورد رمز الطير في طواسين الحلاّج، ففي (طاسين الدائرة): (إنْ أردتَ فهم ما أشرتُ إليه، "فَخُذْ أربعةً من الطير فصرّهن إليك" ( [28]) لأنّ الحق لا يطير) ( [29]). فحالة الطيران تعني اللاوصول ولذلك كان هناك نكران متبادل بين الحلاّج الواصل والطير الذي لم يصل بعد، فطلب إليه أن يقطعَ جناحيه بمقراض الفناء، ليتسنّى لـه البقاء بذات الله. ولعلّ الطيور الأربعة التي يقصدُها الحلاّج هي الطيور الصوفية الأربعة المعروفة، والمُتكررّة في بعض نتاج الصوفيين (العنقاء، والورقاء، والغراب، والعقاب). فـ (الغراب) هو الجسم الكُلّي وهو رمز الغربة والحزن، و(الغراب كناية عن الجسم الكلّي. لكونه في غاية البعد عن عالم القدس، والحضرة الأحدية، ولخلوّه عن الإدراك والتورية. والغراب: مثَلٌ في البعد والسواد) ( [30]).
و(العنقاء) طير خرافي لا وجود لـه، لذلك رمز به الصوفيون للهيولى لأنها لا تُرى، و(العقاب) طير شديد يرمز (لمرتبة العقل الأول الذي يختطف (الورقاء) من عالمها السفلي وحضيضها الجسماني إلى العالم العُلّوي) ( [31]). (والورقاء) هي (النفس الكُلّية التي هي قلب العالم، وهي اللوح المحفوظ والكتاب المُبين وهي أيضاً مقابل العقل الأول (العقاب) وهي حواء مقابل آدم) ( [32]).
وممّا جاء في (طاسين النقطة) إشارة إلى مفهوم الطير قول الحلاّج: (اقلب الكلام، وغِبْ عن الأوهام، وارفع الأقدام عن الوراء والأمام، واقطع تيه النَظم والنّظَّام، وكُنْ هائماً مع الهُيّام، واطلع لتكون طيراً بين الجبال والآكام،..) ( [33])، كما جاء أيضاً: (صاحب يثرب r في شأن من هو محصون مصون، في كتاب مكنون، كما ذكرنا في كتابٍ منظورٍ مسطور من معاني منطق الطيور) ( [34]).
إنّ رمز الطير عند الصوفية رمزٌ لبحث الصوفي عن المعرفة. وهو رمزٌ متكرر في نتاجهم. مُعّبرٌ عن رغبة دائمة عارمة في التحليق بحرية غير محدودة في سماوات لا نهاية لها.
3 ـ  الماء: الرمز الأكبر للحياة، ) وجعلنا من الماء كُلّ شيءٍ حي ( ( [35]) وكل رمز يُشتقَّ منه، كالمحيط، والبحر، والنهر، والنبع، رمزُ حياةٍ ووجود، والماء أحد العناصر الرئيسية، ليس في الحياة الدنيا وحسب، بل في الحياة الآخرة، فهو عنصرٌ من عناصر الجنة، ففي الجنة أشجارٌ وبساتين تُسقى من ماء الأنهار والعيون، ومن الرموز المشتقة من رمز الماء، رمز البحر الذي وظّفه الصوفيون ليُعبّروا غالباً عن اتساع المعرفة والعلم الإلهيين كما في (طاسين السراج) للحلاّج (فوقه غمامة بَرَقَتْ، وتحته برقة لمعت، وأشرقت، وأمطرت، وأثمرت، والعلوم كُلّها قطرة من بحره.. والحِكَمْ كُلّها غَرْفَة من نهره) ( [36])، أو ليُعبّر عن اتساع النور والبهاء الإلهيين اللذين يُسبّبان للصوفي الوجدَ، فالسُكر يقول الواسطي: (مقامات الوجد أربعة: الذهول، ثم الحيرة، ثم السُكر، ثم الصحو: كمن سمع بالبحر، ثم دنا منه، ثم دخل فيه، ثم أخذته الأمواج) ( [37])، فالبحر هو بحر معرفة الله، إذ يُستعمل (البحر) أحياناً للدلالة على الباطن مقابل (البر) الدال على (الظاهر) كما في موقف النِّفَّري موقف (البحر):
(أوقفني في البحر، فرأيتُ المراكبَ تغرق والألواحَ تسلم، ثم غرقت الألواح
وقال لي: لا يسلمُ مَنْ رَكِبَ
وقال لي: خَاطَرَ مَنْ ألقى نفسَه ولم يركب.
وقال لي: هلَك من رَكب وما خاطر
وقال لي: في المخاطرة جزءٌ من النجاة
وجاء الموجُ فرفعَ ما تحتَه وساحَ على الساحلِ
وقال لي: ظاهرُ البحرِ ضوءٌ لا يُبلغ، وقعرُهُ ظُلمةٌ لا تَمْكُنُ وبينهما حيتانٌ لا تُستَأمن.
لا تركب البَحر فأحجُبَكَ بالآلة.
ولا تُلْق نفسَكَ فيه فأحجُبَك به.
وقال لي: في البحرِ حدودٌ فأيُّها يُقلّك
وقال لي: إذا وهبتَ نفسَكَ للبحر، فغرقتَ فيه كنتَ كدّابةٍ من دوّابه) ( [38])
ففي هذا الموقف، الرمزُ الرئيس هو البحر، وتتفّرع عنه رموز مساعدة لتوضيح الفكرة هي الألواح والمراكب. فالمراكب هي العبادات الظاهرة، والألواح هي الشوق والمحبة.
والنِّفَّري يريد من هذين الرمزين تقديم خيارين وتبريرهما وهما (العبادة الظاهرة) و(الحب).
وقد اتفق على تفسير هذه الرموز على هذا النحو النِّفَّري وشارحوه، فحسب رأي نيكلسون: (البحر هو الرياضات والمجاهدات الروحية، والمراكب هي أعمال العبد صالحةً أو غير صالحة، والساحل هو الظاهر، ومقرُّ الظلمة هو الباطن، والحيتان هي مخاطر وعقبات الطريق الوسط بين الظاهر والباطن) ( [39]).
والمراكب ما يُتخذ طلباً للنجاة، وهو العبادات الظاهرة، والألواح المحبة، والشوق الباطنيان. (أوقفني في البحر، فرأيت المراكب تغرق، والألواح تسلم، ثم غرقت الألواح)، معنى هذا (تبيين هل السلوك بالعلم أولى أم السلوك بما يحمل القلب من الشوق. ورجّح الثاني لأنّ الألواح أسباب ضعيفة فكأنّ راكبها اعتمد على المُسبّب الحق تعالى لا عليها، ولستُ أريد أنّ السالك ينبغي أن يترك العبادة، بل المراد أن يترك اعتبارها من قلبه. فإنّ من ذكرها مِنّةً على الله تعالى) ( [40]).
4 ـ   النور: النور من أسماء الله تعالى، ومن صفاته ) الله نور السموات والأرض ( ( [41])، والنور مبدأ الخلق والوجود فالله أخرجنا من ظلمة العدم إلى نور الوجود، والنور مبدأ الإدراك والمعرفة، وهو رمزٌ للمعرفة والخلاص غالباً، وهو في طواسين الحلاّج نور النبوة، وكل الأنوار تنبثق منه، فالنور رمزٌ للحقيقة المُحمّدية القديمة قِدماً نسبيّاً قبل الأكوان، لأنّ الحقيقة المحمديّة هي التجلّي الأول، وهو حادث. أمّا الأنوار التي تنبثق منه فهي تنبثقُ من الحقيقة الحادثة؛ وهي محمد النبي المُرْسَل في زمانٍ ومكانٍ معينين، وعنه صدرت أنوار الأنبياء والأولياء اللاحقين. ويبرزُ استخدام الحلاّج لهذا الأمر في معظم طواسينه، لكنّه يُخصِّص لـه (طاسين السراج)، الذي يقول فيه: (سراجٌ من نورِ الغيب بدا وعاد، وجاوزَ السُرج وساد، قمرٌ تجلّى بين الأقمار، كوكبٌ بُرجُه في فلك الأسرار، سمّاه الحقُّ (أميّا) لجمعِ همته، و(حرَميّا) لعظم نعمته، و(مكيّا) لتمكينه عند قربته.
شرحَ صدرهُ، ورفعَ قَدْرَهُ، وأوجَب أمرَهُ، فأظهرَ بدره.
طلعَ بدرُه من غمامةِ اليمامة، وأشرقَتْ شمسُه من ناحية تُهامة، وأضاءَ سراجُه من معدن الكرامة.
أنوار النُبوّة من نوره برزت، وأنوارهم من نوره ظهرت، وليس في الأنوار نورٌ أنور ولا أظهر ولا أقدم في القِدَمْ، سوى نور صاحب الكرم.. الخ) ( [42]).
يحشدُ الحلاّج في طاسين السراج ألفاظاً مشتقة من النور. ودلالاتها تنحصر في النور مثل: (السراج)، و(نور) و(بدا). فبدا معناها ظهر. والظهور فعلٌ يُدْرك في النورِ، والقمر والكوكب والبدر والشمس مصادر نور، وتجلّى فعلٌ يكتملُ بالنور، والفَلَكْ مجالٌ للكواكب المنيرة، والبرج مكان مرتفع يمكن منه الرؤية بوضوح، وتجلّى، وأشرق، وأظهر، وأضاء، كُلّها أفعال إنارة فالنور لدى الإشراقيين رمز نفسي يكشف علاقة الإنسان بعالم ما وراء وجوده المحسوس.
ويُعدُّ السُهروردي الحلبي أكثر المؤلفين الصوفيين توظيفاً لرمز النور، فالفلسفة الإشراقية هي فلسفة في الأنوار، ومبدؤها أنّ الله نور قد خرجت من نوره كل الأنوار التي يقوم عليها العالم المادي والروحي، ولذلك نرى آثار السهروردي كُلَّها قائمة على فكرة النور، وتحتشد في نصوصه ألفاظ النور والتنوير المنسوبة إلى الله سبحانه: (نادى مناد من الملائكة حفَّت من حول عرش النور أنْ يا أيها التائهون في مَهْمَهِ البَوار، إنَّ أبواب السموات تُفتح في صبيحة كل جمعة. طلعت شموس عن مغاربها، فهلمّوا إلى الباب الأكبر.. يا من غواشي نوره أضاءت الذوات الذاكرات،) ( [43]).
النور اسم من أسماء الله الحسنى وصفة من صفاته تتفرع عنه رموز أخرى كالتطهير، والنجاة، والخلاص، والمعرفة. ونتخذ مثلاً على ذلك رموز قصة (الغربة الغربية) وهي صورة جديدة لقصة حي بن يقظان، مليئة بالرموز كالبئر والقصر والماء، والرحى.. الخ.
فالماء رمز للروح والحياة، والرحى هي الجسم، وانقطاع الماء عن الرحى هو الموت. تدور القصة في فَلَكِ رمزٍ كُلّيٍ هو معراج السهروردي في رحلته إلى النور الذي يرمز إليه بألفاظ (البرق)، و(ليلة قمراء)، و(شمس)، و(صبح)، و(سُرج) و(شُعَل)، و(نجم)، بالاستعانة بالرموز الصوفية المعتادة (الطير)، و(الماء) حيث يقول: (سافرت مع أخي عاصم من ديار ما وراء النهر لنصل طائفة من طيور ساحل لجة الخضراء، فوقعنا بغتة في القرية الظالم أهلها، أعني مدينة قيروان فلما أحس قومها أننا قدمنا عليهم، أحاطوا بنا وحبسونا في قعر بئر لا نهاية لمسلكها،.. وكان في قعر البئر ظلمات بعضها فوق بعض، إلا أننا أوبة المساء نرتقي القصر مشرفين على الفضاء. ناظرين من كوة فربما يأتينا حمامات من أيوك اليمن..، فبينما نحن في الصعود ليلاً والهبوط نهاراً إذ رأينا الهدهد مسلماً في ليلة قمراء، في منقاره كتاب، ورأيت سراجاً فيها دهن ينتسج نوره وينتشر في أقطار البيت، وشعل مساكنها من إشراقها نور الشمس عليهم.. فرأيت الصخرة العظيمة على قلة الطور العظيم، فسألت عن الحيتان المجتمعة وعن الحيوانات المتنعمة المتلذذة؟ فاتخذ واحد من الحيتان سبيله في البحر سَربا وقال: ذلك ما كنا نبغي وهذا الجبل طور سينا والصخرة صومعة أبيك فقلت: وما هؤلاء الحيتان؟ فقالوا: أشباهك أنتم من أب واحد وقد وقع لهم شبه واقعتك فهم إخوانك: فلما سمعت وحققت عانقتهم وفرحت وفرحوا بي فصعدنا إلى الجبل ورأيت أبانا شيخاً كبيراً تكاد السموات والأرضون تنشّقُ من تجلّي نوره، فبقيتُ تائِهاً متحيّراً منه ومشيت إليه فسلّم عليّ فسجدتُ لـه ولذْتُ أنمحِقُ في نوره الساطِعْ) ( [44]). فشروق الشمس رمز لشروق العقل، وغيابها رمزٌ لاتباع الشهوات وغياب العقل، أمّا البئر فرمز الظلام وتحكّم الشهوات، فقد أتى الهدهد برسالة من الله، وعاصم (أحد المسافرين) إشارة إلى أنّ العقل يعصم الناس من الزلل، والحيتان رمزٌ للشهوات والغرائز، والصخرة صخرة النجاة والوصول إلى المعرفة الإلهية، والأب رمزٌ للأصل الإلهي وتجلّي الحقيقة المطلقة. وهذه الرموز الجزئية تنطوي تحت رمزٍ كُلّي هو (المعراج) معراج السهروردي إلى النور، وهي رموز غير مقصودة لذاتها، بل المقصود هو غاية وعظية مفادُها لفت الانتباه إلى قُبح الكفر والمعصية، وضرورة العمل على الظَفَر برضى الله ونصره وثوابه.
5 ـ   الخمر: الخمر هي العلم والمعرفة المؤثِّران في ذائقهما، وهي الحب أيضاً لدى الصوفية، وهي رمز من رموز الصوفية الكبرى، وهو رمزٌ موجودٌ صراحةً أو تلميحاً في كتابتهم لمعاناتَهم لحالي السُكر والصحو، والسُكْر حالة ذاتية عالية يصل إليها الصوفي، بعدَ أن يمرَّ بمقامات الذوق، والشُرب، والرّي هو بقاءٌ بعد السُكر من الجمال الإلهيّ المُطلق، ومن ثمّ فالسُكر غيبة تُسبّبها رغبة عارمة في لقاء الله، ورهبة من هذا اللقاء، واندهاش، وذهول بعد تحققَّهِ في إحساس الصوفي، فيغتني باطنه بمشاعر الغبطة، والوله، والشوق إلى الفناء عن النفس، والبقاء في الله، وقد كان الشعر أكثر مناسبةً لغناء رمز الخمر من النثر، يقول الحلاّج:
نديمي غيرُ منسوبٍ

إلى شيء من الحيفِ
دعاني ثم حيّاني

كفعل الضيفِ بالضيفِ
فلمّا دارت الكأس

دعا بالنطعِ والسيفِ ( [45])
ففي أبيات الحلاّج مجلسٌ لشرب الخمر، لكنّ النديم ليس كندماء مجلس الخمر المادية، فهو مُنزّه عن العيوب، ولقاء الحلاّج مع نديمه وتبادلهما التحية هو خلقٌ كريم ينتمي إلى إكرام الضيف لضيفه، وإنّ الخمر التي يشربونها من الخطورة أن يبلغ شربُها حد القتل بالسيف، لأنّ السُكر بها يُفقِد العقل والتوازن، ويخلقُ لهما بديلاً من الهيام والاضطراب في حالة محبة إلهية جارفة، لأنّ محتوى الراح هو معرفة الذات الإلهية، وحالة السُكر بها قد يتبعُها بوحٌ بما هو أجدر بالكتمان.
وليس أكثر من ألفاظ الذوق والشراب في التراث الصوفي، يُسمّي السهروردي الخمر الإلهية (شراب الأبرار) في نص بعنوان (شراب الأبرار): (لا تحسبَنّ أن ّ السعادة على نوعٍ واحد بل للمُقرّبين من العلماء، البالغين في الملكات الشريفة لذّاتٍ عظيمة، ولأصحاب اليمين أيضاً لذّاتٌ دونها سيّما على تقدير وجود المُثل التخيلية، فلهم وقفةٌ في العالم الفلكي معها دون الوصول إلى رتبة السابقين ) والسابقون السابقون ، أولئك المقرّبون ( ( [46]) وقد يخالط لذّات المتوسطين شوبٌ من لذّات المقربين كما يشير إليه حيث قال تبارك وتعالى في شراب الأبرار: ) يُسقَوْنَ من رحيق مختوم ( ( [47])، و ) مزاجه من تسنيم، عيناً يشرب بها المقربون (( [48])، وهؤلاء لهم العروج، إلى مشاهدة الواحد الحق، مستغرقين فيه. والأبرار على تقدير وجود المُثل التخيلية يتلذذّون بأصباغٍ تخيليةٍ فلكيةٍ، وطيورٍ وحورٍ عين، وذهبٍ وفضة، وغيرها أحسن ممّا عندنا وأشرف)( [49]).
فالسعادة التي يَبعثُها تحصيل المعرفة الإلهية أنواع بحسب درجات المؤمنين العارفين، فهناك سعادة المُقربيّن، وسعادة أصحاب اليمين، وسعادة المتوسطين، وهم جميعاً يمكنهم اختيار تذوّق شراب الأبرار، وفي شراب كلٍّ منهم شيء من لذّة هذا الشراب وهو خمر المعرفة الإلهية، الشراب الذي وصفه الله تعالى بأنّه من (رحيق مختوم ومزاجه من تسنيم)، فهو خمرٌ رحيق خالص غير مشوب، وهو مختوم في إناء لم يُفتح ويُقدّم لأحدٍ من قبل وهو كالعسل (لأنّه يُقال للنحل إذا ملأ شُورَتهُ عسلاً: و(ختامه مسكٌ) أي (عاقبته ريح المسك) وهو أخيراً خمرةٌ ممزوجة بماء تسنيم وهو (الماء الظاهر يعلو الخمر وهو خير أنواع الماء) ( [50]). والسُكر بهذه الخمر يمنح لهؤلاء الشاربين العروج لمشاهدة الله سبحانه، ومشاهدة جنِته بواسطة الخيال.
يبدأ النص بالنهي المؤكّد بنون التوكيد الثقيلة وأنَّ، والتشابه في صياغة أسماء المفعولين، وأسماء الفاعِلين (المقرّبين والبالغين والسابقين والمتوسطين والمستغرقين) والسجع بين هذه الألفاظ وألفاظ أُخَرْ، هي (أصحاب اليمين) و(يتلذذّون) و(حور عين) وبين (الملكات) و(اللذّات)، فضلاً عن الاقتباس من القرآن الكريم لتأكيد الفكرة التي يريدها السهروردي، وعن استخدام أنواع من الجموع، كجمع المذكر (بالغين وسابقين، ومُقرّبين، ومتوسطين) وجمع المؤنث (لذّات) و(ملكات)، وجمع التكسير (علماء، ومُثل، وأبرار، وأصباغ، وطيور، وحور)، وأصحاب هذه الجموع إمّا (مقربون من الله، أو مستغرقون فيه، أو سالكون في الطريق إليه).
ولاستخدام صيغ الجمع في النص وظيفتان: الوظيفة الأولى فكرية: هي أداء معنى هو أنَّ الخلق جميعاً على اختلاف درجاتهم في معرفة الله هم أبناؤه ومظاهره المفتقرة لمعرفته. وفي فَلَكِ وجوده يدورون، والوظيفة الثانية: فنيّة هي الإيحاء بالفكرة، وتأكيدها وكسر حدّة الطابع التعليمي الفلسفي في النص، المؤكّد باستخدام أسلوب الخطاب، والنهي، وبتقسيم أنواع السعادة وأنواع السعداء، واستخدام أساليب الإخبار كما في (لأصحاب اليمين وقفة) و(لأصحاب اليمين لذّاتٌ)، (وقد يخالط لذّات المتوسطين شوبٌ).
6 ـ  المعراج: وهو رمزٌ مُستلهم من إسراء النبي e ومعراجه، إذ استوحى الصوفيّون من هذا الرمز الكثير من القصص والنصوص، فأودعوها خبراتهم الروحية، وتصوراتهم الماورائية، وكشوفاتهم وحدوسهم، وتأويلاتهم، والكثير من الإيحاءات الإنسانية، فضلاً عن تخليصهم رمز المعراج من طابع التأريخ والسيرة، وتقديمه إبداعاً فنيّاً في الصياغة، بوسائل البيان والبديع. المعراج الصوفي معراج روحي، ويقوم رمز المعراج بوظائف ثلاث هي:
1ـ وظيفة دينية: هي وظيفة أساسيّة تدخل في ماهية المعراج، وصفَتْها الدكتورة سعاد الحكيم بـ (الانخراط في البناء الروحي للأمة الإسلامية؛ وهو بناء هرمي، يستوي على قمتّه النبي e والدعوة إلى الله سبحانه من خلال دعوة النبي، فالله لا يُكِّلفُ الأولياء العارجين بتشريع جديد) ( [51]) ذلك لأنّ المعراج الصوفي معراج نفسي وعقلي، ورؤية منامية معنوية، وروحية، بينما المعراج النبوي معراج حسّي، ومعنوي فالمعراج الصوفي تقليدٌ للمعراج النبوي من الجانب الروحي، لأنّ عناصر المعراج صورٌ أصولها موجودة في الرواية النبوية للمعراج.
2 ـ وظيفة أدبية وفنيّة وجماليّة: إذ يؤثر أسلوب القص، والأحداث ولغة السرد والحوار في القارئ، فيثير في نفسه انفعالات متنوعة، كالخوف، والأمن، والحزن، والفرح، ويُقدِّم لـه كتابة إبداعية جديدة.
3ـ وظيفة معرفيّة تعليميّة: هي تقديم المعرفة التي يكتشفُها الصوفي في أثناء معراجه، فبعض قصص المعراج تتمتع بنزعة تعليميّة في مجال الممارسات الصوفية، وفي مجال الممارسات الحياتية في المجتمع، كالحث على مكارم الأخلاق، وتغذية فكرتي الثواب والعقاب، وتجسيد صلة الصوفييّن بالكون، والإنسان؛ فالمعرفة أهم أهداف المعراج، ينقلُ الله العبدَ من مكان إلى مكان ليريه من آياته فالمعراج الصوفي معراج تعليم، عروج إلى مراتب عليا من العلم.
إنّ نصوص المعراج تخرق قوانين الأجناس الأدبية المعروفة، ولا تلتزم قوالب صياغة سابقة؛ فهي نصوص جديدة، قوامها أحداث روحيّة مشابهة لمعراج النبي e ، وبعض الصوفييّن وظفّوا المعراج أدبيّاً بوصفه رمزاً لمّاحاً، مُكثَّفاً، كما في بعض نصوصهم، ومنها شطحة أبي يزيد البسطامي.
(عَرّجَ بروحي فخرقت الملكوت، فما مررتُ بروح نبيّ إلاّ سلّمتُ عليها، وأقرأتُها السلام غير روح محمد 
e ، فإنه كان حول روحه ألف حجاب من نور كادت أن تحترق عند أول لمحة) ( [52])، كما ورد رمز المعراج عند السهروردي أكثر من مرّة في (مجموعة في الحكمة الإلهية)، ففي إحدى مناجياته
(التلويحات العرشية) يُعدُ العُدّةَ لخوضِ المعراج، ويطلبُ من الله تيسير عروجه إلى السماء: (يا ربّنا.. يَسّرِ العروج إلى سماء القدس، والاتصال بالروحانيين، ومجاورة المعتكفين في حضرة الجبروت المطمئنين، في غرفات المدينة الروحانية التي هي وراء الوراء) ( [53]). ويؤكد في نصٍ آخر أنّ السعادة درجاتٍ، وأنّ أعلى درجات السعادة، هي سعادة الواصلين إلى ربهم بالعروج الروحي. يقول في ذلك: (وهؤلاء لهم العروج إلى مشاهدة الواحد الحق، مستغرقين فيه، والأبرار على تقدير وجود المثل التخيلية يتلذذونّ بأصباغٍ تخيلية فلكية) ( [54]).
وُظِّفَ رمز المعراج قصصيّاً، كما في قصة (الغربة الغربية) للسهرودي، التي استلهمها من قصة (حي بن يقظان) لابن طفيل، يقول السهرودي عن قصته: (إنها تشير إلى الطور الأعظم الذي هو الطاقة الكبرى المخزونة في الكتب الإلهية، المستودعة في رموز الحكماء، وإلى السر الذي ترتّبَ عليه مقامات أهل التصوف وأصحاب المكاشفات) ( [55]). ورمز المعراج رمزٌ كُلّي يُحرّك رموز القصة، التي من أهمها: الشمس رمز شروق العقل، والبئر رمز الظلام، وتحكّم الشهوات. حتى شخصية المسافر (عاصم) فيها رمزٌ إلى عصمة العقل الإنساني من الزلل، ووصوله عن طريق الكشف والذوق إلى معرفة الله، ويتضمّن معراج (الغربة الغربية) عناصر رمز المعراج كالسفر عبر السفينة في بحور السماوات، بعد التجرّد عن المادة. يقول السهروردي: (صعدنا إلى الجبل ورأينا أبانا شيخاً كبيراً يكاد السموات والأرضون تنشقُ من تجليّ نوره، فبقيتُ متحيزاً منه ومشيتُ إليه فسلّم عليّ فسجدت لـه ولذتُ أنمحقُ في نوره الساطع)( [56]).
أمّا محي الدين بن عربي، فقد أودع رؤيا معراجه كتابَه (الإسرا إلى المقام الأسرى)، وهو خمسة أقسام، وفي كل قسم مجموعة من الأبواب. ففي القسم الأول تتجلّى قضية الحب الصوفي، الذي كان دافعاً كامناً وراء معراج ابن عربي تقرّباً من النبي e ، وفيه أيضاً يتم تحضير السالك بدنيّاًً، وعمليّاً، وعقائديّاً، فيتخلص من عناصره السفليّة (التراب، والنار، والهواء، والماء)، وفي القسم الثاني تبدأ رحلة ابن عربي عبر السماوات السبع، ويبدأ حواره مع سرّ روحانية ساكنيها من الأنبياء، ففي السماء الأولى (سماء الوزارة) يلتقي (آدم)، وفي السماء الثانية (سماء الكتابة) يلتقي (عيسى)، وفي السماء الثالثة (سماء الشهادة) يلتقي (يوسف)، وفي السماء الرابعة (سماء الإمارة) يلتقي (إدريس)، في السماء الخامسة (سماء الشرطة) يلتقي هارون، وفي السماء السادسة (سماء القضاة) يلتقي (موسى)، وفي السماء السابعة (سماء الغاية) يلتقي (إبراهيم). وفي هذه الرحلة يبرز الهدف التعليمي، إذ يستفيد السالك علوماً عظيمةً من علوم الأنبياء. أمّا في القسم الثالث فيصل السالك إلى سدرة المنتهى، حيث النور والبهاء، ثم حضرة الكرسي، ثم الرفارف العُلى، ويتّضح لنا في هذا القسم الهدف التعليمي أيضاً، إذ يُقدّم قطب الشريعة وصايا، هي ذاتها الوصايا الموجودة في قصص الأنبياء. تقول الدكتورة سعاد الحكيم عن وصايا قطب الشريعة: (قيمة هذا النص عظيمة إذ إنّه نبّه بإشارات قرآنية على دقائق سلوك صوفية، كل ذلك بأسلوب معلم كبير، مسلم ارتوى عقله من علوم القرآن، ففتح أمام القارئ سبيل آفاق قراءة جديدة لقصص الأنبياء) ( [57]). ومن الوصايا وصايا عامة، مثل (لا ترغب في مُلْكٍ لا ينبغي لأحدٍ من بَعدِك، بل قُلْ هذا سبحانك من عندك، ارغبْ في مُلكٍ لا ينبغي لسواك، تتخلق في ذلك بصفات مولاك) ( [58])، ومنها وصايا مُستلهَمة من قصص الأنبياء مثل: (لا تُعذِّب الهدهد كما همّ سليمان، حتى يعجز عن البيّنة والسلطان؛ عَذّبهُ لمّا كشف السر، وخرقَ الستر، ارفق على النمل، إذا أوجَفت بسوابق الخيل، فرِقهم أيادي سبأ، واقتلهم مضى السيفُ أو نبا، واتركهم بين مَهّب الشمال والصبا) ( [59]). فهذه الوصية مُستلهمة من قصة النبي سليمان عليه السلام، الواردة في سورة النمل. قال تعالى: ) وتَفقّد الطير فقال ماليَ لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين ( ( [60]) وقال: ) لأعذّبنَّهُ عذاباً شديداً أو لأذبحنَّهُ أو ليأتينّي بسلطانٍ مبين ( ( [61])، ومن السورة أيضاً قوله تعالى: ) حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملةٌ يا أيُّها النملُ ادخلوا مساكنكم لا يَحْطَمنَّكُمْ سليمان وجنوده وهم لا يشعرون ( ( [62]).
وفي القسم الرابع تتجلّى قضية المعرفة، حضراتٍ، ومناجيات. وأبرز ما في الحضرات تعليم السالك وتفهيمه. وفي الحضرة الأخيرة (أوحى) يفنى السالك عن ذاته، ويصل إلى المقام المطلوب مقام (التابع المحمدي) الكامل بين الأولياء. وأبرز ما في المناجيات معرفة السالك لنفسه، وللإنسان ومكانته في الكون، ولله الواحد، ولنعمه، ولأسرار مبادئ السور، ولعلوّ مقام محمد e . أما القسم الخامس والأخير فهو إشارات نبوية، تأخذ شكل امتحان يخوضه السالك، فيُسأل فيما عرفَ، ويجيب. ونصوص (الإسرا إلى المقام الأسرى) هي نصوص فنية. يشير ابن عربي في مقدمة كتابه إلى الإطار الأدبي الذي وجده ضرورياً لإخراج كتابه قائلاً: (ووصفتُ الأمرَ، بمنثورٍ ومنظوم، وأودعتهُ بين مرموزٍ ومفهوم، مُسَجع الألفاظ، ليسهل على الحُفّاظ، وبَيّنْتُ الطريق، وأوضحتُ التحقيق، ولَوحّتُ بسّر الصديق، ورتبتُ المناجاة، بإحصاء بعض  اللغات). ففي هذه الإشارة تأكيد للناحية الفنية من خلال الاهتمام الرمز( [63])، والسجع، وألوان البيان، واللغة، فضلاً عن أنّ الاستعانة بالشعر إغناءٌ للجانب الفني، وللموضوع، وعنصرُ جذبٍ للقارئ، وربّما لأنّ الشعر أقدر على التغنّي بالعاطفة، يقول ابن عربي شعراً:
لمّا بدا السرُّ في فؤادي

فنيَ وجودي وغابَ نجمي
وجالَ قلبي بسرٍّ ربّي

وغبتُ عن رسمِ حسِّ جسمي
 
وجئتُ منه به إليه

في مركبٍ من سَنيِّ عزمي
نشرتُ فيه قلاعَ فكري

في لُجّةٍ من خفيِّ علمي
هَبّت عليها رياحُ شوقي
 

فمرّ في البحر مرّ سهمي
 
فجزتُ بحرَ الدنّو حتى
 

أبصرتُ جهراً مَنْ لا اُسَّمي
 
وقلتُ يا مَنْ رآه قلبي
 

اضربْ لي في حبكم بسهم
 
فأنت أنسي ومهرجاني
 

وغايتي في الهوى وغُنمي ([64])
أمّا الرمز، فمعراجُ ابن عربي ـ في ذاته ـ رمزٌ لارتقاء الإنسان بعقله، وقلبه، وروحه، إلى عالم الله، والمُثل، وتحت رمز المعراج تنطوي رموز النص، كالسفينة التي هي رمز الخلاص والعبور عن طريق المعرفة وكُلُّ ركنٍ فيها يُقابله معتقد، أو تشريع. (هذه السفينة تتركب من كُليّة النشاط السلوكي للسالك، قسمٌ عقائدي يُفصِّلُ العقيدة الصوفية، وقسمٌ تعبدي كالأذكار، والأحوال، فعقيدة السالك، وسلوكه هما سفينة المعراج) ( [65])، ويُحوّلُ ابن عربي بعضَ رموزه أسماء لمسميات؛ كالدرّة البيضاء. وهي اسمٌ للنور المحمدي، والزبرجدة الخضراء، وهي النفس الكُلّية المنبعثة من الدرّة البيضاء.
ولا يكتفي ابن عربي بهذا التحويل، بل ينقل رموزاً أخرى من الخيال إلى الواقع، كما في مناجاة الرياح، وصلصلة الجرس، وريش الجناح، ففيها رموز هي (الجواد)، و(الفرس)، و(الجرس) و(الرعود) و(الرياح). وهي غير الرياح الطبيعية المعروفة. إنّها رياحٌ إلهية، يُعاقَبُ بها الكافرون. فهذه (الرياح لا تمرُ على شيء، إلاّ جعلته هباءً منثوراً، ودمّرته تدميراً، لأنّها رياح الغيرة، فليسَ تُبقي مع مالكها غيره، وإنّها لترمي بشرر ("لا تُبقي ولا تَذَرْ) ( [66])، "لوّاحةٌ للبشر" ( [67]))( [68]).
السجع والطباق والجناس هي أبرز مقومات الشكل الفني في كتاب (الإسرا إلى المقام الأسرى). فقد تفنّن ـ مثلاً ـ في توظيف الجناس، ففي خطاب قطب الشريعة للسالك جاء: (حَسّنَ الله أفعالك، ولا جعلها أفعى لك، وسدّد أقوالك، فإنّها عند المناجاة أقوى لك، وألقِ أيها الطالب بالك، أصلح الله بالك) ( [69])، بالك الأولى هي خاطرك وقلبك، وبالك الثانية هي شأنك. وبالطباق يقارب ابن عربي جدل علاقة الإنسان بالوجود. والسجع هو معادلةُ النثر بالشعر الذي يجاوره في معظم الكتاب.


( [1] الرسالة القشيرية، 295.
( [2] اللمع في التصوف، الطوسي، 100.
( [3] اللمع في التصوف، الطوسي، 338.
( [4] حلية الأولياء، الأصفهاني، 9 /395.
( [5] حلية الأولياء، الأصفهاني، 9 /395.
( [6] حلية الأولياء، الأصفهاني، 9 /332.
( [7] نَضرهُ الإغريض في نصرة القريض 33، 34.
( [8] عوارف المعارف، السَهروَردي، (عبد القاهر بن عبد الله) بذيل إحياء علوم الدين، 5 /118.
( [9] النور من كلمات أبو طيفور 149.
( [10] اللمع في التصوف، السّراج الطوسي 383.
( [11] صحيح البخاري 23، 25.
( [12] النور من كلمات أبي طيفور 149.
( [13] سورة القصص 88.
( [14] مدارات صوفية 60.
( [15] تراث الحلاج 168.
( [16] الحياة الروحية في الإسلام 118.
( [17] تراث الحلاج 166.
( [18] نضرة الإغريض في نُصرة القريض، المُظفر بن الفضل العلوي 23.
( [19] المواقف والمخاطبات 137.
( [20] شرح مواقف النِّفري لعفيف الدين التلمساني، 361.
( [21] الصوفية والسريالية 144.
( [22] النص. السلطة. الحقيقة 189.
( [23] الصوفية والسريالية 160
( [24] التعبير الصوفي ومشكلته 61.
( [25] الفتوحات المكيّة 2 /466.
( [26] ترجمان الأشواق 9.
( [27] ترجمان الأشواق 10.
( [28] سورة البقرة 260.
( [29] تراث الحلاج 172.
( [30] اصطلاحات الصوفية، القاشاني.
( [31] اصطلاحات الصوفية، القاشاني 70.
( [32] المعجم الصوفي، د. سعاد الحكيم 1207.
( [33] تراث الحلاج 175.
( [34] تراث الحلاج 176.
( [35] سورة الأنبياء 30.
( [36] تراث الحلاج 166.
( [37] عوارف المعارف، للسهروردي بذيل إحياء علوم الدين 323. والواسطي هو: أبو بكر محمد بن موسى، أصله من فرغانة، وهو من علماء مشايخ القوم في الأصول وعلوم الظاهر. توفي بعد سنة 320ه‍ (طبقات الصوفية لأبي عبد الرحمن السلمي 302).
( [38] المواقف والمخاطبات 71.
( [39] الصوفية في الإسلام 76.
( [40] شرح مواقف النِّفَّري، التلمساني، 100.
( [41] سورة النور 35.
( [42] تراث الحلاج 165.
( [43] مجموعة في الحكمة الآلهية، 107.
( [44] حي بن يقظان لابن سينا وابن طفيل والسهروردي، تحقيق أحمد أمين 124.
( [45] تراث الحلاج 149.
( [46] سورة الواقعة 10.
( [47] سورة المطفقين 25.
( [48] سورة المطفقين 28.
( [49] مجموعة من الكلمات الإلهية 94.
( [50] مجموعة في الحكمة الإلهية 94.
( [51] الإسرا إلى المقام الأسرى، لابن عربي، تحقيقي د. سعاد الحكيم 31.
( [52] النور من كلمات أبي طيفور 111.
( [53] مجموعة في الحكمة الإلهية، 107.
( [54] مجموعة في الحكمة الإلهية، 94.
( [55] حي بن يقظان لابن سينا وابن طفيل والسهروردي، تحقيق أحمد أمين 124.
( [56] حي بن يقظان لابن سينا وابن طفيل والسهروردي، تحقيق أحمد أمين 126.
( [57] الإسرا إلى المقام الأسرى، ابن عربي
( [58] الإسرا إلى المقام الأسرى، ابن عربي 130.
( [59] الإسرا إلى المقام الأسرى، ابن عربي 119.
( [60] سورة النمل 20، 21.
( [61] سورة النمل 20، 21.
( [62] سورة النمل 18.
( [63] الإسرا إلى المقام الأسرى، ابن عربي 53.
( [64] الإسرا إلى المقام الأسرى، ابن عربي 73.
( [65] الإسرا إلى المقام الأسرى، ابن عربي 71.
( [66] سورة المدثر 28.
( [67] سورة المدثر 29.
( [68] الإسرا إلى المقام الأسرى، ابن عربي 149.
( [69] الإسرا إلى المقام الأسرى، ابن عربي 113.