الثلاثاء، 27 يناير، 2015

الرؤية السردية:مفهومها و أنواعها


ستحاول هذه الأسطر الإطلالة على مكون هام في الخطاب الروائي و هو الرؤية السردية، من خلال الكشف عن مفهومه و أنواعه كما عرفت في الخطابات النقدية المعاصرة.

لقد استأثرت مقولة الرؤية السردية(la vision narrative) بأهمية كبيرة في الدراسات النقدية المخصصة للرواية، و هيتعد من أهم المشكلات إثارة للاهتمام من قبل البويطقيين؛ أين حظيت بالمكانة العليا خلال القرن العشرين .

1- مفهوم الرؤية:
تُعنى الرؤية حسب تزفتان تودوروف (Tzvetan Todorov) « بالكيفية التي يتم بها إدراك القصة من طرف السارد».(1)

وإذا أرجعنا البصر إلى الوراء، نجد أن أول من أثار إشكالية وجهات النظر(*)الشكلاني الروسي "بوريس إيخنباوم"، في دراسة حول غوغول و ليسكوف، على أن معظم الأبحاث النقدية ترى أن الدعوة إلى تنويع وجهات النظر تعود إلى أعمال هنري جيمسH.James)) وبيرسي لوبوك(P.Lubbock) التي زادها مفهوم التبئير(La Focalisation) عند جيرار جنيت(G.Genetteتماسكا أكثر من كانت عليه. (2)ولزاوية النظر أو الرؤية أساسه النظري في عديد من حقول الممارسة الفنية، ولربما تتضح دلالته أكثر في الرسم، بوساطة اختلاف هيئات الخيوط والظّلال، باختلاف زاوية النظر التي ينظر منها الفنان إلى المشهد، الذي تتحدد بدوره أبعاده والمسافات بين مكوناته وفق النظر إليها من هذه الجهة أو تلك، وحسب مدى انفتاح زاوية النظر هذه. (3)وقد تتضح الصورة في العمل الروائي، إذا حاولنا إسقاط هذا على شخصية الراوي؛ بوصفه المتحكم الأول في تقديم عالم قصه، والواسطة الوحيدة بينه و بين المتلقي .
لقد توقفت قضية الرؤى التي أثارت جدلا واسعا عند الراوي على وجه الخصوص، وطبيعة العلاقات المتشابكة والمتداخلة بينه وبين الرؤية.(4)ويُعرف الراوي بأنه « الشخص الذي يروي القصة (..) وهو الذي يأخذ على عاتقه سرد الحوادث ووصف الأماكن، وتقديم الشخصيات، ونقل كلامها، والتعبير عن أفكارها ومشاعرها وأحاسيسها». (5)في حين تُعنى الرؤية بـ« الطريقة التي اعتبر بها الراوي الأحداث عند تقديمها (..) فتتجسد من خلال منظور الراوي لمادة القصة، فهي تخضع لإرادته ولموقفه الفكري، وهو يحدد بواسطتها؛ أي بميزاتها الخاصة التي تحدد طبيعة الراوي الذي يقف خلفها».(6)فالرؤية والراوي -إذن- متداخلان، ولا يمكن لأحدهما الانفصال عن الآخر، أو النهوض دونه، وهو ما يتجسد حقيقة ضمن الرواية، أين تعلن الرؤية عن موقف الراوي الخاص إزاء الحكاية المتخيلة، والذي ينحو إلى التأثير على القارئ دون شك.
وإذ نربط حديثنا هنا بالراوي دون الكاتب، في محاولة للتفريق بين الاثنين؛ إذ يظهر خلط شديد بينهما، فحينما نقول: راو نشير صراحة إلى الكاتب، ونعتبرهما سيان، في حين أن الاختلاف بينهما جلي.
فالقراءة الساذجة هي ما تؤدي إلى الخلط بين الشخوص التخييلية، والأشخاص الحقيقيين. وما الشخصيات الروائية في نهاية المطاف إلا مجموعة من الكلمات لا أكثر ولا أقل. 
وهذا ما يتطابق مع المفهوم اللساني؛ إذ إن تودوروف يجردها من محتواها الدلالي، ليجعل وظيفتها النحوية بمثابة الفاعل في العبارة السردية. (7)فالراوي -إذن- بهذه الطريقة شخصية عادية متخيلة، تبتعد عن الروائي الذي أنشأها، كما أنشأ باقي شخوص الرواية، وإن عمد إلى إعطائها دورا متميزا من خلال تقديم عالم القصة المتخيلة .
ولقد كانت الرواية التقليدية تعتمد على الراوي،الذي يتدخل بشكل سافر داخلها، حيث يفرض تدخلاته وتعليقاته، ويتحكم في مصائر شخوصه.(8)ولقد جاءت آراء الروائي والناقد الإنجليزي "هنري جيمس" حاسمة مع مطلع القرن العشرين، حين دعا إلى إقصاء السلطة الفوقية للراوي العليم، وإلى ضرورة مسرحة الأحداث؛ بتحويل الرواية إلى خلية بؤر بدل المركزية الواحدة. (9)لقد تبنى بيرسي لوبوك الآراء الجيمسية في دراسته لبعض النصوص الروائية، مميزا بين نوعين من الأساليب في كتابه (صنعة الرواية)، أطلق على الأول الأسلوب البانورامي (Le Style Panoramique) الذي يهيمن فيه الراوي على العملية السردية، والأسلوب المشهدي(Le Style Scénique) الذي ينزاح فيه السارد ويفسح الاستقلالية لشخصياته. ونلحظ أن لوبوك يستخدم مصطلح (الأسلوب) بمعنى يكاد يتطابق مع مفهوم (وجهة النظر) حيث يقول: « إني أعتبر مجمل السؤال المعقد عن الأسلوب في صنعة الرواية محكوم بالسؤال عن وجهة النظر – السؤال عن علاقة راوية القصة بها ».(10)لقد أعقب"صنعة الرواية" دراسات عدة في مجال البحث عن وجهة النظر، كأعمال كلينث بروكس (Clean Brooks) وروبرت بن وارينRobert Penn Warren) و ف.ك ستانتسل (F.K.Stanzel) ونورمان فريدمان (N.Friedman) ووارين بوث ، وبرتيل رومبرك (B.Romlerg). وقد وصلت دراسة وجهة النظر ذروتها في عمل "جيرارجنيت" الذي استمد مقولة المظهر(Aspect) من "تودوروف".
ويذهب "جنيت" إلى أن المنظور أسلوب من أساليب التحكم فيما يراد الإعلام به من معلومات، وهو ينهض من خلال اختيار وجهة نظر بعينها أو عدم اختيارها، ويقترح في هذا الصدد تسمية أخرى للرؤية السردية هي التبئير.(11) على أن ما يأخذ عليه جنيت الخلط المفاهيمي الذي يقع فيه كثير من النقاد بين ما يدعوه صيغة(Mode)، وما يسميه صوتا (Voix)، الذي يبحث في السؤال التالي: من السارد؟ أو بعبارة أخرى: من يتكلم؟ (12)يطال الاختلاط والتشابك أيضا مصطلحي الصيغة والرؤية، كما يشير "تودوروف" في مقال"مقولات السرد الأدبي"، ولا يتضح ذلك جليا إلا بعد التعرف على أنواع الرؤية السردية ضمن العنصر الموالي.
2- أنواع الرؤية السردية:
إن ما يرمي إليه النقاد من وراء مصطلح الرؤية السردية، كشف الطريقة التي تدرك بها الحكاية من قبل الراوي، وبعبارة تودوروف « يعكس العلاقة بين ضمير الغائب (هو) il (في القصة) وبينضمير المتكلم(أنا) je (في الخطاب)؛ أي العلاقة بين الشخصية الروائية وبين السارد ».(13)ويكاد ل. أوتول (L.o'tool) يلخص لنا تلك العلاقة المتشابكة وغير المحددة بين الراوي والرؤية في مستويين تتفرع عنهما مستويات أخرى، أما «المستوى الأول يلمس من خلال كون رؤية الراوي خارجية تصف ما تراه وتقدم الأحداث والشخصيات بحيادية وصفية (..) وتسمى هذه الرؤية بالرؤية الخارجية، ويسمى الراوي بالراوي العليم (..) أما المستوى الثاني يلمس من خلال كون رؤية الراوي داخلية، تضفي انطباعات الراوي ووجهة نظره على الأحداث والشخصيات، ويكون شاهدا عليهما، وتسمى الرؤية هذه بالرؤية الداخلية، و يسمى الراوي هذا بالراوي المشارك أو المصاحب».(14)لقد اهتم بمفاصل العلاقة بين الراوي والرؤية نقاد كثر، وقد يكون توماتشفسكي (Tomachevskiسبق غيره إلى تحديد زاوية رؤية الراوي في مقاله "نظرية الأغراض" (1923)، إذ يميز بين نمطين من السرد هما السرد الموضوعي(Objectif) والسرد الذاتي(Subjectif)، أين يكون السارد عليما بكل شيء حتى الأفكار السردية للأبطال في النوع الأول، في حين نتتبع الحكي بعيني الراوي متوفرين على تفسير كيفية معرفة كل خبر من قبله، ومتى تم ذلك في النوع الثاني.(15)ويعرض "كلينث بروكس" و"روبرت بن وارين" سنة 1923 نمذجة من أربعة أقسام لما اصطلحا عليه آنذاك بالبؤرة السردية (Foyer narratif) كمقابل لوجهة النظر، وهي تتضح في الجدول التالي الذي يقدمه جنيت. (16)


أحداث محللة من الداخل 
أحداث ملاحظة من الخارج .
سارد حاضر بصفتة شخصية في العمل 
1- البطل يحكي قصته .
2 – شاهد يحكي قصة البطل .
سارد غائب بصفته شخصية عن العمل 
4- المؤلف المحلل أو العليم يحكي القصة .
3- المؤلف يحكي القصة من الخارج .

وفي سنة 1955 ميز الناقد الألماني "ف.ك ستانزيل" ثلاثة أصناف من (الحالات السردية) الروائية هي: حالة المؤلف العليم (الكلي المعرفة)، وحالة السارد المشارك في العمل الروائي، و حالة المحكي المسرد بضمير الغائب. (17)وفي السنة نفسها قدم الناقد الألماني "نورمان فريدمان" تصنيفا أشد تعقيدا مشكلا من ثمانية أطراف، مجزّأة على أربع مجموعات.(18)أما "واين بوث" فقد كتب سنة 1961 بحثا بعنوان (المسافة ووجهة النظر-مقالة في التصنيف)، ذهب فيها إلى وجود ثلاثة رواة يتحكمون بالرؤى السردية، وهم المؤلف الضمني، والرواة غير الممسرحيين، والرواة الممسرحون. (19)وتبنى أخيرا "برتيل رومبرك" عام 1962 تنميط "ستانتسل"، على أنه أضاف إليه تنميطا رابعا هو الحكاية الموضوعية ذات الأسلوب السلوكي.(20)إن ما نلحظه على معظم هذه التصنيفات هو الخلط الواضح بين الرؤية والصوت، كما أنها تدخل بطريقة أو بأخرى المسافة الفاصلة بين المؤلف والقارئ وشخوص الرواية، وهو يقترب من مشكلات الصوت كذلك.
من هنا جاءت الجهود الفرنسية أكثر دقة، وأسلم من سابقتها في دراسة الرؤية السردية، والتي بدأها جان بويون (J.Pouillon) في كتابه "الزمن والرواية" و"تزفتان تودوروف" في "مقولات السرد الأدبي" و "الشعرية"، و"جيرار جنيت" في "وجوه 3" .
لقد حصر بويون مختلف أشكال تمظهر هذه الرؤيات في ثلاثة، نعرضها نقلا عن مقال تودوروف:(21)
1- الرؤية من الخلف (Vision par derriere )
أو السارد < الشخصية الروائية، كما يصطلح تودوروف.
وتستخدم عادة في الروايات الكلاسيكية، وفيها يكون السارد أكثر معرفة من الشخصية الروائية. إنه يستطيع معرفة ما يجري خلف الجدران أو في خلد أبطاله، وتتجلى قدرته المعرفية في معرفة الرغبات السرية لإحدى الشخصيات، دون أن تكون هي واعية بها، أو معرفة أفكار شخصيات كثيرة في آن واحد. وذلك مالا تستطيعه أي منها، أو مجرد سرد أحداث لا تدركها شخصية حكائية بمفردها. وتنطبق هذه الرؤية مع ما أطلق عليه "توماتشفسكي" سابقا بالسرد الموضوعي.
2- الرؤية - مع (Vision - avec)
أو السارد = الشخصية الروائية.
وفيها يعرف السارد قدر ما تعرف الشخصية الروائية، فلا يقدم تفسيرات إلا بعد أن تكون الشخصية نفسها قد توصلت إليها. ويمكن أن يسرد هذا النوع بضميري المتكلم أو الغائب لكن مع بقاء المساواة المعرفية بين الراوي وشخوصه. والرؤية- مع هي ما أشار إليها "توماتشفسكي" باسم السرد الذاتي.
3- الرؤية من الخارج (Vision du dehors
أو السارد > الشخصية الروائية.
وهي نادرة الاستعمال مقارنة مع الرؤيتين السابقتين. وفيها يكون السارد أقل معرفة من أي شخصية من الشخصيات الروائية. وهو بذلك لا يمكنه إلا أن يصف ما يرى ويسمع دون أن يتجاوز ذلك لما هو أبعد، مثل الولوج إلى دواخل الشخصيات.
أما "جيرار جنيت"، فيتبنى مصطلحا آخر عوضا عن الرؤية هو التبئير، ويراه أكثر تجريدا من مصطلحات مثل رؤية، وحقل، ووجهة نظر؛ لما تحمله من مضامين بصرية. وأنواع التبئير عنده هي:
1-الحكاية غير المبأرة أو ذات التبئيرالصفر( le récit non-focalisé ou focalisation zéro (22):و يقابل هذا النوع مصطلـح الرؤية من الخلف عند بويون، أو السارد < الشخصية عند تودوروف.
2-الحكاية ذات التبئير الداخلي
 (le récit à focalisation interne ): وتقابل الرؤية - مع عند بويون، أو الراوي = الشخصية من حيث المعرفة عند تودوروف. ويقسمها بدورها إلى ثلاثة أنواع :


أ-حكاية ذات تبئير داخلي ثابت (récit à focalisation interne fixe )
 ونموذج ذلك رواية السفراء "Les ambassadeurs" التي يقول عنها لوبوك: « إن جيمس في –السفراء- لا يخبرنا بقصة عقل سستريثر، إنه يجعل هذا العقل يتحدث عن نفسه، إنه يمسرحه».(23)
وهذا ما سيجعل حقل الرؤية السردية يضيق؛ باعتبار أنه سينحصر ويقدم لنا من خلال وعي شخصية وحيدة هي سستريثر. 
ب-حكايةذات تبئير داخلي متغير) (récit à focalisation interne Variable : ومثل هذا النوع رواية مدام بـوفاري لفلوبير، أين ينطلق السرد مبأرا على شارل، ثم إيما ليعود إلى شارل مرة ثانية. (24) 
جـ- حكايةذات تبئير داخلي متعدد( (récit à focalisation interne multiple:ونموذج ذلك روايات المراسلة التي يعرض فيها الحدث الواحد مرات عديدة وفق وجهات نظر شخصيات مختلفة. وقد تكون قصيدة الخاتم والكتاب السردية لروبرت براونينك R.browning)) التي تحكي قضية جنائية ينظر إليها القاتل، ثم الضحايا، ثم الدفاع، فالاتهام ...إلخ مثالا لا بأس به على هذا النمط من الحكاية.(25) 
4-الحكاية ذات التبئير الخارجي (récit à focalisation externele)
 وهي تقابل الرؤية من الخارج حسب بويون، أو السارد > الشخصية حسب معادلة تودورف.ويتضح ذلك في أعمال ما بين الحربين العالميتين، كروايات داشيل هاميت(Dashiel hammette)) التي يتصرف فيها البطل دون أن يسمح لنا بمعرفة عواطفه وأفكاره، ومثل ذلك بعض قصص إرنست همنغواي (I.hemingway)، كالقتلة وتلال كفيلة بيضاء التي يصل فيها التكتم حد الإلغاز.(26)
وتحاول ميك بال (Mieke Bal) الأخذ بمفهوم التبئير لتقترب به من معنى الرؤية عند "بويون"، وتشير في هذا الصدد إلى الفاعل والموضوع باسم المبئر (Focalisateur) والمبأر (Focalisé) ، وبالتالي سيتحول سؤال "جنيت" : التبئيرعلى من؟ إلى تبئير ماذا ؟ ومن قبل من؟. وهي بهذا تحتفظ بلفظة التبئير كدال، لتملأ مدلوله بإشكالية تتمثل في التساؤل التالي: من هي الذات والموضوع في عملية الإدراك.(27)


الهوامش:
(1تزفتان تودوروف، "مقولات السرد الأدبي"، ت/ الحسين سحبان وفؤاد صفا، طرائق تحليل السرد الأدبي، مشورات إتحاد كتاب المغرب، الرباط، ط1 ،1992، ص 61 .
() لقد تعددت تسميات مصطلح (الرؤية)، فنجد من ينعتها بوجهة النظر، أو المنظور، أو البؤرة، أو المجال، أو التبئير؛ تبعا لتباين تصورات النقاد، لذلك سندرجها بالأسماء ذاتها التي ارتضاها أصحابها .
(2السيد إبراهيم: نظرية الرواية"دراسة لمناهج النقد الأدبي في معالجة فن القصة"، دار قباء للطباعة و النشر و التوزيع، القاهرة، 1998 ، ص 170.
(3)يمنى العيد، تقنيات السرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي، دار الفارابي، بيروت-لبنان، ط1، 1990، ص 115، 116 .
(4)(5)عبد الله إبراهيم، المتخيل السردي ، المركز الثقافي العربي، بيروت، دار البيضاء، ط1، 1990، ص 61.
(6)المرجع نفسه، ص 61 ، 62 .
(7حسن بحراوي، بنية الشكل الروائي"الفضاء-الزمن-الشخصية"، المركز الثقافي العربي، بيروت-الدار البيضاء، ط1، 1990، ص 213.
(8)Gérard Genette, Figures II ,édition de seuil,paris,1972,P 189.
(9)عبد الله إبراهيم، المتخيل السردي، ص 166.
(10بيرسي لوبوك، صنعة الرواية، ت/ عبد الستار جواد، دار مجدلاوي للنشر والتوزيع، عمان، ط2، 2000، ص 225 .

(1[1])Gérard Genette , Figures III ,édition de seuil, paris, 1972,P 203,206.
(12)المرجع نفسه، ص 203 . 
(13تزفتان تودوروف، "مقولات السرد الأدبي"، ت/ الحسين سحبان وفؤاد صفا، طرائق تحليل السرد الأدبي، ص 58 .
(14)عبد الله إبراهيم، المتخيل السردي، ص 119.
(15) توماتشفسكي، "نظرية الأغراض"، نظرية المنهج الشكلي"نصوص الشكلانيين الروس"، ت/ إبراهيم الخطيب، الشركة المغربية للناشئين المتحدين، مؤسسة الأبحاث العربية، الرباط، بيروت، ط1، 1982، ص 189.
(
16 ) (17) Gérard Genette , Figures III , P 204.18عبد العالي بوطيب، "مفهوم الرؤية السردية في الخطاب الروائي بين الإئتلاف والاختلاف"، مجلة الفكر العربي المعاصر، مركز الإنماء العربي، بيروت، 1992، ص 100.
(19)عبد الله إبراهيم، المتخيل السردي، ص 167.
(
20) Gérard Genette , Figures III , P 205.(21) تزفتان تودوروف، "مقولات السرد الأدبي"، ت/ الحسين سحبان وفؤاد صفا، طرائق تحليل السرد الأدبي، ص 58، 59.
(
22) Gérard Genette , Figures III , P 206.(23)رينيه ويليك و أوستن وارين، نظرية الأدب، ت/ محي الدين صبحي، المؤسسة العربية للدراسات و النشر، بيروت، ط2، 1981 ، ص 235، 236.
(24
(26) (25)(Gérard Genette , Figures III , P207(27)كريستيان أنجلي و جان إيرمان، "السرديات"، نظرية السرد"من وجهة النظر إلى التبئيـر"، ت/ ناجي مصطفى، منشورات الحوار الأكاديمي و الجامعي، الدار البيضاء، ط1، 1989، ص 117.

الأحد، 25 يناير، 2015

التفريع الحكائي وأنماط التخييل في كليلة ودمنة

يوسف أحمد إسماعيل٭

إن التناول الهيكلي لبيان بيدبا – كتاب كليلة ودمنة – يكشف عن انتمائه إلى مجموع الحكايات التي تدخل في إطار "التفريع الحكائي"[1]، كما في ألف ليلة وليلة، أو ما يسميه تودوروف بـ "الأدب الإسنادي"[2] الذي يهتم بعلاقات التضمين والترابط في السرد بين القصص المتوالدة من جهة، وبينها وبين الحكاية الإطار، أو "الحكاية الأم"، من جهة ثانية.
بذلك نكون أمام نص له صورة كليَّة متكونة من مجموع الحكايات، وصور فرعية متكونة من كل حكاية مفردة، في الوقت نفسه. وقد تختلف هذه الحكايات الفرعية عن الحكاية الإطار من حيث النمط – مثل الحكايات العجيبة وحكايات الشطَّار والحكايات الخرافية – ولكنها تساند الحكاية الإطار من خلال الوظيفة المتوخاة منها، إن كانت تعليلية أو تفسيرية...، وبذا يكون التفرع الحكائي "تحقق مصغر لصيغة الحكاية الإطار بقدر ما يكون امتدادًا لتغذيتها السردية"[3] ليفسح من خلالها المجال للتعدي الدلالي، وتوالد الأفكار والمضامين عبر الأصول والفروع.
وعليه، يمكن تعريف التفرع الحكائي بأنه خطة سردية واعية تربط بين الحكاية الإطار والحكايات المضمَّنة، وفيما بين القصص المتوالدة من بعضها دلاليًا وبنيويًا ووظيفيًا، لإنجاز صورة كلية وصور فرعية مفردة، في الوقت ذاته.
تعرِّف مياجير هاردت الحكاية الإطارية بأنها
ذلك السرد المركب من قسمين بارزين ولكنهما مترابطين، أولهما حكاية أو مجموعة الحكايات التي ترويها شخصية واحدة أو أكثر، وثانيهما تلك المتون وقد رويت ضمن حكاية أقل طولاً وإثارة، مما يجعلها تؤطر تلك المتون كما يحيط الإطار بالصورة[4].
ولكي نقصي التباين بين الأصل والفرع، في تعريف هاردت، نستبعد تقسيم الحكاية الإطار ﺇلى قسمين، ونحصرها في القسم الأول الذي يؤطر الحكايات المتون المتفرعة منه، ويحيط بها في بداية السرد ونهايته. ويكون القسم الثاني بذلك تنويعًا دلاليًا ووظيفيًا ونمطيًا للحكاية الأم التي يمثَّل لها بحكاية شهريار وشهرزاد، المؤطرة لليالي ألف ليلة وليلة، بوصفها أنموذجًا عالميًا[5]على أساسه حُدِّد مفهوم الحكاية الإطارية.
ولا تنحصر وظيفة الحكاية الأم في تأطير السرد فحسب، على أهميته في لمِّ شمل الصورة الكلية للحكي. فللحكاية الأم أبعاد لا تقلُّ أهمية عن ذلك، فهي القسم الأول الذي لا يتمُّ إنجازه ﺇلا بإنجاز التفريع الحكائي للمتون المفردة، مما يعني أن تحققها لا يتم إلا بتحقق الحكايات المتفرعة "المضمَّنة"؛ ولكنها هي من يعطي المتون الفرعية سياقها العام، لتساعدها في بناء الصورة الكلية، مع حق الاحتفاظ بخصوصيتها. وتشكِّل بذلك الحكاية الأم الشرعية السردية للحكايات المتفرعة؛ فلولاها لما كان هناك سرد بدءًا، فهي التي تشكل ظاهرة القص "بينما تقدم القصص المؤطَّرة النتائج المترتبة على هذا التكوين"[6]. فالسرد يبدأ بالتشكل منها، وهي الغاية منه، وما سيأتي تنويع وبناء لها. فهي جوهر الحكي، والحكايات المتفرعة شرح وتفسير وتأكيد وتسويد لفراغات الأسئلة في النص الأصلي – الحكاية الأم.
يضاف إلى تلك الشرعية السردية، التي تمنحها الحكاية الإطار للحكايات المتفرعة، شرعيةٌ إسنادية. وبدون هذه الشرعية تفقد الحكايات المضمَّنة مبرر وجودها في النص؛ لأنها تتيه في فراغ السرد، بخاصة أنها تحتفظ بحقها في التميُّز والتنويع، كما ذكرنا، على المستوى الدلالي والموضوعي والنمطي. أي إن الحكاية المفردة، الحيوانية أو العجائبية أو الخارقة...، لن تجد ما يجمع بينها وبين الصورة الكلية، وستكون نصًا ناشزًا يجب اقصاؤه؛ لأن العلاقة الإطارية (الإسنادية) مع الحكاية الأم غير متوافرة. وهذه العلاقة لا تأتي من خلال الموضوع وإنما من خلال فعل التوالد الذي يحيل إلى ترابط إسنادي سردي، داخلي، بين القصص المتفرعة، وبينها وبين الحكاية الأم. والحكاية الأصل (الأم) هي التي تحتفظ بصورة الإسناد الخبري، وتستمد شرعيتها في السرد من ذلك الإسناد. أما الحكايات المتفرعة فتستمد شرعيتها الإسنادية من انتمائها إلى الحكاية الأم المسْنَدة إخباريًا.
وانطلاقًا من أهمية بناء الصورة الكلية للنص، لهيمنة الصورة وظيفيًا، لا تتجه الحكاية الإطار "إلى ذاتها تحديدًا وإنما تقصد إلى إيجاد صيغة تحفيزية للسرد والتأليف الموسوعي"[7]. فهي تبدأ السرد ولا تنهيه إلا بعد اكتمال الصورة الكلية بالفعل القصصي الذي تنجزه الحكايات المضمَّنة التي تتناسل لتبني في الفضاءات البيضاء التي تركتها الحكاية الأم، فتوضحها وتفسرها وتشرحها وتعللها.
إن هذا التحفيز هو العنصر المحرض على صفتي التنوع والموسوعية، باعتبارهما صفتين تلازمان الحكايات التي تبني صورة منجزة من خلال الأصل والفرع، كحكايات ألف ليلة وليلةوكتاب كليلة ودمنة. والصفتان مكونان سرديان من مكونات الحكاية الإطار التي لم تستوف بمفردها إنجاز الصورة الكلية، فكانت بسيطة التركيب ومحدودة الأشخاص. وهاتان سمتان تشكلان مواطئ رخوة في الفعل القصصي الذي يسمح بالتوالد لسد الفراغ كلما دعت إلى ذلك ضرورة السرد. وهو ما يمنح القصة الإطار القدرة على احتواء حكايات كثيرة فيها، ويجعلها تتقبل في سياقها "كل ما هو غريب من الأحداث والوقائع... بوساطة راوٍ جديد يحمل على كاهله حكايته الخاصة أو حكاية رويت له... مما يقود إلى تفريخ مزيد من الحكايات داخل الحكاية الإطار"[8] التي فسحت المجال للحوار وثنائية الراوي والمروي له في الفضاء الواحد، يضاف إلى ذلك خاصية الوظائف الحكائية التي تحتاج إلى تفسير وتعليل وتوضيح وإقناع.
لا تقصي الحكاية الإطار حق الحكاية المضمَّنة في التميُّز والتنوع وتشكيل الخصوصية، موضوعًا ونمطًا وأسلوبًا، بل تترك لها حق الحياة والنماء والبناء بشرط أن تنتمي في سياقها السردي العام إليها، أي عبر شرعية السرد والإسناد في بناء الصورة الكلية، وعبر الصورة الفرعية التي تنجزها الحكاية المفردة. ولذلك يكون من الطبيعي أن نجد في مجموع النص (كليلة ودمنة أوألف ليلة وليلة) حكايات مختلفة، موضوعًا ونمطًا وبناءً، عن الحكاية الإطار، ولكنها تساهم في الوقت نفسه في تشكيل البنية الدلالية التي أرادها الراوي الأول.
ولتجلي تلك العلاقة، في صورة البناء والانتماء بين الأصل والفرع، تغذي الحكاية الإطار الحكايات المضمَّنة بمكونات سردية تجد لها امتدادًا ظاهرًا أو خفيًا، عبر تحققات مختلفة، يحيل المتن في الحكايات المتفرعة، ترجيعيًا، إلى صدى بعيد يصوره المبدأ الجوهري للسرد[9]، بمعنى أن الحكاية الفرعية تتغذى من رحم الحكاية الأم، فتأخذ من مكوناتها السردية ما يعزز بناءها السردي، كحضور الراوي والمروي له وثنائية التقابل بين نقيضين يطوران السرد ليفضي بالحكاية الفرعية، تراجعيًا، إلى المبدأ الجوهري في السرد. ومن ذلك مثلاً أنه إذا كانت حكاية شهرزاد وشهريار "الحكاية الأم" تبلور، في جوهر مبدئها السردي، فكرة "التماثل المتكافئ"[10] فإن قراءة تأويلية عميقة تبين أن كل الحكايات الفرعية في ألف ليلة وليلة تحيل أيضًا إلى فكرة التماثل المتكافئ أيضًا. وهذا ما نستخلصه في كتاب كليلة ودمنة. وهو جوهر هام آخر من أشكال شرعية الانتماء بين الحكاية المضمَّنة والحكاية الإطار.
الحكاية الإطار في كليلة ودمنة
الوحدات الوظيفية
ينقسم البناء الهيكلي لكتاب كليلة ودمنة، كما هو متداول بين القراء، إلى ثلاثين قسمًا موزعة على مقدمات وأبواب وأجزاء أبواب، منها 11 جزءًا تحتوي مقدمات وعروضًا إما من الناشر أو من مترجم النص من الهندية إلى الفارسية، كما يُصرَّح بذلك، أو مقدمة شكر لبرزويه المتطبب الذي خاطر بحياته ونقل النص من بلاد الهند إلى بلاد فارس، أو من مترجم النص من الفارسية إلى العربية، وهو ابن المقفع، كما يُصرح بذلك أيضًا.
ويبدأ سرد الحكايات، كما يراد أن يفهم، من الصفحة 68 في نسختنا المعتمدة[11]، أي من الجزء الأول من باب الأسد والثور. ويتم توزيع هذا المتن السردي على 13 حكاية كبرى يضاف إلى ذلك خاتمة الكتاب، وذلك من الصفحة 68 إلى الصفحة 224. وتدخل هذه الحكايات ضمن مسميات الأبواب، وإن كانت موزعة على أجزاء. ونمثِّل لذلك بحكاية الأسد والثور؛ فهي موزعة على ستة أبواب تحت اسم باب الأسد والثور رقم 1، وباب الأسد والثور رقم 2، وباب الأسد والثور رقم 3... إلخ.
ما نريد البحث عنه، من خلال هذا العرض الموجز لفهرس الكتاب، هو موقع الحكاية الإطار في النص. وللوصول إلى ذلك سنقسم الكتاب إلى قسمين نقصي منهما الزوائد المضافة من الناشر أو المضافة بغاية التمويه، من ابن المقفع، حول طبيعة النص ومؤلفه.
والزوائد هي العروض والمقدمات التي لا تدخل في تشكيل السرد، وغايتها توضيحية أو إضاءة متن الكتاب. وهي مقدمة الناشر عن حياة ابن المقفع ومؤلفاته، وباب بعثة الملك كسرى أنوشروان[12]، وباب برزويه المتطبب بجزأيه، وباب عرض الكتاب من قبل وزير كسرى بزرجمهر، وباب عرض الكتاب لابن المقفع. ويبقى، بعد ذلك الإقصاء، مقدمة الكتاب لعلي بن الشاه الفارسي، وهي من ثلاثة أجزاء:
1.    المقدمة.
2.    سبب وضع كتاب كليلة ودمنة.
3.    عرض الملك على بيدبا تأليف الكتاب.
أما القسم الثاني فهو ما تبقى لدينا من الكتاب بأبوابه وأجزائه المشكلة للحكايات من الصفحة 68 إلى الصفحة 224.
تشكِّل مقدمة علي بن الشاه الفارسي، بأجزائها الثلاثة، الحكاية الإطار. وعلي بن الشاه هو الذي يبدأ بالرواية الاسترجاعية ليشكل السرد الأول بالقول: إن الإسكندر ذا القرنين الرومي...[13]
خطاب النص
تنقسم الحكاية الإطار كما سنلاحظ إلى ثلاثة مستويات هي: خطاب دبشليم الملك، وخطاب بيدبا الفيلسوف، والتماثل المتكافئ.
1.    خطاب دبشليم الملك
تنصِّب الرعية أحد أبناء ملوكها ملكًا على البلاد بعد أن طردت المعيَّن من قبل الغازي؛ لأنه كما يقول الراوي:
لا يصلح للسياسة ولا ترضى الخاصة والعامة أن يملِّكوا عليهم رجلاً ليس منهم ولا من أهل بيوتهم، فإنه لا يزال يستذلهم ويستقلهم... ولما استوثق الأمر لدبشليم طغى وبغى وتجبر وتكبر وجعل يغزو مَن حوله من الملوك[14].
واستصغر أمر الرعية وأساء السيرة فيهم، ولم يأخذ بسيرة أجداده الحسنة في سياسة الرعية وإصلاح شأنها على الرغم من أنه لم يرتق العرش إلا لصلة نسبه بأسلافه الملوك.
بذلك السلوك في سياسة الرعية يتنكر الملك لأمرين: الأول، الرعية التي وثقت به وعينته ملكًا عليها. والثاني، سياسة أجداده في حسن تصرفها مع الرعية، أي إنه فقد شرعية تموضعه على كرسي السلطة مما خلق توترًا في العلاقة بين الحاكم والمحكوم، أساسه الافتقار إلى العدل في الحكم وبروز الجور والاستبداد. فطفت على السطح قضية قديمة ومعاصرة في الوقت ذاته، هي الصراع بين الحاكم والمحكوم ومتطلبات طرفي الصراع. يمثل الطرف الأول الملك دبشليم على رأس السلطة بجهازه السلطوي والتابوات التي يؤطر بها نفسه ضد الرعية. ويقود الطرف الثاني المثقف والحكيم والفيلسوف بيدبا.
2.    خطاب بْيَدَبا الحكيم
يلاحظ بيدبا الفيلسوف سلوك الحاكم فيستشير تلامذته ويقرر نصح الملك دبشليم. أربع علامات تؤطر زاوية الرؤية لدور المثقف في مجتمعه. ويتمثل ذلك في إدراكه لمعاناة المحكومين، وأخذه بمبدأ المشورة، وإقدامه على تحمل المخاطر في قيادة الرعية، وعمله بمبدأ الحوار، فعلاً خلاقاً في التغيير، وسلاحًا ماضيًا في وجه قوة طاغية، لا قبل له بمواجهتها بنوعية أسلحتها.
أ. الإدراك والملاحظة: يقول الراوي:
كان في زمانه [أي زمان الملك دبشليم] رجل فيلسوف من البراهمة[15]، يُعرف بفضله ويُرجَع في الأمور إلى قوله، يقال له بيدبا. فلما رأى الملك وما هو عليه من الظلم للرعية فكر في وجه الحيلة في صرفه عما هو عليه وردِّه إلى العدل والإنصاف[16].
علامات بيدبا، كما هو ملاحظ في النص، التواجد الموضوعي والزمني المعاصر لدبشليم، فعلاً سرديًا إسناديًا بصيغة الماضي "كان" كما هو الشأن في الإسناد الخبري في بداية السرد، وهي ضرورة تخييلية؛ لأننا ما زلنا في إطار تشكيل الحكاية الأم، ومن ثم الصفات التي بوأته – أي بيدبا – موقع البيان القادم في خطابه كالفلسفة والفضل والمرجعية المعرفية الواسعة التي أهدته إلى الملاحظة وإدراك معاناة شعبه من الظلم والتفكير في إزالته.
ب. المشورة: جمع بيدبا تلامذته وقال لهم – سنعود إلى قوله كلما دعت مقتضيات البحث لأهميته في الكشف عن بيان خطابه –:
أتعلمون ما أريد أن أشاوركم فيه؟ قالوا: لا. قال: اعلموا أني أطلت الفكر في دبشليم وما هو عليه من الخروج عن العدل ولزوم الشر ورداءة السيرة وسوء العشرة مع الرعية، ونحن ما نروِّض أنفسنا لمثل هذه الأمور إذا ظهرت من الملوك إلا لنردهم إلى فعل الخير ولزوم العدل... وقد جمعتكم لهذا الأمر؛ لأنكم أسرتي ومكان سري وموضع معرفتي، وبكم أعتضد وعليكم أعتمد؛ فإن الوحيد في نفسه والمنفرد برأيه، حيث كان، فهو ضائع ولا ناصر له... فليشر كل واحد منكم بما يسنح له من رأي[17].
يعرض بيدبا في مقصورته على تلامذته هواجسه وأفكاره والإمكانات المتاحة له ضمن خصوصيته بوصفه فيلسوفًا وحكيمًا. ومن الحكمة الاعتقاد بأن المنفرد برأيه ضائع. وهي حكمة موجهة في خطاب بيدبا باتجاهين: الأول، إلى الملك دبشليم الذي يرفض اتِّباع سيرة أجداده ويبطش بمن نصبوه ملكًا؛ فهو ضائع في سياسته التي لا تجلب له غير الفساد داخل حاشيته وكره الرعية والملوك الذين غزا بلادهم. والثاني موجه إلى المتلقي النصي الممثل بتلامذته، وإلى المتلقي خارج النصي المقصود بالخطاب بصورته الكلية.
ولذلك فإن بيدبا يكرر استشارة تلامذته في موقع آخر، وذلك حين طلب منه الملك دبشليم تأليف كتاب كليلة ودمنة[18] وما ذلك إلا للتأكيد على إنكار الاستبداد في الرأي. يقول بيدبا:
أرى السفينة لا تجري في البحر إلا بالملاحين لأنهم يعدلونها[19].
إن المشورة في خطاب بيدبا قانون الحاكم السديد الذي يقود السفينة إلى اللجة، وبدونها ستغرق السفينة؛ لأنها تقع تحت سطوة التفرد والإنكار والاستصغار للملاحين الآخرين. وهذا ما فعله دبشليم الملك حين تفرد بالحكم، فطغى وتكبر واستصغر، فأصبح مكروهًا.
ج. المبادرة: كان بإمكان بيدبا، بوصفه واحدًا من الرعية، السكوت على ظلم دبشليم، ولكنه ليس فردًا عاديًا في الرعية، فهو ينتمي إلى الفئة المثقفة، وهو الحكيم والفيلسوف. تلك صفات تموضعه في موقع المسؤولية. وهنا يتوجه بخطابه إلى المتلقي النصي وخارج النصي مرة أخرى، كما فعل بموضوعة المشورة، ويعلل مبادرته بمجموعة من الاحتمالات. يقول:
ومتى أغفلنا ذلك وأهملناه [يقصد السكوت على ظلم دبشليم] لزِمَنا من وقوع المكروه منا وبلوغ المحظورات إلينا ألم الجهال. وبلغ إليهم أن كنا في أنفسهم أجهل منهم وفي عيونهم أقل منهم. وليس عندي الجلاء عن الوطن، ولا يسعنا في حكمتنا إبقاء الملك على ما هو عليه من سوء السيرة وقبح الطريقة، ولا يمكننا مجاهدته بغير ألسنتنا، ولو ذهبنا إلى أن نستعين بغيرنا لم تتهيأ لنا معاودته. وإن أحسَّ منا بمخالفته وإنكارنا سوء سيرته كان في ذلك بوارنا، وقد تعلمون أن مجاورة السبع والكلب والحية والثور على طيب الوطن ونضارة العيش غدر بالنفس[20].
إحساس بيدبا بالمسؤلية نابع من حكمته وثقافته وإدراكه، بوصفه نقيضًا للجاهل، حيث ثنائية التقابل بين العارف وغير العارف، ودوره في ذلك التقابل هو رفض التماثل مع نقيضه الجاهل لإصلاح الفساد وليس التناقض لتعميق الصراع والهوة بين الحاكم والمحكوم. ولذلك فهو لا يستطيع السكوت، فالصمت على الظلم جهل. والمثقف الساكت هنا يضع نفسه موضع الجاهل، لا هو انتفع بعلمه ولا نفع غيره ممن لا يعلمون. وعليه فإن السكوت على الظلم في خطاب بيدبا مستبعد لأنه يحطُّ من قدر العالم الساكت.
الحل الثاني الجلاء عن الوطن، وهو حلٌّ غير وارد في جهاز بيدبا النظري، ولذلك لا يناقشه لبدهية سلبيته. الحل الثالث، الاستعانة بالغير؛ ذلك يعني ضياع الوطن، فمن يأتي بالمحتل لايستطيع إخراجه، ولأن استعمال العنف ومجاهدة الملك به ليس من دأب العلماء. تبقى الكلمة هي السلاح الأمضى في بيان بيدبا، وعليها يراهن تلامذته ومتلقي الصورة الكلية للبيان. يقول له تلامذته:
إن السباحة في الماء مع التمساح تغرير، والذنب فيه لمن دخل عليه في موضعه. والذي يستخرج السم من ناب الحية فيبتلعه ليخبر به على نفسه فليس الذنب للحية. ومن دخل على الأسد في غابته لم يأمن وثبته[21].
وعلى الرغم من تلك المخاطر يبادر بيدبا لتحمل المسؤلية، ويقرر مقابلة دبشليم الملك لحواره ونصحه.
في ذلك الموقف موضوعة هامة يقرها بيدبا في خطابه، وهي أن مسؤولية المثقف في مجتمعه لا تقتصر على الإدراك والملاحظة والمعرفة، بل لا بدَّ من الإقدام والتضحية لكي يحظى بتقدير العامة والخاصة بوصفه مثقفًا وفيلسوفًا وحكيمًا. يقول:
رأيت أن أجود بحياتي فأكون قد أتيت فيما بيني وبين الحكماء بعدي عذرًا. فحملت نفسي على التغرير أو الظفر بما أريده... فإنه قيل في بعض الأمثال: إنه لم يبلغ أحد مرتبة إلا بإحدى ثلاث: إما بمشقة تناله في نفسه، وإما بوضيعة[22] في ماله أو بوكس[23] في دينه، ومن لم يركب الأهوال لم ينل الرغائب[24].
د. الجدل: الجدل هو الركيزة الأساس في خطاب بيدبا، به يشكل السلاح الأمضى، ومن خلاله يفنِّد المواقف والآراء ليصل إلى الإقناع ثم التماثل المتكافئ بين المتصارعين. ولذلك نلاحظ ملامح تلك الموضوعة في كل المكونات الوظيفية في خطاب بيدبا. يبدأ بيان بيدبا بطلب بيدبا النصيحة لنفسه من تلامذته. وهي موضوعة هامة في الصورة الكلية. فهو العالم والفيلسوف والحكيم. ولكنه يدرك أن في الانفراد في الرأي نقص وضياع مهما كانت منزلة المتفرد في الرأي. وهي لا تأتي في بداية الخطاب ارتجالاً، بخاصة إذا علمنا أنها الموضوعة الصغرى التي ينتهي بها أيضًا خطابه مع الملك دبشليم حين يقابله:
الأمر الذي دعاني إلى الدخول على الملك وحملني على المخاطرة في كلامه والإقدام عليه نصيحة اختصصته بها من دون غيره[25].
وهي الموضوعة الكبرى في الصورة الكلية لكتاب كليلة ودمنة أو بيان بيدبا الكلي للمتلقي خارج النصي. وبذلك تمثل الإطار المعادل على مستوى الدلالة للحكاية الإطار، على مستوى البناء، وإليها تنتمي الوحدات الدلالية الجزئية إرجاعيًا، بوصفها مبدءًا قارًا. ولأن النصيحة إنجاز لفظي جاهز على مستوى المتن داخل النصوص الصغرى والحكاية الأم، فهي بحاجة إلى ممهدات متعددة الأنماط لإثبات صحة المنجز اللفظي دلاليًا، وذلك عبر سطوة العقل وهيمنته على الخطاب الدلالي. ومن ذلك تنبع أهمية تفنيد الأقوال والمواقف في خطاب بيدبا أمام تلامذته بوصفهم المتلقي الأول، وأمام الملك متلقيًا ثانيًا، وأمام المتلقي خارج النصي باعتباره البعد الثالث في بيان الصورة الكلية. تبرز أولى صور التفنيد في خطاب بيدبا من خلال لقائه مع تلامذته. ففي الاجتماع الأول يبين الآراء المتوقعة في آلية مواجهة ظلم الملك دبشليم، ثم يبين بطلانها ومواطن الخلل فيها ليصل إلى فسادها عبر سرد المتطلبات المتوجبة من الحكيم أمام الرعية ونتائج التخلي عن تلك الواجبات. وبالتالي، ما الذي يمكن عمله لظهور صورة الفيلسوف بأبهى أوجهها الأخلاقية والاجتماعية والتاريخية؟ ولا يتوانى بيدبا لإثبات ذلك عن الاستعانة بأقوال الفلاسفة السابقين. يقول:
إن الفيلسوف لحقيق أن تكون همته مصروفة إلى ما يحصن به نفسه من نوازل المكروه ولواحق المحذور. ويدفع المخُوف لاستجلاب المحبوب. ولقد كنت أسمع أن فيلسوفًا كتب إلى تلاميذه يقول: إن مجاورة رجال السوء والمصاحبة لهم كراكب البحر، إن هو سلم من الغرق لم يسلم من المخاوف. فإذا هو أورد نفسه موارد الهلكات ومصادر المخوفات عدَّ من الحمير التي لا نفس لها؛ لأن الحيوانات البهيمة قد خصت في طبائعها بمعرفة ما تكتسب به النفع وما تتوقى المكروه، وذلك أننا لم نرها تورد أنفسها موردًا فيه هلكتها وأنها متى أشرفت على مورد مهلك لها مالت بطباعها التي ركِّبت فيها شُّحًا بأنفسها وصيانة لها إلى النفور والتباعد عنه[26].
وحين ينجز بيدبا – لفظيًا – حكمة مجردة يسارع إلى توضيحها بحكاية، ومن ذلك قوله في خطابه لتلامذته:
على أن العقل قد يبلغ بحيلته ما لا يبلغ بالخيل والجنود[27].
فيوضح هذا القول بحكاية القبرة والفيل[28].
أما الصورة التفنيدية الثانية فقد جاءت أمام الملك دبشليم، مع الملاحظة في اختلاف منزلة المتخاطبين في الصورتين، مما يخلق تغيرًا في رتبة الحكيم بيدبا؛ ففي الصورة الأولى يتم التقابل بين (فوق/تحت) ويكون بيدبا في المعادلة في موقع "الفوق" الأقوى والأعلم، ولذلك يقول له تلامذته حين يسألهم: "أتعلمون ما أريد أن أشاوركم فيه؟ قالوا: لا"[29] وبعد أن طرح عليهم فكرته "قالوا أجمعهم:... أنت المقدم فينا... وما عسى أن يكون مبلغ رأينا عند رأيك وفهمنا عند فهمك"[30]، فبيدبا هنا يسأل ليختبر ويفند الآراء ثم يقرر.
ولكن بيدبا، في الصورة التفنيدية الثانية، في معادلة التقابل بين (الفوق = الملك/التحت = بيدبا والرعية) هو في موقع التابع وليس المتبوع، كما تنجزه الصورة البيانية وهذا يستدعي خطابًا، من بيدبا مع الملك لإنجاز القول، مختلفًا على مستوى الأسلوب والوحدات الجزئية، فرضه المقام (فوق/تحت) الجديد. فالمهمة أصعب من الأولى، لأن بيدبا يفتقر في هذه الصورة إلى سلطة (الفوق) التي يملكها دبشليم.
يدخل بيدبا على الملك دبشليم وعليه لباس البراهمة، وهي علامة تعويضية لتقوية المقام (تحت) لبيدبا، لأن البراهمة هم حكماء الهند تاريخيًا؛ وهي إشارة إلى تسلح بيدبا بالحكمة والفلسفة والعلم، وهو ما سيفرض على (الفوق = دبشليم) التفكير في طلب (التحت) وما عساه أن يكون، كما سنلاحظ. ويقدم بيدبا الفيلسوف لدبشليم الملك ما يفرضه تناقض الموقعين المتقابلين من واجب التبعية، وهو اعتراف صريح من بيدبا بوجوب طاعة الرعية للحاكم واحترامه، فـ "سجد له واستوى قائمًا، وسكت"[31].
لعلامة السكوت أكثر من وظيفة سينجز بعضها السرد على لسان بيدبا، وسينجز بعضها الآخر الراوي المتماهي بمرويه (علي بن الشاه الفارسي ودبشليم). الوظيفة الأولى أن السكوت جزء من صيغة احترام المقام الملكي وهيبته. يقول بيدبا: "إن ذلك لم يكن مني إلا لهيبته [أي الملك] والإجلال له"[32]. والوظيفة الثانية تقع في بنية السرد فعلاً تحفيزيًا لنموه من جهة، وعلامة دلالية من جهة أخرى. فهي فعل تحفيزي للسرد ينتقل من خلالها مستوى السرد من (التحت) إلى (الفوق) لرصد العالم الداخلي تجاه (التحت الحكيم) وما يمثله رصيده المعرفي والتاريخي، وهي علامة دلالية لرصد الصورة الشمولية لشخصية دبشليم. فبعد سكوت بيدبا الفيلسوف مباشرة يفكر دبشلييم الملك، أي إن الفعل ينتقل إلى (الفوق) بفعل التفكير، وهي سمة إيجابية في الصورة الشمولية لدبشليم الملك. يقول الراوي:
وفكر دبشليم في سكوته، وقال: إن هذا لم يقصدنا إلا لأمرين: إما أنه يلتمس منا شيئًا يصلح به حاله، أو لأمر لحقه فلم يكن له به طاقة. ثم قال: إن كان للملوك فضل في مملكتها فإن للحكماء فضلاً في حكمتها[33].
الحوار الداخلي لدبشليم يبين أن لباس البراهمة قام بوظيفته في تعديل المقام، أو على الأقل كان حافزًا للتفكير في أمر بيدبا الفيلسوف بأقل قدر ممكن من الاستصغار. ويتضح ذلك بشكل جلي حين يعلن الملك دبشليم جهرًا ما جاء في دخيلة نفسه. يقول لبيدبا:
إن الحكماء لا يشيرون إلا بالخير والجهال يشيرون بضده، وأنا قد فسحت لك في الكلام[34].
لا شك أن تعديل المقام والتخفيف من وطأة (التحت) كانا مشروطين من قبل دبشليم الملك بالقول الحكيم، المناقض لقول الجاهل؛ ولكنه فسح المجال أيضًا، أي إنه فتح الباب للحوار والإصغاء. وبيدبا لا يريد أن ينطق بقول الجاهل، ولا يريد أن يقول بغير الخير. وذلك أول بوادر التماثل الذي يحصل بين طرفي الصراع (الفوق/التحت).
الوظيفة الثالثة للسكوت ينجزها بيدبا الفيلسوف مقدمةً للإقناع. وهي المهمة الأصعب في الإنجاز اللفظي. ولذلك سيستجمع لها بيدبا الفيلسوف جلَّ ثقافته وحكمته، فيبدأ بتأكيد شرط دبشليم؛ إن الحكماء لا يشيرون إلا بالخير؛ الخير في الكلام إن كان لا بد منه وإلا فالسكوت فضيلة، كما يقول الحكماء والملوك في إشارة بيدبا الآتية:
قالت العلماء: الزم السكوت فإن فيه السلامة، وتجنب الكلام الفارغ فإن عاقبته الندامة. وحكي أن أربعة من العلماء ضمهم مجلس ملك، فقال لهم: ليتكلم كل منكم بكلام يكون أصلاً للأدب.
فقال أحدهم: أفضل خلة العلماء السكوت.
وقال الثاني: إن مِنْ أنفع الأشياء للإنسان أن يعرف قدر منزلته من عقله.
وقال الثالث: أنفع الأشياء ألا يتكلم بما لا يعنيه.
وقال الرابع: أروح الأمور للإنسان التسليم للمقادير[35].
تدعوا أقوال الحكماء إلى السكوت، ولكنه ليس سكوتًا مطلقًا أخرسًا، وإنما السكوت المجنب للندم والخطأ. أي لا بدَّ من الكلام، كلام العلماء والحكماء، الذي يدعو إلى الخير. وهذا تماثل آخر بين طرفي الصراع (بيدبا/دبشليم) وتحقيقٌ لشرط دبشليم الملك، وتقوية أخرى لموقع (التحت) في مواجهة (الفوق)، مما يفتح الباب ثانية لبيدبا الفيلسوف للكلام، بعد أن تحقق شرط الملك في قول الحكمة، وبخاصة أن بيدبا ربط الأقوال المأثورة بمعادل لطرفي الصراع أو المقام (فوق = أقوال الملوك/وتحت = أقوال الحكماء) ولذلك ربط بين الحكام والحكماء برابط الحكمة القائمة على دور الكلمة المتبادلة بينهما، مما لا يسمح لدبشليم الملك إلا بالإصغاء بفعل نوازع الفضول لسماع القول الحكيم. ولذلك يكرر دبشليم الملك قوله لبيدبا الفيلسوف: "يا بيدبا تكلم مهما شئت فإنني مصغ إليك"[36].
يبدأ بيدبا خطابه المباشر لدبشليم الملك بكلام الحكمة، فيقول:
إني وجدت أن الأمور التي اختص بها الإنسان من بين سائر الحيوان أربعة أشياء، وهي جماع ما في العالم. وهي: الحكمة والعفة والعقل والعدل. والعلم والأدب داخلة في باب الحكمة. والحلم والصبر والوقار داخلة في باب العقل، والحياء والكرم والصيانة والأنفة داخلة في باب العفة. والصدق والإحسان والمراقبة وحسن الخلق داخلة في باب العدل[37].
تبدأ الخصائص الأربع بالحكمة وتنتهي بالعدل. في باب الحكمة توجد الروية، وفي باب العدل يوجد الإحسان. الروية مطلب بيدبا من الملك دبشليم في اللحظة الراهنة، لكي يتم الإصغاء من قبل الملك، وينجز بيدبا مهمته. ولكن بيدبا لا يبقى في إطار المنجز من الكلام اللفظي، بل يتقدم خطوة أخرى في خطابه المباشر الممزوج بالدعاء للملك ببقاء ملكه، علامةً غير مباشرة على أنه لا يطلب زواله بل بقاءه وصلاحه. ثم ينتقل مباشرة إلى جوهر مطلبه، ولكن من خلال استرجاع ذكرى أجداد الملك دبشليم، مما لايفسح المجال لدبشليم بالإنكار أو الغضب، فهو ذم في صيغة مدح:
أيها الملك إنك في منزلة آبائك وأجدادك من الجبابرة الذين أسسوا الملك قبلك وشيدوه دونك، وبنوا القلاع والحصون، ومهدوا البلاد وقادوا الجيوش واستجاشوا العدة، وطالت لهم المدة، واستكثروا من السلاح والكراع[38] وعاشوا الدهور في الغبطة والسرور، فلم يمنعهم ذلك من استعمال الإحسان إلى من خولوه، والرفق بمن ولَّوه وحسن السيرة فيما تقلدوه[39].
في كل متوالية وظيفية يؤكد بيدبا في خطابه على الجدل. وها هو هنا يلصق، من خلال ضمير المخاطب، صفات الأجداد بدبشليم الملك "الجبابرة، أسس، شيَّد، القلاع والحصون، قادوا الجيوش،...إلخ" مما يستثير في نفس دبشليم الرغبة في التماهي بالأجداد مطلبًا للملك والرعية في الوقت نفسه. وفي ذلك تأكيد آخر على أن الرعية لا تريد زوال ملك دبشليم بل عدله وإنصافه. ولكن التماهي ناقص بفعل لفظتين في الخطاب أدخلهما بيدبا الفيلسوف في المتوالية، هما: "قبلك" و"دونك"؛ فعلى الملك، إذًا، استدراك النقص من خلال متابعة التشييد والبناء ليصبح جزءًا من تلك القوة "الجبابرة" بالإضافة إلى العدل والإحسان للرعية، لأن التشييد والبناء لم يمنع الأجداد من الإنصاف، كما يقول بيدبا الفيلسوف مستدركًا.
بعد ذلك لم يبق أمام بيدبا إلا التصريح بالنقص بدل التلميح إليه:
أيها الملك السعيد جده... قد ورثت أرضهم وأموالهم ومنازلهم [يريد أجداد الملك] ولم تقم بذلك بحق ما يجب عليك، طغيت وبغيت وعتوت[40].
لقد تخلى خطاب بيدبا في هذه المتوالية الوظيفية عن ذكر إنجازات الملك، وذلك للتركيز على النقص وتبيان خروج الملك عن الشرعية التي تحدثنا عنها سالفًا، والتي استمدها دبشليم الملك من طرفين: أجداده والرعية.
دبشليم الملك، إذًا، ورث الملك ولم يقم بواجبه. إن النفي هنا هو تصريح ضمني بنفي المقام الذي يحتله دبشليم في معادلة (فوق/تحت) لفقدانه شروط التربع في المقام. وأصبح من حق (التحت) أن يحاسب (الفوق)، وكأن المعادلة انقلبت رأسًا على عقب، فمن كان في (الفوق) أصبح في (التحت) والعكس صحيح. وهنا تنتفي سلطة (الفوق) وتبرز سلطة (التحت) ويصبح بيدبا هو الأقوى بسلطة العقل والحجة والحق.
بذلك تتوضح الصورة الكلية، في بيان بيدبا، التي تحرض على عمل العقل والحوار، وتركز على دور الكلمة ودور المثقف والحكيم والفيلسوف في مجتمعه. وتصبح تلك الصورة الكلية في البيان هي الأولى، وهي في معادلة الرتبة في (الفوق) مهما أبدت الصورة البيانية الظاهرية من تمويه.
3.    التماثل المتكافئ "تحول الصراع":
يشكِّل "التماثل المتكافئ" حكمة بيدبا في بيانه الكلي[41]. فإيمانه بدور العقل والحوار يحيل الصراع بين طرفين، مهما كانا متناقضين، إلى التصالح والتماثل. ولكن الوصول إلى تلك النتيجة يحتاج من (التحت) إلى الحكمة والتضحية والخبرة، بالإضافة إلى كل ما لاحظناه من سمات في بيان بيدبا الشمولي.
وعلى الرغم من ذلك يبقى التماثل مشروطًا بالصورة الشمولية أيضًا للطرف النقيض (الفوق) وقبوله بمنطق (التحت). ولم يغب ذلك عن بيدبا الفيلسوف، أو بالأحرى عن ابن المقفع، ولذلك تظهر المتواليات الوظيفية الموحية بإمكانية التحول إلى التماثل المتكافئ مبكرة في الحكاية الإطار، من خلال الصورة الشمولية لدبشليم الملك. وسوف نمثل لذلك بمتواليتين: التفكير "التأمل" والفعل "الإنجاز".
أ‌.       التفكير "التأمل": حين دخل بيدبا على الملك وسجد له واستوى قائمًا وسكت، فكر دبشليم الملك في سكوته. والتفكير علامة الحكماء. وبيدبا يدفع الملك إلى التفكير، أي إلى الأخذ بسلاح بيدبا في الصراع، وبالتالي يجرده من سطوة (الفوق) المتمثلة بقوة السلطة؛ فيتساوى طرفا المعادلة من حيث السطوة، ويصبح الحوار مهيمنًا على العلاقة، وبذلك تكون الغلبة للعقل والجدل، أي لبيدبا الفيلسوف.
يقول دبشليم الملك مفكرًا:
إن الحكماء أغنياء عن الملوك بالعلم، وليس الملوك بأغنياء عن الحكماء بالمال. وقد وجدت العلم والحياء إلفين لا يفترقان... ومن لم يستح من الحكماء ويكرمهم ويعرف فضلهم على غيرهم ويصنهم عن المواقف الواهنة وينزههم عن المواطن كان ممن حرم عقله وخسر دنياه وظلم الحكماء حقوقهم وعدَّ من الجهال[42].
التفكير المبكر من قبل دبشليم علامة موطئة لإمكانية حدوث التماثل بين الطرفين، خاصة أن دبشليم الملك ربط بين ظلم الحكماء والجهال، وهو الذي اشترط فيما بعد على بيدبا أن يتكلم بكلام الحكماء وليس الجهال.
ولا ينتفي التفكير، مع تقدم السرد، عن دبشليم الملك؛ فبعد أن يأمر بقتل بيدبا وصلبه، يميل إلى تخفيف الحكم إلى السجن، ثم يصاب بالأرق، ويعيد التفكير في كلام بيدبا الفيلسوف، ويسترجع أقوال العلماء:
أربعة لا يجب أن تكون في الملوك: الغضب فإنه أجدر الأشياء مقتًا، والبخل... والكذب... والعنف في المحاورة[43].
تبدأ السمات الأربع في قول العلماء بـ"الغضب" وتنتهي بـ"العنف في المحاورة"، وفي ذلك تركيز على ما بدر من الملك دبشليم تجاه بيدبا الفيلسوف، وعودة غير مصرح بها عن حكم القتل والصلب والسجن. فالغضب ممقوت، وهذا ما صدر منه. والعنف في المحاورة ليس من صفات الملوك، ودبشليم الملك لم يتقبل المحاورة وعاقب بيدبا؛ والمنطق الجدلي في ذلك يقضي بإنجاز العدل، والعدل هو مطلب بيدبا في بيانه الشمولي.
ب‌.  الفعل "الإنجاز": أنجز بيدبا مهمته في الإقناع وأعاد دبشليم الملك إلى سماع صوت العقل والحكمة والعدل. وخرج بيدبا الفيلسوف من السجن منتصرًا بأمر الملك:
يا بيدبا إني قد استعذبت كلامك وحسُن موقعه في قلبي، وأنا ناظر في الذي أشرت به وعامل بما أمرت. ثم أمر بقيوده فحلَّت، وألقى عليه من لباس الملوك، وتلقاه بالقبول [وقال]: لقد وليتك في مجلسي هذا جميع أقاصي مملكتي، وأحببت أن تضع لي كتابًا بليغًا تستفرغ فيه عقلك، يكون ظاهره سياسة العامة وتأديبها على طاعة الملك، وباطنه أخلاق الملوك وسياستها للرعية[44].
تحول دبشليم الملك بذلك الفعل من ملك طاغية إلى ملك عادل، وتحقق حلم بيدبا في التماثل المتكافئ بين الحاكم والمحكوم، من خلال العلاقة التي أنشأها القول الحكيم بينهما بفعل العقل والحوار والإقناع والكلمة الفاعلة.
الوحدات البنائية في النص
أ‌.       الوحدات الإسنادية:
تبدأ الحكاية الإطار بجملة استهلالية تحدد الراوي والفضاء والمسترجع زمنيًا: "قال علي بن الشاه الفارسي بن سجوان:... كان... أن الإسكندر ذا القرنين". الراوي محدد بثلاث سمات: الاسم: علي بن الشاه الفارسي، والجنسية: الفارسي، والزمن: ما بعد سنة 579 م لأن ملك الفرس كسرى أنوشروان، الذي أمر بنقل الكتاب من خزائن الهند، عاش ما بين عامي 531 – 579 م، ومن البدهي أن الراوي الذي يسترجع أحداث الماضي عاش بعد ذلك التاريخ، من دون تحديد دقيق، لأنه شخصية إسنادية إخبارية متخيلة، لا أثر على وجودها موضوعيًا، وحضورها ذو وظيفة تأطيرية استهلالية في البنية السردية لكي تدخل من خلاله الحكايةُ الإطار بوابة المتلقي ضمن إطار تقاليد الإسناد في فن الخبر، ليس في الثقافة العربية فحسب، بل عند جميع الشعوب التي أنتجت السرود الحكائية.
إن الجوهر المبدئي للسرد الذي يريد أن ينجزه ابن المقفع في كتابه كليلة ودمنة يكمن في الحكاية الإطار. أما الحكايات المضمَّنة أو المتفرعة منها ما هي إلا تنويعات و إبدالات لذلك المبدأ الجوهري في السرد. وبالتالي يكون لدينا حكاية كبرى عنوانها بيان بيدبا أو حكاية بيدبا والملك دبشليم، وحكايات متفرعة هي جزء تنويعي على مستوى الوظيفة والبناء والنمط، مهمتها استكمال الحكاية الإطار وإغناؤها.
"الحكاية الأم"، إذًا، هي المخولة بحمل جملة الاستهلال السردي ومبدأ الإسناد الخبري، فبها يبدأ السرد. ولا سرد من دون إسناد في ثقافة التخييل، لأنه حامل المشروعية السردية ورسالة التخييل؛ ما لا حقيقة له "قصة دبشليم وبيدبا" وما لا وجود له "الراوي علي بن الشاه الفارسي"[45].
ولكن أهمية وجود مبدأ الإسناد تتجاوز ذلك التوصيف الباحث عن الوقائع الموضوعية إلى توصيف المنجز نصيًا بغاية تصديقه إخبارًا قابلاً للحياة والتلقي والتأويل.
من هذا المنطلق، في الجوهر المبدئي للسرد في الحكاية الإطار ومن وظيفة التنويع والإبدال للحكايات المضمَّنة، يغدو منطقيًا أن تكتسب الحكايات المتفرعة مشروعيتها الإسنادية من خلال انتمائها التنويعي والإبدالي للحكاية الإطار، التي تقوم بدورها في تأطير المتفرعات وإكسابها الإسناد الخبري ومشروعيته، من خلال إسنادها إلى راوٍ وفضاء محددين. ولإنجاز تلك المشروعية بُدء بـ "قال علي بن الشاه" الذي أخبر بصيغة الماضي "كان" عما وقع في زمن الإسكندر من غزو لبلاد الهند، أتبعه ظهور الملك الطاغية دبشليم، حيث يبدأ تشكل خطابه في الوحدة الثانية من النص.
ب‌.   التناسل:
بدأ التناسل، تفريعًا حكائيًا، بشكل مبكر داخل الحكاية الإطار، حين اجتمع بيدبا بتلامذته لاستشارتهم في أمر دبشليم الملك فطرح عليهم الحكمة الآتية:
المتفرد برأيه حيث كان، فهو ضائع، ولا ناصر له. على أن العاقل قد يبلغ بحيلته ما لا يبلغ بالخيل والجنود.
ومثل بيدبا لذلك بحكاية القبرة والفيل[46]. وهي حكاية تأخذ مشروعيتها الإسنادية من وظيفتها التفسيرية للمنجز اللفظي المجرد "الحكمة" الذي أطلقه بيدبا أمام تلامذته، وليس من صيغة الإسناد الخبري كما في الحكاية الإطار.
جـ. ثنائية التقابل:
تقضي ثنائية التقابل، كما لاحظنا في الوحدات الوظيفية، إلى انتصار العقل في الصورة الكلية، ممثلاً ببيدبا الفيلسوف (التحت). ويوازيه الإنجاز السردي على مستوى المساحة السردية المنجزة لفظيًا. فالمساحة التي يسودها الحديث عن دبشليم محدودة الأسطر بالقياس إلى المساحة التي سيملؤها فعل بيدبا الفيلسوف. وهي موازاة غير متكافئة من حيث الرتبة في الصورة البيانية للثنائية التقابلية، لأن موازاة المساحة بالرتبة تقتضي أن يحتل دبشليم الملك (الفوق) المساحة الأكبر في السرد. وهذا غير متناقض وإن بدا متناقضًا ظاهريًا، لأن المعادلة الثنائية قد انقلبت في تحول الصراع، وجُرِّد (الفوق) من سلطته القامعة، وأُفسِح المجال للحوار سلطةً فعَالة؛ ولأن العقل سلاح الحكيم (التحت) أصبح هو من يمتلك الفعل والمبادرة.
إن قلب الرتبة يمثل انتصارًا وظيفيًا وبنائيًا على مستوى السرد لبيدبا. وهذا يستوجب امتلاء السرد، إنجازًا لفظيًا، بخواصه وإمكاناته، من خلال ثنائية تقابلية موازية، يمثل قطبيها الفعل (الفوق) ورد الفعل (التحت). الفعل من إنجاز بيدبا، ورد الفعل من قبل دبشليم الملك. الفعل، ممثلاً ببيدبا، منفتح على الآخر، يشاور ويحاور ويسترجع المخزون الثقافي والتجربة السابقة للفلاسفة والملوك، ويبادر بالدخول على الملك، فعلاً إجرائيًا لكسر طوق الظلم. بينما نلاحظ أن رد الفعل، ممثلاً بدبشليم الملك، محاصر بنظامه وسلطته، منغلق على الآخر، لا يحاور، منقطع عن الماضي والتجارب السابقة، ولا يرتبط بعلاقة ما إلا من خلال سلطته، أي دائرته المغلقة، مما يخلق منه حالة ضعيفة، قابلة للاختراق، لايقوى إلا على رد الفعل؛ ولذلك لا مساحة له في السرد إلا في صورتين: التفكير الداخلي والإصغاء. والفعلان هما رد فعل على الفعل (الفوق) الذي سينجز الحكي بوصفه فعلاً خلاقًا، من خلال الإقناع، عبر الأمثلة والحكايات والخبرة الواسعة في شؤون السياسة.
د. الصورة البلاغية:
ثلاث صور بلاغية تشكل طبيعة السرد في الحكاية الإطار، هي:
1. السرد الإخباري: ينجزه علي بن الشاه الفارسي. ويتمثل بالوحدة الإسنادية، وفي مواقع التمفصل الحكائي بين الوحدات الوظيفية.
في الوحدة الإسنادية يهيمن الفعل الماضي على الخبر لوظيفته الترجيعية "كان... أن الإسكندر" و"كان على الهند" و"كان ذو القرنين". وبين مواقع الفعل "كان" تدخل مجموعة من الأفعال الماضية لتفصيل وقائع "كان" وملء الفراغ القصصي في السرد الإخباري: "وضع. فرغ. كانوا. سار. فلم يزل. ظهر. قهر. تغلب. عاداه. تفرقوا. تمزقوا. توجه... إلخ".
ولأن الراوي يروي سيرة فرد ملحمي بطولي أسطوري، فإنه يأخذ ببلاغة السرد الملحمي في الملاحم العربية، القائمة على محسنات المشابهة والمجاورة. ومن تلك الصور الوظيفية تصوير القادة العسكريين وإعداد العدة للحرب، وتصوير المعارك بما يدعم التخييل البطولي. يقول الراوي في وصف أفعال الإسكندر وتعاقبها وانتصاراتها الكبيرة: "فلم يزل يحارب من نازعه ويواقع من واقعه ويسالم من وادعه"[47] إنه يكثف الفعل الانتصاري من خلال التركيز على البنية الإيقاعية للجمل. ويقول في وصف ملك الهند المقابل للإسكندر في حربه:
كان على الهند في ذلك الزمان ملك ذو سطوة وبأس ومنعة ومراس... فلما أقبل [ذو القرنين] نحوه تأهب لمحاربته واستعد لمجاذبته... وجمع له العدة في أسرع مدة من... السيوف القواطع[48].
وكما في الملاحم الشعبية يلجأ الراوي إلى علامات ملحمية في فتح الحصون المنيعة على السيف ممثلة بالحيلة، وهذا ما يقوم به الإسكندر حين يعجز عن فتح حصون الهند. وكذلك المبارزة الفردية بين قادة الجيوش. فهنا تبرز الصورة البلاغية المثيرة لمتعة التلقي:
فبرز إليه الإسكندر، فتجاولا على ظهري فرسيهما ساعة من النهار ليس يلقى أحدهما من صاحبه فرصة ولم يزالا يتعاركان. فلما أعيا الإسكندرَ أمْرُه... أوقع ذو القرنين في عسكره صيحة ارتجت لها الأرض والعساكر، فالتفت "فَوْر" عندما سمع الزعقة وظنها مكيدة في عسكره فعاجله ذو القرنين بضربة أمالته عن سرجه، وأتبعها بأخرى فوقع إلى الأرض[49].
أما تدخُّل الراوي الإخباري في الربط بين الوحدات الوظيفية فهو بغاية تنسيق السرد وتنظيمه بحيث يؤدي إلى نموه واطراده وتنظيم الحوار. ويتدخل كذلك لوصف ما يجول في خاطر الملك من أفكار. وكذا في بداية اللقاء، بين بيدبا الفيلسوف ودبشليم الملك، وبعده.
2. الخطاب الإنشائي: يرتبط الخطاب الإنشائي، في السرد، بالملك دبشليم المحاصر بدائرته المغلقة على ذاته وسلطته؛ مما يؤكد الحيرة والتساؤل والتعجب من طارق بابه وخطابه، أي من خطاب (التحت). فاستصغار (الفوق) للـ(التحت) في ثنائية التقابل يولد المفارقة في شكل الخطاب، ويولد الغرابة والإنكار من سلطة (الفوق).
فكر دبشليم في نفسه بعد أن دخل عليه بيدبا، وقال:
إن هذا لم يقصدنا إلا لأمرين. إما أنه يلتمس منا شيئًا يصلح به حاله، أو لأمر لحقه فلم يكن له به طاقة... ثم رفع رأسه إلى بيدبا وقال له: نظرت إليك يا بيدبا ساكتًا لا تعرض حاجتك ولا تذكر بغيتك، فقلت: إن الذي أسكته هيبة ساورته أو حيرة أدركته. وتأملت فقلت: لم يكن لبيدبا أن يطرقنا على غير عادة إلا لأمر حركه إلى ذلك... فهلا نسأله عن سبب دخوله؟ فإن يكن...[50]
ويتكرر الخطاب الإنشائي ثانية مع دبشليم الملك. وهما الموقعان اللذان يشكلان في السرد المساحة المحدودة لدبشليم بعد أن يتكلم بيدبا ويفتح خطابه المختلف، المولد للمفارقة بين ما يطلبه (الفوق) من (التحت) موضوعيًا وبين ما ينجزه السرد. يقول دبشليم:
لقد تكلمت بكلام لا أظن أحدًا من أهل مملكتي يستقبلني بمثله، ولا يقدم على ما أقدمت عليه، فكيف أنت مع صغر شأنك وضعف منتك[51] وعجز قوتك؟! ولقد أثرت إعجابي في إقدامك علي وتسلطك بلسانك فيما جاوزت فيه حدك، وما أجد شيئًا في تأديب غيرك أبلغ من التنكيل بك[52].
ولكن خطاب دبشليم المنجز على سوية "رد الفعل" لا ينبتُّ بشكل مطلق عن خطاب بيدبا الحكيم؛ فالتحول المنجز على مستوى الوحدات الوظيفية في السرد ينعكس في أسلوب خطاب دبشليم على مستوى البناء. فالتفكير، علامةً دلالية في الصورة الشمولية لدبشليم، يدفع الملك إلى خطاب الحكماء؛ أي إلى خطاب بيدبا. وهو تواز في الوظيفة والبناء، واتساق مع التحول الذي حصل في ثنائية التقابل (الفوق-التحت).
يقول دبشليم، مفكرًا في سكوت بيدبا بعد أن أنهى خطابه الإنشائي:
إن كان للملوك فضل في مملكتها فإن للحكماء فضلاً في حكمتها أعظم[53].
وفي لحظة التفكير الثانية يقول:
لقد أسأت فيما صنعت... وقد قالت العلماء: أربعة لا ينبغي أن تكون في الملوك: الغضب فإنه...[54]
إن ذلك التداخل، في خطاب دبشليم، بين الإنشائية والتقريرية الموجزة والمكثفة، هو شكل من التماهي، ينجز، أسلوبيًا على لسان دبشليم، توازيًا مع التماهي الذي وقع على مستوى التقابل بين (الفوق) و(التحت). فعودة دبشليم من الخطاب الانفعالي ورد الفعل إلى الخطاب الحكمي، على مستوى الأسلوب، هو تجل وتجسيد لعودة دبشليم إلى صوت العقل والحوار والتماثل مع بيدبا الحكيم لتوازي القوى بين (الفوق) و(التحت) حيث تسود سلطة واحدة هي خطاب بيدبا الفيلسوف.
3. الخطاب الحجاجي: يتميز خطاب بيدبا بالوضوح والبيان، وبالتفصيل والشرح. تتداخل فيه الحكايات والأمثال والأقوال والعبر بغاية حجاجية تهدف الى الإقناع وسيلةً لإنجاز التماثل بين (الفوق) و(التحت)، إذ لا بدَّ من إغلاق دائرة الإقناع على (الفوق) لكي يسقط سلاحه السلطوي ويتبنى سلاح (التحت) كي يحصل التوازي فالتماثل.
من هذا المنطلق تتناسل الأقوال المأثورة في خطاب بيدبا، كما تتناسل الحكايات المضمَّنة، وتنجَز الحكمة، مكثفة ومفصلة أحيانًا، بلغة إخبارية مرة وبلغة إنشائية مموسقة مرة ثانية، لما لتلك الإيقاعات من وقعٍ على المستمع وقوة تأثير فيه.
ومن السؤال والجواب ينشأ جدل حجاجي لا يترك للمتلقي دبشليم سلطة غير السلطة المنجزة في الخطاب الحجاجي. ولذلك نلاحظ أن خطاب بيدبا وحده هو الذي يعاد استرجاعه بتفصيل وتأمل مرتين: الأولى في الحكاية الإطار، من خلال طلب دبشليم
يا بيدبا أعد علي كلامك كله ولا تدع منه حرفًا واحدًا. فجعل بيدبا ينثر كلامه والملك مصغ إليه[55].
والثانية من خلال الحكايات المضمنة التي سيحكيها بيدبا في كتابه فيما بعد على صورة الجدل الحجاجي؛ السؤال من قبل دبشليم والجواب من قبل بيدبا؛ أي عبر المعادلة ذاتها؛ بيدبا ينثر الكلام ودبشليم يصغي إليه.
الحكاية المضمَّنة في كليلة ودمنة
ذكرنا، سابقًا، أن القصة المضمنة هي تنويع وإبدال للقصة الإطار، تتناسل من رحمها لتكمل بناء الصورة الكلية عبر إعادة إنتاج مكوناتها السردية ومضمونها الدلالي، من دون أن تفقد خصوصيتها السردية المتموضعة في النمط والموضوع. يقول تودوروف:
إن القصة المتضمَّنة إنما هي قصة لقصة؛ فحين تحكي قصة قصة أخرى فإن الأولى تبلغ مضمونها الخفي، وتفكر في الوقت ذاته بنفسها في هذه الصورة[56].
ومن صفتي الإبدال والخصوصية تتشكل علاقة الحكاية المضمنة بالحكاية الإطار. فهي ليست نسحة أخرى منها، وإنما تتجاذب معها الأهمية بحيث لا تستطيع الحكاية المضمنة أن تلغي الحكاية الإطار والعكس صحيح. وأهمية كل منهما تنبع من رفدها الأخرى بمقومات الاكتمال؛ فالحكاية الإطار تشكل المحيط السردي الذي تنتمي إليه الحكاية المضمنة، والأخيرة تملأ الفراغ الجزئي المشكِّل، بإبدالاته، الصورة الكلية. ولكننا نبقى مع ذلك:
خارج الأصل ولا نقدر أن نفكر فيه. فالقصة المتمَّمة ليست أكثر أصالة من القصة المتمِّمة، ولا العكس. إذ كل واحدة تحيل على الأخرى وذلك في سلسلة من الانعكاسات التي لا تستطيع أن تأخذ نهاية إلا إذا أصبحت أبدية[57].
تبدأ الحكاية المضمنة في كليلة ودمنة من الصفحة الأولى بعد حصول التماثل المتكافئ بين دبشليم الملك وبيدبا الفيلسوف، حيث يضع بيدبا كتابه بناء على طلب الأول، ويقسمه إلى أبواب نوجزها بعد دمجها في حدود الحكاية المضمنة بـ14 حكاية كبرى، تتفرع منها 38 حكاية صغرى وجزئية وفرعية. فيكون مجموع الحكايات المضمنة في كليلة ودمنة 53 حكاية. نستثني من ذلك حكاية القبرة والفيل المضمَّنة داخل الحكاية الإطار؛ لأنها خارج الحكي الذي أنجزه بيدبا بعد طلب دبشليم، بالإضافة إلى أنها تشكل جزءًا من مكونات البناء السردي للحكاية الإطار. وعليه فإن الحكاية المضمنة تنجز على مستويات من التصنيف، هي:
1. الحكاية المضمَّنة الكبرى، وعددها 14 حكاية.
2. الحكاية المضمنة الصغرى المتناسلة من الحكاية الكبرى، وعددها 32 حكاية.
3. الحكاية المضمنة الجزئية المتفرعة من الصغرى، وعددها 6 حكايات.
4. الحكاية المضمنة الفرعية المتناسلة من الحكاية الجزئية الصغرى، وهي حكاية واحدة.
وفق ذلك فإن الصورة الكلية تتشكل من خمس مستويات سردية.
قواعد ضبط التفرع الحكائي:
إن قواعد ضبط التفرع الحكائي هي واحدة في المستويات السردية الخمسة، وجميعها تتغذى من مكون سردي قار أنجزته الحكاية الإطار، وهو سؤال الملك دبشليم وجواب بيدبا الفيلسوف؛ أي البحث عن المعرفة. فبعد أن يحل التماثل المتكافئ – كما ذكرنا – بين الملك والفيلسوف يطلب دبشليم من بيدبا وضع كتاب كليلة ودمنة، وهو طلب مبني على الرغبة في المعرفة، وعلى طلب الحكمة من صاحبها؛ مما يستدعي طلب توضيح الغاية من ذلك الكتاب من قبل بيدبا الفيلسوف. وتوضيح الغاية يتكفل بها سؤال الملك دبشليم عن قضية من القضايا في كل جواب من أبواب الكتاب الذي ينجز حكاية من حكايات المستوى السردي الثاني. وهكذا يصبح السؤال وجوابه المحفز السردي التناسلي الذي يظهر مع كل تفريع حكائي في المستويات الأربعة بعد أن تشكله الحكاية الإطار مكونًا سرديًا محفزًا.
في المستوى السردي الثاني يطرح الملك دبشليم 14 سؤالاً، ويوجز بيدبا الجواب بحكمة أو قول أو نصيحة. ثم يبدأ بسرد الحكاية المضمنة الكبرى. ووصفناها بالكبرى لأنها تشكل حكاية إطارية من الدرجة الثانية، تتفرع منها حكايات المستوى السردي الثالث. فتسع حكايات منها – ذكرنا أن عددها 14 حكاية – تتفرع إلى حكايات صغرى في المستوى السردي الثاني، وكذا في بقية المستويات السردية. ونمثل لذلك بحكاية الحمامة المطوقة[58] في المستوى السردي الأول، لتفرعها حكائيًا في المستويات السردية الأربعة بعد الخروج من الحكاية الإطار.
نسجل بدايةً الحافز السردي (السؤال) في المستويات السردية الأربعة للحكاية ثم نحلله:
1. قال الملك دبشليم لبيدبا الفيلسوف:
حدثني، إن رأيت، عن إخوان الصفاء، كيف يبتدئ تواصلهم ويستمتع بعضهم ببعض... قال الفيلسوف: إن العاقل لا يَعدل بالإخوان شيئًا. فالإخوان هم الأعوان على الخير كله، والمؤاسون عندما ينوب من المكروه. ومن أمثال ذلك مثل الحمامة المطوقة والجرذ والظبي والغراب، قال الملك: وكيف كان ذلك؟ قال بيدبا: زعموا أنه كان...[59]
2. قالت السلحفاة للغراب: "ما ساقك إلى هذه الأرض؟"[60]. السؤال يمهد لسرد حكاية المستوى السردي الثالث، حكاية الجرذ والناسك[61].
3. قال الضيف للناسك: "لقد ذكرتني قول الذي قال: لأمرٍ ما باعت هذه المرأة سمسمًا مقشورًا. قال الناسك: وكيف كان ذلك"[62] السؤال يمهد لسرد حكاية المستوى السردي الرابع، حكايةالمرأة والسمسم[63].
4. قال الرجل لزوجته: "لا تندمي على شيء أطعمناه وأنفقناه، فإن الجمع والادخار ربما كانت عاقبته كعاقبة الذئب. قالت المرأة: وكيف كان ذلك"[64]. السؤال يمهد لسرد حكاية المستوى السردي الخامس، حكاية الذئب ووتر القوس[65].
نشير أولاً إلى حضور وحدة قارة متكررة في تلك المحفزات، وهي السؤال المختصر: "وكيف كان ذلك؟" أي السؤال الذي يقتضي جوابًا أو تفرعًا حكائيًا، باعتبار أن الجواب الذي أنجزه بيدبا في بداية السرد كان حكائيًا.
بعد ذلك يظهر الاختلاف في المحفزات السردية. ففي الحكاية الإطار حكاية دبشليم الملك وبيدبا الفيلسوف ينتهي الصراع إلى فضول دبشليم في المعرفة. وتفرض طبيعة هذا الفضول على الفيلسوف الإفاضة في الشرح، كما يقتضي إقناع دبشليم بحسن سياسة الرعية من بيدبا أيضًا الشرح والتفصيل. وتتطلب الإفاضة والشرح والتفصيل، إلى جانب الرغبة في الإقناع، الإثبات والبرهان عبر الحكمة والحكاية والقول والتفسير. وهذا بمجمله يثير في نفس دبشليم أسئلة لامتناهية لعدم تناهي المعرفة، وإن كان كتاب كليلة ودمنة قد حصرها في 14 سؤالاً، يفرض على بيدبا سرد حكاية مضمنة كبرى تتضمن تفرعًا حكائيًا إلى حكايات صغرى. وذلك إلى جانب التعليق والشرح وإيراد الأقوال والأمثال؛ بخاصة أن سؤال دبشليم الملك، كما نلاحظ في المحفز رقم 1، لا ينجز سؤالاً مختصرًا عن أمر محدد وضيق، أو عن واقعة صغيرة تحدد حجم السرد، وإنما يشير إلى الرغبة في الإصغاء من قبل دبشليم الملك إلى حديث مطول في قضية كبرى، فيستعمل الفعل "حدثني"، و"حدث"، لغةً، تمتلك خواص الجديد والمبتدع والمسامرة[66] وتثير في الذهن مخزون الإرث الشفوي وما فيه من أسئلة تطالب الراوي بسرد حكاية عجيبة وغريبة.
ولكن السؤال يبقى ذا محدودية في حجم ما يتطلبه من سرد على الرغم من ذلك، قياسًا بالطلب المركزي في الحكاية الإطار؛ لأنه يتضمن سؤالاً تناسليًا غير منته إلا بانتهاء القضايا التي يمكن أن تطرح، وهذه مسألة غير متناهية، ولكن ابن المقفع حددها بكتاب فيه 14 سؤالاً وجوابًا.
ثم تتلاشى محدودية السؤال قياسًا بسؤال المستوى السردي الثالث على لسان السلحفاة للغراب وما ساقه إلى هذه الأرض. الإجابة هنا منوطة بالدوافع المحركة لانتقال الغراب، فنلاحظ محدودية الواقعة وإمكانية انفتاحها على أكثر من حكاية في الوقت نفسه، وإن اُنجزتْ ستكون مرتبطة بالسمة الأولى، أي المحدودية. ولذلك فإن حكاية الجرذ والناسك قابلة للتفرع الحكائي والانفتاح على المستوى السردي الرابع. وهذا ما يكون مع المحفز السردي الثالث حول لماذا باعت المرأة سمسمًا مقشورًا بغير مقشور. والسؤال هنا، بمكوناته الدلالية المحددة، يضيق السرد، بل يكاد يوقف التفرع الحكائي لولا الطبيعة التوالدية الفائقة للحكاية الشعبية التي أنجزت حكاية الذئب ووتر القوس في المستوى السردي الخامس، عبر حالة التداعي الداخلي. وإذا توقف التداعي توقف السرد، كما نلاحظ في الحكايات غير المتفرعة في المستوى السردي التالي لمستواها.
إن تكرار السؤال: "وكيف كان ذلك؟" الذي أطلقه دبشليم على بيدبا بصورة واسعة في الحكاية الإطار عبر طلبه المتمثل في وضع الكتاب، أو عبر أسئلة مباشرة في حكايات المستوى السردي الثاني، إن تكرار السؤال كان أول صور التحفيز على التنويع والإبدال، من خلال الحكاية المضمنة، بوصفهما وظيفتين مركزيتين في الحكاية المفرَّعة؛ لأن تكرار السؤال يعني أن بيدبا لم ينجز بعد مهمته أمام الملك دبشليم، بوصفه المروي له الأول. كما أن بيدبا لم ينجز بعد مهمته أيضًا أمام المتلقي خارج النصي بوصفه المروي له غير المتناهي وباعتباره الغاية القصوى من البيان بصورته الكلية.
وبذلك لا يكون السؤال "وكيف كان ذلك؟" مجرد عبارة تدرج الوظائف في السياق الحكائي، كما يرى البعض إذ يقول: "غالبًا ما تدرج [...] الوظائف في السياق الحكائي بعبارات من قبيل: وكيف كان ذلك؟"[67]. و إنما هي صيغة سردية وبنية محفِّزة تؤكد على وظيفتي التنويع والإبدال وتندرج عميقًا في البناء السردي لتمثل الصورة الكلية لنمط الحكاية المتفرعة. وهي، بنيويًا، أشمل من الوظائف الفرعية المنوطة بالتسلية والعبرة[68] أو تفسير السببية الحكائية. كذلك هي في بيان بيدبا، باعتباره نصًا تنجِز دلالتُه تحفيزًا للبحث عن المعرفة، وتولد بنيته تفرعًا حكائيًا غير منتهٍ.
ويؤكد هذا الدور البنيوي للسؤال، على مستوى البناء السردي، والدور المعرفي، على مستوى الدلالة، ما تقدمه الحكاية المضمَّنة، على مستوى التنويع والإبدال، من تنوُّع لمركزية الجدل أو العقل في بيان بيدبا عبر هيمنة إبدالات متنوعة، مثل "الحيلة" و"الحوار" وكل ما يفضي إلى انتصار العقل بدلالته. ويمثَّل ذلك بشكل جلي في حكايات المستوى السردي الثاني (انظر جدول المستويات السردية) المتناسل مباشرة من الحكاية الإطار؛ ففيه 14 سؤالاً يطلب الحكمة من بيدبا الفيلسوف، باستثناء ثلاث حكايات هي حكاية الملك والطير فنزة والناسك والضيفوالحمامة والثعلب يستهلها بيدبا بالحكمة ثم يتبعها بسرد الحكاية. كما أن الحكايات جميعها تمجد دورًا للعقل والحكمة في التصرف والتدبر، فتنتصرلصاحب العقل وتهزم من يلغيه في تدبر شؤونه. ونمثل لتلك الدلالة بحكاية ابن الملك وابن الشريف وابن التاجر وابن الأكار[69] ففيها جماع أفرع الحكمة في التصرف على اختلاف الآراء والبيئة والفئة.
تنقسم الحكاية إلى ثلاثة أقسام:
1.    السؤال: ينجَز على مستويين من قبل دبشليم الملك. في المستوى الأول يطلب حديثًا مفصَّلاً عن دور العقل في حياة الإنسان. وفي الثاني يوجز القول: "وكيف كان ذلك؟" طلبًا للحكاية.
2.    جواب دبشليم: حكمة موجزة، ينجز فيها الدلالة مجردة من التشخيص.
3.     نص الحكاية: زعموا أن...
ينهض (1) و(2) بإنجاز المحفز القار في الحكاية الإطار، وتتكفل (3) بالشرح والتفصيل والتشخيص. ولا ننسى أن السؤال كان عن دور العقل في حياة الإنسان؛ ولذلك مثل بيدبا بأربعة آراء من خلال أربعة مواقع اجتماعية:
1.    ابن الملك: مؤمن بالقضاء والقدر، ولا يعني ذلك نفيه عن الآخرين، أو نفي دور العقل من إيمان ابن الملك.
2.    ابن التاجر: مؤمن بأن العقل أفضل شيء.
3.    ابن الأكَّار: يؤمن بأن الاجتهاد في العمل أفضل شيء.
4.    ابن الشريف: يؤمن أن الجمال أفضل ما ذكر.
حين يبحث كل من الأربعة عن رزقه، يتمايز الأشخاص وفق ما جنوه، ويكون الترتيب على الشكل الآتي:
1.    ابن الملك = القضاء والقدر.
2.    ابن التاجر = العقل.
3.    ابن الشريف = الجمال.
4.    ابن الأكار = الاجتهاد في العمل.
إن الاختيارات الأربعة هي جماع ما يمكن أن يعتمد عليه الإنسان في حياته. وهذا يعني أن على الفرد أن يأخذ بها جميعًا؛ إذ لا يمكن الاستغناء عن اعتقاد من ذلك باعتباره خيارًا مذمومًا، فكل خيار من الخيارات (1، 3، 4) هو رديف العقل وإبدال له. فالإيمان بالقضاء والقدر ركيزة العاقل في إيمانه، والإيمان سمة العاقل، ولذلك قال الشيخ لابن الملك بعد تنصيبه ملكًا: "الذي بلغ بك ذلك وفور عقلك وحسن ظنك". وذلك يعني أن صاحب العقل كان صاحب الحظ الأوفر في الجني. وذلك بعد أن تماثل ابن الملك وابن التاجر في المحصلة، فقد أصبح ابن الملك ملكًا وابن التاجر وزيرًا له. وأما الجمال فهو حسن الحضور باعتباره معادلاً للحسن المعنوي. ونقيضه القبح المذموم، وهو معادل للقبح الداخلي كما تعكسه الحكايات الشعبية[70]. والاجتهاد صنو العاقل؛ لأن العاقل المؤمن لا يتكاسل ولا يتوانى عن الجد والعمل. بل إن العمل والإيمان علامتان للنجاح. فالخصال الثلاث: الإيمان بالقضاء والقدر والاجتهاد والجمال إبدالات للعقل، تتضافر معه لتشكل الكينونة الاجتماعية المثلى للإنسان.
إن الصراع بين الملك دبشليم وبيدبا الفيلسوف هو، في عمقه الدلالي، صراع بين الإصلاح والفساد، وبين التعاون والتفرقة، وبين المشورة وحسن التدبير والدفاع عن الحق من جهة والتفرد في الرأي والظلم من جهة أخرى، وبين الوفاء والغدر، وبين الغضب والحلم، وبين إعمال العقل وتعطيله... كل تلك ثنائيات تقابلية تشكل تنويعات وإبدالات لمركزية الصراع في الحكاية الإطار تنجزها الحكاية المضمنة.
وقد لا نجد في جميع الحكايات المضمنة صراعًا ينهض على ثنائية تقابلية مشخصة، كما في الحكاية الإطار؛ لأن التشخيص ليس غاية بحد ذاته في بيان بيدبا، وإنما وسيلة تخييلية لإنجاز البنية الدلالية القارة في الخطاب. وعليه يمكن أن ننزع التشخيص من الحكاية لننجز إبدالاً مستورًا للصراع بين دبشليم وبيدبا، طرفاه على الشكل الآتي:
جدول التنويع والإبدال للثنائيات التقابلية
الطرف الأول: ما يمثله دبشليم من قيم سلبية الطرف الثاني: ما يمثله بيدبا من قيم إيجابية
صور التنويع والإبدال التجبر، التسلط، تعطيل العقل، الغدر، الإنكار، العنف، الاستصغار، البطش العقل، المشورة، الحكمة، الجدل، الإقناع، الوفاء، الإحسان، الانتصار للحق، المبادرة، تحمَّل المسؤولية، المواجهة، مقاومة الظلم.
 
إن تجريد الثنائيات التقابلية عن تشخصاتها التخييلية لا يعود إلى افتقاد بعض الحكايات إلى التشخيص التقابلي، وإنما لإنجاز وظيفة ثنائية للحكاية المضمنة. الأولى هي إكمال الصورة الكلية في الحكاية الإطار "أي توالد الأفكار وإخصابها عبر الأصول والفروع"[71] وهو إكمال على المستوى الدلالي – وهذا ما لاحظناه في تنويعات الجدول السابق – والثانية هي نمو خصوصية الحكاية المضمنة، وذلك من سياقها الحكائي وموضوعاتها وأنماطها
إن الحكايات الفرع ليست بالضرورة من نفس نوع الحكايات الأصل، كما أنها لا تشابه فيما بينها؛ فقد تكون الأولى عجيبة بينما الثانية خرافية أو شطارية[72] مما يخرق أي مخطط لاستبطان التداعي الصوري في نظامه المجازي، كما يعطل أي استقراء لوجه الامتداد الأسلوبي بين الأصل والفرع، ويحصر التعدي في نطاق المضامين[73].
دوال النظم والأنماط التخييلية:
لم يتفق المؤرخون والنقاد العرب، القدماء والمعاصرون، على تحديد دلالة المصطلحات المرتبطة بالحكاية، مثل "الحكاية الشعبية، والحكاية الخرافية، والحكاية السحرية، والحكاية العجيبة، وحكاية الجان... إلخ" فقد استخدموا جميع هذه المصطلحات من دون الدلالة على النمط.
وقديمًا، وتحديدًا في القرن الثاني الهجري حين بدأ السرد يفارق مكونه الدلالي الاعتباري الديني، نشأ قصٌّ من رحمه لا يهتم بالدقة الموضوعية وصحة الخبر وصدقه[74] وبقي الجذر اللغوي لكلمة "خرافة"، يضاف الى ذلك التناول الديني للمصطلح، يحدد ماهية الحكاية عند النقاد المعاصرين. وهذا ما نقرؤه عند بطرس البستاني إذ يقول:
إن الخرافة تدل على اعتقاد أمور منافية للدين الصحيح [وإن كل خرافة] تستلزم فساد التصورات في الأمور الدينية، وإن الخرافة تنشأ من أوهام وتصورات باطلة[75].
ولأن الأوهام والتسلية خارج نطاق الاعتبار، تُنجَز الحكاية في فضاء مظلم، ويكون الليل موطن الخرافة[76]. ولكن ذلك لا يحدد أنواع السرد الحكائي وأنماطه، فتبقى بذلك مفارقة الحكي للقيمة الاعتبارية مجالاً لتحديد فضاءات القص من دون تحديد الأنماط. فنرى تسميات عدة لدلالة واحدة. ومن ذلك أن تحديد النمط القائم على الخارق تتجاذبه مجموعة من التسميات؛ فنبيلة إبراهيم وعز الدين إسماعيل وعبد الملك مرتاض يسمونه بـ"الحكاية الخرافية"[77] ويسميه التكريتي بـ"الحكاية السحرية"[78] ويسميه عبد الحميد يونس بـ"حكاية الجان"[79]. بينما يربط آخرون بين الحكاية الخرافية والحيوان. فابن النديم يختم الفن الأول من كتابه الفهرست بقوله: "كانت الأسمار والخرافات على ألسنة الحيوان وغيره"[80]. فيقرن الخرافاتِ والأسمار بالحيوان، وإن لم يحددها به فقط. في حين نجد محمد رجب النجار يقرنها ويحددها بالاسم، فيقول: "حكايات الحيوان في التراث العربي"[81] في حين يربط صاحب بيان شهرزاد بين الخرافة والحيوان "نقصد بالخرافة [...] حكاية الحيوان"[82].
هذا التباين في تحديد المصطلح لم يطل النقد العربي، بل أيضًا النقد الأجنبي. ففي تمييز فون دير لاين للحكاية الشعبية من الحكاية الخرافية لا يخرج بنتيجة واضحة تحدد النمط، وإنما بآراء انطباعية لا تقوم على تحديد المكونات السردية. يقول: إن الحكاية الخرافية
ذات بعد واحد، وأنها مسطحة، ذات أسلوب تجريدي، وأن الباعث منعزل عنها، كما أنها لا تتضمن أي موضوع نفسي. الحكاية الخرافية لا ترتبط بالآلهة والأرواح العلوية بالطريقة التي ترتبط بها الحكاية الشعبية. إن الحكاية الشعبية تعرف كائنات العالم الآخر من شياطين ومردة وسحرة إلى غير ذلك وباستطاعة الإنسان فيها أن يتصل بشخوص العالم الآخر. في حين أن الأمر في الحكاية الخرافية على خلاف ذلك، فهي، وإن كانت تحكي كذلك عن المردة والسحرة والأقزام فإنها لا تنشئ علاقة مع عالمنا الممكن إدراكه، إذ إنها ذات بعد واحد. وهي كذلك لا تعرف التركيب المنطقي الدقيق، كما أن شخوصها غير منسجمة، وبلا عالم داخلي أو خارجي، بل ينقصها كذلك عالم المشاعر، حتى العنصر الزمني لا تعرفه الحكاية الخرافية. كما أن الحكاية الخرافية لا تتحمل أي تصوير وزخرفة أو تعليق ينتشر في أثنائها، وكلما ازداد سرد الحكاية الخرافية وضوحًا كان ذلك ضمانًا لوصولها الى هدفها وتأكيدًا لأصالتها[83].
لعل سببب ذلك التباين وعدم التحديد الدقيق يعود إلى تداخل الأنماط الحكائية في كثير من الحكايات أولاً، وإلى مفارقتها المنطقي والموضوعي ثانيًا، وإلى تحميل بعض الكائنات الحيوانية الطاقة الرمزية لمقابلها الإنساني ثالثًا، وإلى غياب الدراسات العلمية المتخصصة التي تبحث في المكونات السردية لكل نمط من الأنماط الحكائية رابعًا.
وكان من نتائج ذلك أن الدارسين للحكاية صنفوها وفق ملاحظاتهم الانطباعية؛ فكان من قال بـ"حكاية الحيوان" لهيمنة الشخوص الحيوانية، ومن قال بـ"الحكاية الخرافية" ويقصد حكاية الحيوان لتحميل الحيوان قدرة خارج طبيعته الحيوانية كالحكمة، ومن قال بـ"الحكاية الخرافية" أو "العجيبة" أو "الخارقة" لمفارقتها الممكن والمنطقي... إلخ.
ويمكن الخروج من ذلك، كما نرى، إلى تصنيف ثلاثي:
1.    الحكاية الشعبية: وتمثل العنوان العام لكل الأصناف والأنماط الحكائية لارتباطها بالعامة من دون أن تشير إلى نمط محدد، كما جاء في تصنيف شوقي عبد الحكيم[84].
2.    الحكاية الشعبية الخرافية: تتكون شخوصها من الإنسان والحيوان، أو من الإنسان والحيوان والجن والعفاريت، وكل الكائنات التي تخرج في نطاق حركتها عن الواقعي والممكن، وضمن إطار النوع.
3.    الحكاية الشعبية الواقعية: تتكون شخوصها من الإنسان. وتتشكل دائرة حركتها ضمن حدود الطاقة البشرية، وترتبط بما هو واقعي وممكن. وتهتم بالقضايا اليومية لحياة البشر.
إن الغاية من هذا العرض الموجز لمسألة تصنيف الحكاية الشعبية الدخول إلى تصنيف الحكاية المضمنة في كتاب كليلة ودمنة، باعتبار أن خصوصيتها تتشكل من نموها الداخلي، على مستوى الموضوعات المفارقة لموضوع الحكاية الإطار، وعلى مستوى النمط أيضًا. فالحكاية الإطار تبحث في موضوع ظلم دبشليم لرعيته، وعمل بيدبا على تقديم النصيحة له؛ أي إنها من حيث تصنيفنا السابق حكاية شعبية واقعية؛ شخوصها من البشر، وحركتهم تدور ضمن الواقعي والممكن، ولا توجد فيها مفارقات خارقة. أما الحكاية المضمنة المتناسلة من الحكاية الإطار، فهي، وإن كانت كما ذكرنا تنويعًا وإبدالاً على مستوى المضمون للحكاية الإطار، فإنها مختلفة عنها على مستوى الموضوع والنمط، وسنلاحظ ذلك في هذا التصنيف للحكاية المضمنة في كتاب كليلة ودمنة:
1.    حكاية شعبية خرافية. العدد 32 حكاية.
2.    حكاية شعبية واقعية. العدد 20 حكاية.
تهيمن الحكاية الشعبية الخرافية على الحكاية المضمنة في كتاب كليلة ودمنة. وهذا التناسل النمطي غير مرتبط بنمط الحكاية الإطار في المستوى السردي الأول، كما أنه غير مرتبط بالحكاية المضمنة الكبرى (الحكاية الإطار في الدرجة الثانية) في المستوى السردي الثاني أيضًا، أو أي مستوى سردي تناسلي آخر.
النمط الواقعي (بلاغة الممكن)
نعرف الحكاية المضمنة في النمط الواقعي بأنها وحدة سردية مستقلة بذاتها، تجسد فعلاً أو حادثًا ما، تنجزه شخصيات تتحرك ضمن الفعل الممكن باختلاف أشكال التنظيم، إن كانت بسيطة أو مركبة، وباختلاف أطوال الوحدات السردية؛ لأنها جميعا تُنجِز وظيفة أو وظائف إبدالية للحكاية الإطار.
ولتحليل تلك الوحدات السردية سوف نستعين بما طورته المدرسة البنيوية للنقد الأدبي في مجال الأبنية السردية[85] من حيث فعل الحكاية، والعمل على فحصها داخليًا ووظيفيًا، لكي نبتعد عن التقديرات الذاتية والمسائل البلاغية والتوصيف الشكلي. ومن أجل الوصول إلى دراسة نسقية نقرأ الحكاية المضمنة بوصفها وحدة مستقلة ووحدة كلية مع مجموع نص كليلة ودمنة في إطار التنويع والإبدال.
ووفقًا لتلك الغاية، علينا القيام باختيار وتكييف الأساليب المنهجية المعاصرة وفقًا لخصوصية الحكاية التي نريد تحليلها ووضعناها تحت بند "النمط الواقعي – بلاغة الممكن" ولكي نطبق تلك المفاهيم المنهجية على النمط الواقعي في حكايات كليلة ودمنة سيكون من الضروري ملاحظة أن حكايات ذلك النمط تعرض مجموعة من الحوادث، ولكنها تتضمن وظيفة واحدة، وفي أقصاها ثلاث وظائف، إلا أن كل وظيفة تأخذ دلالتها من السياق الحكائي الخاص بها.
وقد سمح تماثل الوظائف ومحدوديتها بتصنيف الحكايات في فئتين وظيفيتين كبيرتين، يمكن تشعبهما داخليًا، وهما: حكايات الاعتلال القيمي وحكايات الإيجاب القيمي.
1.    حكايات الاعتلال القيمي:
تمثل حكايات الاعتلال القيمي الدال على النقص والاختلال في السلوك الإنساني 10 حكايات من أصل 15 حكاية، أي مايعادل 69% من مجموع حكايات النمط الواقعي. ويمكن إدراجها تحت ثلاث وحدات وظيفية، هي 6 حكايات في السرقة، و3 حكايات في مكر المرأة، وحكاية واحدة في التواكل. وكل حكاية تحكي وظيفة أو أكثر. وسوف نمثل لذلك بحكايتين، هما حكايةالخب[86] والمغفل[87] وحكاية المرأة والمصور والعبد[88].
تقول حكاية الخب والمغفل: وجد المغفل والخب كيسًا من المال وقررا دفنه تحت شجرة في الطريق، ثم يعودان إليه سوية عندما يحتاجان إلى شيء من المال. ولكن الخب عاد وحده فيما بعد وأخذ الدنانير كلها. وجاء المغفل بعد ذلك إلى الخب، وقال له: احتجت إلى نفقة فانطلقْ بنا إلى مكان الدنانير لنأخذ منها حاجتنا، فذهب معه الخب. وحين حفرا تحت الشجرة لم يجدا المال، فاتَّهم الخب المغفل بسرقة المال في غيابه، فأنكر المغفل ذلك وحلف الأيمان، ولكن الخب أصر على اتهامه، ورفع الخلاف إلى القاضي. وكان الخب قد اتفق مع والده على الاختباء في الشجرة لكي يجيب عن سؤال القاضي بدلاً من الشجرة عن سرقة المال. ولكن القاضي حين حضر، وسأل الشجرة شك، وقرر حرقها لقطع الشك باليقيم، فخرج والد الخب مذعورًا واعترف بخديعة ولده وسرقته.
لا تحدد الحكاية سمات شخصية الفاعل بغير السمات العامة لمواصفات الفعل الذي ينجزه. فالخب هو الغشاش والمخادع؛ وهي إبدالات لمظاهر النقص في سلوك الإنسان يقابله المخدوع والمغفل. أي إن الحكاية تُنجَز من خلال حضور قطبين في السلوك، هما الخادع والمخدوع، ولا بد من حضورهما لتحقيق الاعتلال القيمي. غير أن تناقضهما وظيفيًا لا يعني إكسابهما سمتين متناقضتين: سلبية (الخب) وإيجابية (المغفل)؛ لأن صفة الغفلة ليست إيجابية، ولكنها في الوقت نفسه تفتح المجال للخب لمارسة غشه وخداعه. والقطبان يحققان بذلك شرط حضور الاعتلال في السلوك الاجتماعي. إلا أن هذه الوظيفة لا تأخذ أهميتها في صورة السرد الكلي للنمط الواقعي إلا من خلال تكرارها الوظيفي عبر حكايات الاعتلال بصور متباينة ودلالات مختلفة، وضمن السياق الحكائي. وهي في الوقت ذاته تقدم، على مستوى البناء الداخلي، أكثر من وظيفة؛ فالفعل الواقع في الحكاية منجز على ثلاثة مستويات وظيفية:
1.    خيانة الشراكة التجارية.
2.    خيانة الأمانة.
3.    السرقة.
تقول حكاية المرأة والمصور والعبد: كان هناك تاجر لديه خازن مال، وكان بجانب دكان التاجر مصور ماهر هو صديق الخازن. فاتفق المصور والخازن على سرقة التاجر بالحيلة؛ وهي أن يلبس المصور ملاءة امرأة ويمر في الظلام بجانب كوة من المخزن تطل على الطريق، فإذا رآه الخازن رمى له بشيء من البضاعة المخزنة. وهكذا تتكرر السرقة في كل ليلة إلى أن رآهما يومًا صديق خادم المصور، فطلب منه الملاءة، وقام بتجربة ما رآه، فاكتشف السرقة.
كذلك لا نجد في الحكاية سمات نوعية محددة للشخصيات، وإنما سمات مهنية توطئ للوظيفة أو الفعل الذي سينجزه السرد؛ التاجر = المال. الخازن = الأمانة على المال. المصور = الاحتيال. فأركان الفعل تتحقق عبر التوطئة لحدوث الاعتلال القيمي، عبر أكثر من وحدة وظيفية تقدمها الحكاية، ويمكن رصدها في وظيفتين:
1.    خيانة الشراكة التجارية.
2.    السرقة.
وهما وظيفتان إبداليتان لـ"1" و"2" في الحكاية الأولى. يضاف إلى ذلك حضور وسائل جوهرية واحدة للبناء الوظيفي في الحكايتين، تتكرر في حكايات الاعتلال القيمي بشكل عام، وتتمثل في الحيلة واكتشاف فعل النقيصة (اليقظة).
ففي حكاية الخب والمغفل يلجأ الخب إلى الحيلة مرتين: الأولى حين يرفض اقتسام المال بحجة حرصه على قيم الشراكة، والثانية حين يقنع والده بالتواري داخل الشجرة. وفي الحكاية الثانيةالمرأة والمصور والعبد تهيمن الحيلة على النص، ولكنها لا تشكل وحدة وظيفية، وإنما تبقى في إطار الوسيلة للبناء الحكائي عبر شخصية المصور بوصفه "المحرك للفعل" وفق تصنيف بريمون[89] ولذلك فهو مصور ماهر لاحظ وجود كوة في جدار المخزن، كما أنه أوجد حيلة "ملاءة" المرأة.
ولأن الانتصار للقيمة وليس لاعتلالها تُكتشَف السرقة في الحكايتين؛ مرة بحضور القاضي اليقظ، ومرة بحضور صديق خادم المصور اليقظ أيضًا. والشخصان يحملان صفة تقع على نقيض الاعتلال القيمي، مما يحيل النص الحكائي بشكل عام، ومرة ثانية، إلى ثنائية تقابلية أخرى تتشكل من طرفين: السارق↔ الأمين. أو إبدالهما: الاعتلال ↔ الإيجاب. أو الخطأ↔ الصواب.
3.    حكايات الإيجاب القيمي:
تمثل حكايات الإيجاب القيمي في النمط الواقعي خمس حكايات، أي بنسبة 34% من مجموع حكايات النمط. ويمكن تصنيفها في فئتين وظيفيتين:
1.    حكايات الحكمة وإبدالاتها في المشورة والتدبر وإعمال العقل والخضوع للمنطق.
2.    حكاية القدر عبر إبدالاته الوظيفية في الإيمان به سمةً من سمات العقل.
ونمثل لذلك بحكايتين: حكاية التاجر وبنيه[90] وحكاية إيلاذ وبلاذ وإيراخت[91].
تقول حكاية التاجر وبنيه إنه كان بأرض دستاوند رجل شيخ له ثلاثة بنين، فلما بلغوا أشدهم أسرفوا في مال أبيهم، ولم يكونوا قد احترفوا حرفة يكسبون منها لأنفسهم خيرًا، فلامهم أبوهم ووعظهم على سوء فعلهم. وكان من قوله لهم: يا بنيَّ إن صاحب الدنيا يطلب ثلاثة أمور لن يدركها إلا بأربعة أشياء أما الثلاثة التي يطلب: فالسعة في الرزق، والمنزلة بين الناس، والزاد للآخرة. أما الأربعة التي يحتاج إليها، فهي اكتساب المال من أحسن وجه يكون، ثم حسن القيام على ما اكتسب منه، ثم إنفاقه فيما يصلح المعيشة ويرضي الأهل والإخوان، فيعود عليه نفعه في الآخرة. فاتعظ الأبناء من قول أبيهم وعملوا به.
لا حدود أو سمات تبين شخصيات الحكاية. والعبارة الوصفية في "رجل شيخ" هي سمة توطئ للفعل أو الوظيفة المتمحورة في الحكاية. فالرجل الشيخ يمتلك خبرة الحياة بحكم سنه، وبالتالي فهو يوجز الحكمة في السلوك الإنساني. أما متلقو الحكمة فلا توجد علامة ما تدل على شخصياتهم سوى أنهم أبناء الشيخ الحكيم، مما يبين أن العلاقة بين الطرفين (الحكيم × غير الحكيم، أو الشيخ الكبير الخبير × الابن الصغير المفتقر إلى الخبرة) هي التي ستخلق فضاء الوظيفة-الحكمة، من خلال المساحة التي تباعد بينهما؛ وهي مساحة التجربة التي أدى افتقادها عند الأبناء إلى الإسراف في المال، وأدى حضورها عند الشيخ إلى توليد الحكمة المنجزة نظريًا بوصفها خطابًا مهيمنًا بتفصيلاته على النص الحكائي.
تقول حكاية إيلاذ وبلاذ وإيراخت كان في قديم الزمان ملك يدعى بلاذ وله وزير يدعى إيلاذ كان متعبدًا ناسكًا. نام ذات ليلة فرأى في منامه ثمانية أحلام أفزعته، هي: 1. سمكتان حمراوان قائمتان على ذنبيهما. 2. وزتان طائرتان من خلف ظهره. 3. حية تدب على رجله اليسرى. 4. دم خُضِّب به جسدُه. 5. غسل جسده بالماء. 6. وقف على جبل أبيض.7. على رأسه شيء شبيه بالنار. 8. طائر ضرب رأسه بمنقاره. استيقظ الملك فزعًا، فجمع نسَّاك البراهمة ليفسروا له رؤياه. وكان البراهمة يكرهونه. فطلبوا منه التخلص من أصدقائه وزوجته وابنه لكي ينجو بنفسه، كما تقول الرؤيا، حسب تفسيرهم. فاغتمَّ الملك لذلك، ولكن زوجته نصحته بسؤال كباريون الحكيم. فامتثل لرأيها، وجاء له كباريون بتفسير مخالف يحمل في طياته الخير والاطمئنان وبعد سبعة أيام جاءت البشائر بقدوم رسل الملوك محملين بالهدايا مؤكدين صحة تفسير كباريون.
على الرغم من أنها حكاية "حلمية"[92] وفيها العبارة الموطئة للحلم: "نام الملك ذات ليلة فرأى في منامه" ثم حضور الحلم وتفسيره، إلا أن الحُلُم ليس هو الوظيفة التي تريد الحكاية إنجازها، وإنما "الحِلْم" بكسر الحاء وتسكين اللام؛ أي الحكمة في التصرف، فلولاها لقضى الملك على المخلصين له، وتغلب عليه أعداؤه. غير أن صبره وتدبره وتفكيره في العاقبة أهدوه إلى شاطئ النجاة على يد الحكيم المخلص ذي العلم الواسع.
تنجز الحكايتان، إذًا، وظيفة واحدة عبر أحداث مختلفة، ولكن بحضور الرجل الحكيم في كلتيهما. "الرجل الشيخ" في الأولى، و"كباريون" في الثانية. في الأولى هيمنت خبرة الشيخ على الحكاية وفي الثانية هيمنت أيضًا خبرة كباريون الحكيم، فأصبح العنصر المشترك هو الحكمة بإبدالاتها وتنوعاتها (الخبرة، العلم، العقل... إلخ).
بقي أن نشير إلى أن حكايات "النمط الواقعي – بلاغة الممكن" تنجز بلاغتها من واقع الحياة اليومية وتفاصيلها في السلوك الإنساني بذلك تشكل حكايات الإيجاب القيمي في النمط الواقعي الطرف الآخر في ثنائية التقابل للصورة الإيجابية في الحكاية الإطار، بعد أن أنجزت حكايات الاعتلال القيمي الطرف لأول؛ فتكون الصورة على الشكل الآتي:
الاعتلال القيمي ↔ الإيجاب القيمي
يمثل الطرف الأول السلوك الإنساني الناقص بصوره وإبدالاته المتنوعة، ويتجسد في المستوى السردي الأول بخطاب الملك دبشليم المتسلط والمفارق للشرعية، ويتجسد في الحكاية المضمنة بصور النقص والخلل في السلوك الإنساني، عبر خيانة الأمانة والصداقة وعبر السرقة ومكر النساء وسوء التصرف... إلخ.
ويمثل الطرفَ الثاني العقلُ وإبدالاتُه وصوره المتجلية، في المستوى السردي الأول، بخطاب بيدبا الفيلسوف، وفي الحكاية المضمنة بصور العقل والتجربة والحكمة، بوصفها المعادل النقيض للخلل؛ أي لا مجال فيها للخرافي والمفارق، بل تقترب من تفصيلات المألوف والاعتيادي. فهي استبطان للجوهر الإنساني، ولما يمثله من طبائع وعواطف وأفكار. وتعتني بإبراز منطق الاختلال وصور النقص والتشوُّه، ولاتهتم بالشخصيات إلا بوصفهم أفرادًا يمثلون نمطًا في "ذاكرة النوع"[93] بغض النظر عن أسمائهم وسماتهم الشخصية. فهم تجليات للاعتلال، ولذلك نراهم يقدَّمون بصفاتهم الدلالية الموطِّئة للوظيفة، مثل السارق والناسك والتاجر... إلخ.
إن الاهتمام بالتفاصيل اليومية للحياة في النمط الواقعي نقيض للرمز والكلي والعام[94] الذي سنراه في النمط المفارق؛ فالخيانة والسرقة والمكر مثلاً، موضوعات تتناولها الحكاية الشعبية من الحياة، وتستند إلى شخصيات يحكمها منطق الإمكان، وتعبر عن تجارب إنسانية ملموسة.
النمط المفارق (بلاغة الخرافي)
تهيمن في النمط المفارق الرمزية الحيوانية على النصوص الحكائية، وذلك عبر تنوع الشخصيات، إن كانت حيوانية فقط، مثل حكاية الغراب والثعبان وابن آوى[95] أو كانت حيوانية و إنسانية، مثل حكاية الملك والطير فنزة[96] أو كانت حيوانية وجمادًا، مثل حكاية الثعلب والطبل[97]. وما ذلك إلا لأن الشخصيات في النمط المفارق لا تهتم بحدود الشخصيات وملامحها، وإنما تقدمها بوصفها تجسيدًا للنوع، مثل الأسد والثعلب وابن آوى والثعبان... إلخ. أي إن الشخصيات تقدَّم بوصفها أصنافًا وطبائع مكثَّفة ومجردة، رسبها في الذاكرة اللقاء المرجعي المتكرر مع صورها؛ فالأسد كائن لحمي، قوي، مفترس. والثعلب حيوان ماكر، مخادع. إن هذا التكثيف يفضي بالكائنات الحيوانية إلى تشخيص حكمة أو مثل في نهاية الحكاية، مثل القول في نهاية حكاية ابن آوى والأسد والحمار[98] هذا مثل الرجل الذي "يطلب الحاجة فإذا ظفر بها أضاعها".
وتسعى القصدية في تجليات الرمزية الحيوانية إلى تمثُّل المواقف والصفات والعواطف والصراعات الإنسانية عبر تمثيلها في الشخصيات الحيوانية. يقول كيليطو:
إن الحكمة في الخرافة توضع على ألسنة الحيوان... الخرافة تحاكي القيمة الرمزية التي يجسدها كل حيوان ضمن مجموع الحيوانات. وكل خطاب ينطق به حيوان يكون مطابقًا للموقع الذي يمثله هذا الأخير في مجمع الحيوان والدور الذي يلعبه فيه. يختلف دور الأسد عن دور ابن آوى، والثعلب والتمساح... وتستهدف المحاكاة الطريقة التي يجب أن يتصرف بها ويعبر بها [كل حيوان] والنتيجة هي استنتاج نمط قد حددت سماته بصورة نهائية[99].
إن الفعالية الرمزية في الحكاية المفارقة (حكاية الحيوان) تتخطى نطاق الشخصية الحيوانية المفردة وأوصافها إلى وظيفتها الرمزية من خلال علاقاتها التقابلية مع المعنى المجازي الذي يستحضره المتلقي ليفسر به المعنى الوظيفي في الحكاية عبر التأويل.
إن هذا التعالق بين القطبين: المعنى المباشر والمعنى المجازي يكسب النص الحكائي المفارق جوهره التخييلي عبر الاستبدال والتخفي في تمثيل الخبرة والسلوك الإنساني، مما يمنح الدوال القدرة على كشف التقاطبات الكبرى، عبر مدلول حيواني ينتهي في السياق التخييلي إلى تغليب طبع على طبع، والانتصار لسلوك على سلوك، وفق ما يشترطه العقل والمثال الإنساني[100].
ثنائية التقابل في النمط
توزع الناقدة العراقية فريال غزول صور التخييل في قصص الحيوان إلى نمطين تخييليين، هما: النمط "التأرجحي" والنمط "التغريبي". في الأول تتحول الشخصيات الحيوانية وأوضاعها السردية من حال إلى حال نقيض، تَنْتُج عنه تقابلات بلاغية عريضة في السياق بين الرمزيات الحيوانية والقيم الإنسانية التي تترجمها. أما النمط التغريبي، فلا تحضُر فيه الشخصيات الحيوانية لإثبات القيم التي ترمز إليها فقط، ولا لبيان غلبة صنف على آخر، وإنما توظف لإثبات فكرة أو موقف إنساني عام ومحايد عبر تحولات الأحداث التي تشارك فيها الرموز الحيوانية المتعارضة. والنتيجة هي تحصيل صورة حلمية متعالية، تشكل المثال الخلقي الأعلى.
وترى الجبوري، في النمط الأول "التأرجحي"، أن المحور ثابت ومنزلة الشخصيات متحولة. وفي الثاني "التغريبي" الشخصيات ثابتة والمحور متحول. ويفرض النمط التأرجحي – الكلام ما زال للجبوري – النظرة المحيطة بمجموع العلاقات الداخلية في القص بينما يفرض النمط التغريبي ازدواجية المنظور، وبالتالي يخلق توترًا إدراكيًا يحلُّ لصالح فكرة ما... وينبع النمط التأرجحي من متابعة ما يجري، أما الثاني من مقارنة ما يجري[101].
يعود مصدر التوزيع النمطي عند غزول إلى قلق الشخصيات الحيوانية وانتقالها بين الأعلى والأدنى، في صيغة تقابلية، أو ثباتها لخلق ثنائية تقابلية بين مجموع الحيوان والمتخيل الإنساني. ولذلك يسمي صاحب بيان شهرزاد النمط الأول عند جبوري بالنمط "الطباقي" استنادًا إلى البلاغة العربية الكلاسيكية، ويسمي النمط الثاني بالنمط "التراسلي"[102] لظهور التقابل المرجعي في ذاكرة النوع بين أصناف الحيوان، مما يستدعي ظهور تقابلات متعددة جزئية متراسلة تكوِّن بمجموعها الطرف الأول في صيغة التقابل في النمط التغريبي عند غزول جبوري.
ولأن قصص الحيوان لا تتشكل بنيتها وفق الصيغتين في النصوص جميعها، فإننا نرى أن هذا التوزيع قاصر عن إدراك الصورة الاستقرائية الشاملة، والأجدى من ذلك توزيع قصص الحيوان على نمطين مرتبطين بالوظيفة التي تقدمها حكاية الحيوان، مما يدعو إلى تصنيفها بنوعين: داخلي وخارجي.
النمط الأول (داخلي) يقابله، في التصنيفين السابقين، التغريبي أو التراسلي. وتتوجه فيه القصدية الدلالية إلى داخل النص، عبر السرد الذي يهتم بما يجري من أحداث ومتابعتها من قبل المتلقي، من دون الاهتمام بالعالم الخارجي أو مقابله الإنساني في لحظة المتابعة الجزئية للسرد.
إلا أنه، وبعد انتهاء السرد، تتوالد من عملية التلقي المقارنة بين عالمين، عالم الحيوان وعالم الإنسان، للحصول على الرمزية الحيوانية والتقابلات الرمزية التي تنتج لنا الحكمة المقصودة من الحكاية. أي إن العامل الخارجي ينجزه فعل التأويل المنجَز من قبل القارئ الحكيم أو الفيلسوف، كما أراد كتَّاب مقدمات كتاب كليلة ودمنة. يقول علي بن الشاه الفارسي
وجعله [أي مؤلف الكتاب] على ألسن البهائم والطير صيانة لغرضه الأقصى فيه من العوام، وضنًّا بما ضمنه عن الطغام[103] وتنزيهًا للحكمة وفنونها ومحاسنها وعيونها إذ هي للفيلسوف مندوحة[104].[105]
ونمثل لهذا النمط بحكاية الغراب والذئب وابن آوى والجمل[106]:
تقول الحكاية إن الأسد التقى فيلاً ضخمًا، فتصارع معه وخرج من الصراع مثخنًا بالجراح، فقعد عن الصيد وكان بصحبته جمل كان قد أمَّنه على روحه بالإضافة إلى الذئب وابن آوى والغراب، وهؤلاء كانوا يأكلون من بقايا فريسة الأسد. وحين طال قعود الأسد طلب من أصدقائه أن يذهبوا لاصطياد حيوان يأكله فلم يفلحوا. بل اجتمع رأيهم على إقناع الأسد بالغدر بصاحبه الجمل وذلك بعد أن دبروا مؤامرة يقدم في سياقها الجمل نفسه للأسد لافتراسه. حيث يعرض الغراب والذئب وابن آوى – كل بدوره – نفسه على الأسد ليأكله، فيهمُّ الآخران إلى تقبيح الرأي لعدم فائدته أو لضرره. وحين يعرض الجمل نفسه على الأسد – ظانًا أن بقية الحيوانات سوف تتفه رأيه كما فعلت مع بعضها فينجو بنفسه ويظهر في الوقت ذاته حبه لصديقه – تمدح الحيوانات رأيه وتقدر تضحيته بنفسه ثم تنقض عليه.
النمط الأول: غائب عن العنوان ويمثله الأسد والفيل، والحيوانان يمثلان عالمين متناقضين من حيث الطبيعة:
-       الأسد: وحشي، مفترس، قوي، لحمي.
-       الفيل: ضخم، قوي، عشبي.
الحيوانان يتكافآن في الصراع، ولا يستطيع أحدهما أن يطرد الآخر. وتُنجِز البلاغة الأسلوبية ذلك التوازي عبر اللغة السردية الملحمية إذ يقول الراوي:
إن الأسد مضى في بعض الأيام لطلب الصيد فلقي فيلاً عظيمًا، فقاتله قتالاً شديدًا وفلت منه مثخنًا بالجراح، يسيل منه الدم.
النمط الثاني: (الحاضر الأول ويمثله الذئب والغراب وابن آوى) مجموعة من أصناف الحيوان، مشتركة في ذاكرة النوع المتراكمة بصفات المكر والخديعة والعيش على بقايا الطعام الذي تتركه الوحوش القوية، كالأسد، ولذلك تعيش في الحكاية على ما يرميه لها الأسد من فريسته. وحين يمرض الأسد لا تستطيع أن تصطاد له ما يكفي جوعها، فتلجأ إلى الصفة المشتركة فيما بينها، وهي المكر؛ ولكنه ليس المكر الصادر من فرد واحد و إنما من مجموع ما يُستحَضَر لانتصار الشر من المكر والكثرة في العدد. وهذا يستدعي مقابله (البراءة والمفرد) الممثَّل في التقابلات الرمزية في الحكاية في النمط الثالث.
النمط الثالث: (الحاضر-الجمل) وهو حيوان يستدعي في ذاكرة النوع صور السذاجة ويساوي البراءة في الرمزية الحيوانية المترجمة للقيمة الإنسانية. فهو حيوان ضخم الجثة، عشبي، أليف.
بتلك الصور التقابلية تقدم الصورة الذهنية الأولية للعنوان الصيغ التقابلية الآتية:
-       الأسد: 1. قوي. 2. مفترس. 3. لحمي.
-       الجمل: 1. قوي. 2. غير مفترس. 3. عشبي.
*
-       الأسد: 1. قوي. 2. مفترس. 3. صياد. 4. لحمي.
-       الذئب، الغراب، ابن آوى: 1. ضعيف (قياسًا بالأسد). 2. ماكر. 3. طفيلي. 4. لحمي.
*
-       الذئب، الغراب، ابن آوى: 1. لحمي. 2. ماكر. 3. عنصر الكثرة.
-       الجمل: 1. عشبي. 1. ساذج. 3. الإفراد.
*
إن حضور الأسد والفيل في السرد هو بمثابة التهيئة للفعل الدرامي المنتِج للحكمة المُنجَزة من خلال صور التقابل بين المكر والكثرة من جهة، والبراءة والضعف (بسبب الإفراد) من جهة أخرى. لأن ظهور الفيل هو سبب نشوء الصراع بينه وبين الأسد، وتكون نتيجته مرض الأسد وقعوده عن الصيد، مما يتيح المجال لبروز دور المجموع الماكر (الذئب والغراب وابن آوى).
يضاف إلى ذلك أن الأسد والفيل لا يوسمان في ذاكرة النوع بسمة المكر؛ ولأن هذه السمة مع مقابلها في القيم الإنسانية البراءة، تشكل الصورة المهيمنة في الحكي المنتِج للحكمة، فإنه لا مبرر لذكر الأسد والفيل في العنون، ولذلك تم ذكر المجموع الماكر بالتتابع ثم أتْبِعَ المجموع المفرد المناقض (الجمل = البراءة) مما يعني أن التقابل الرمزي المهيمن ليس بين الأسد والفيل، وليس بين الأسد (اللحمي) والجمل (العشبي)، وليس بين الأسد والمجموع الماكر، وإنما بين المجموع الماكر والمفرد البريء. وهذا ما برر التوازي في الصراع بين اللحمي (الأسد) والعشبي (الفيل). ولولا ذلك لانتصر الأسد (اللحمي-المفترس) على الفيل (العشبي-غير المفترس). ولكن السرد لا يخرج الأحداث عن الطبيعة الحيوانية للشخصيات، فيتابع المتلقي الأحداث إلى نهايتها، ولا يفاجأ بما يخالف تلك الطبيعة؛ فقانون الغاب الذي يحكم مسار العلاقة بين الحيوانات يقود إلى انسحاب الفيل والأسد من الصراع المتكافئ، ويحشر الذئب والغراب وابن آوى في مرتبة التبعية للأسد لأكل بقايا طعامه، ويؤدي إلى افترس الجمل من قبل الأسد أيضًا. أي إن منزلة الشخصيات لم تتغير في الرتبة.
وفق ذلك تنغلق دائرة الحكي على افتراس الجمل، وتنتهي متابعة المتلقي للأحداث. وبعد انغلاق الدائرة يمكن أن نتحدث عن متلقيَيْن: يأخذ الأول الجانب الهزْلي للتسلية، كما يقول ابن المقفع: "وأما الكتاب فجمع حكمة ولهوًا، فاختاره الحكماء لحكمته والأغرار للهوه"[107]. ويأخذ الثاني بالتأويل، لصياغة الحكمة، وذلك عبر المقارنة بين قصدية السرد وتأويلها في القيم الإنسانية؛ أي إنه ينقل النص من عالم السرد الداخلي للشخصيات الحيوانية إلى عالم القيم الإنسانية الخارجي المسقط على دلالة الأحداث.
النمط الثاني (الخارجي) يقابله في التصنيفين السابقين النمط الترجيحي/التطابقي، وتتوجه فيه القصدية الدلالية إلى العالم الخارجي، ولا تنغلق فيه دائرة السرد على ما تفرضه الطبيعة الحيوانية للشخصيات وتصنيفها النمطي. وتنتقل فيه الشخصيات من منزلة إلى منزلة، فما هو فوق في الطبيعة الحيوانية يصير في رتبة التحت، والعكس صحيح. وتصبح فيه القراءة التأويلية فعلاً منجزًا داخل السرد وليس متممًا له بعد انتهائه. وبذلك يكون فيه النص أكثر مفارقة للطبيعة الحيوانية من النمط الداخلي وأقل تسلية وهزلية؛ لأن الخطاب فيه يرقى مباشرة إلى استحضار القيمة الإنسانية لفهم ما يجري من أحداث، على عكس النمط الداخلي حيث يمكن أن يفهم المتلقي ما يجري وهو داخل نسق الخطاب الحيواني، ثم بعد ذلك يلجأ إلى التأويل. أي إننا في النمط الخارجي نلتقي مباشرة بنتائج التأويل، لأن السرد لا يسير في الأحداث وفق الطبيعة الحيوانية للشخصيات، وإنما وفق مدلولها وترجمتها للفعل الإنساني. أما في النمط الداخلي فإننا أمام مستويين للخطاب: الأول داخلي يرتبط بالطبيعة الحيوانية، وينجز ضمن سياق منغلق على القانون الذي يحكم العلاقة بين الحيوانات. والثاني خارجي يرتبط بفعل المقارنة بين ما جاء في السرد عبر الشخصيات الحيوانية، وما يمكن أن يجري في الحياة الإنسانية. أي إننا نلجأ في النمط الداخلي إلى المقارنة والتفسير لانتقال الخطاب من المجال الحيواني إلى المجال الإنساني، أما في النمط الخارجي فإن التفسير ينجز مع السرد في كل جزئية أو متوالية. ونمثل للنمط الخارجي بحكاية الأرنب والأسد[108].
تقول الحكاية: إن الأسد الذي كان يهاجم الوحوش ليفترسها قد وافق على ألا يهاجمها فيفزعها مقابل أن تقدم هي له كل يوم حيوانًا يأكله وهو في عرينه. وعندما وقع الاختيار مرة على الأرنب تأخر هذا في القدوم إلى الأسد، قائلاً له: التقيت في طريقي إليك أسدًا ضخمًا أخذ مني الأرنب الذي وقع اختيار الوحوش عليه هذا اليوم لغدائك. وحين قلت له هذا غداء ملك الغابة شتمك وقال لا ملك غيري وهذه الغابة ملكي. فقال الأسد للأرنب غاضبًا خذني إليه. فأخذه الأرنب إلى بئر ماء وقال: انظر إنه هناك ومعه الأرنب غداؤك. نظر الأسد وصدق ما رآه فقفز في البئر لمصارعة غريمه.
مرة ثانية ينجز العنوان صورًا ذهنية للتقابل، ولكن بآلية مختلفة ودلالات متباينة. فـ"الأرنب والأسد" صيغة لمفردين من الحيوانات "الأرنب" و"الأسد"؛ أي لا وجود للكثرة والتعدد مقابل الإفراد. يضاف إلى ذلك الحضور المهيمن لسمتين في ذاكرة النوع: الضعف (الأرنب) والقوة (الأسد). الأول ضعيف، عشبي. والثاني قوي، لحمي. وقانون الغاب الذي يحكم العلاقات الحيوانية يقضي بافتراس الأسد للأرنب بسهولة ويسر لتنغلق دائرة الحكي على ذلك. ولكن الافتراس لا يقع ولا تنغلق دائرة الحكي على ما يقضي به قانون الغاب، وإنما على عكس ذلك؛ فالأرنب الضعيف يقضي على الأسد القوي. ولذلك بدأ العنوان بذكر الأرنب، أي الضعيف أولاً وأتبعه بذكر الأسد. ولكن السؤال يبقى مغلقًا على كيفية انتصار الضعف على القوة. والجواب تنجزه الجمل المتوالية في السرد ولكن عبر الإشارة وليس العبارة؛ فالأرنب الذي جاء دوره ليفترسه الأسد، يعمل الحيلة، ويستدرج الأسد القوي إلى البئر ويوقع به، فينجو الأرنب ومعه الحيوانات الأضعف من الأسد.
إذًا، تنجز الحكاية تقابلين عريضين: في الأول طرف غائب عن السرد، يحضر ذهنيًا بحضور السمة (الضعف) و(القوة) فقط. ولكن هذا التقابل معطل عن العمل في السرد وغير فاعل إلا من خلال تأكيد بطلانه في الحكي. بينما ينهض التقابل الثاني، السياقي العريض، الحاضر بقوة الفعل السردي، وهو التأكيد على دور العقل والحيلة مقابل القوة والغطرسة. أي إننا أمام تقابل سياقي في مدلوله الإنساني مباشرة، ولا يمكن لنا أن ننجز قراءة الأحداث أو أن نتابعها من دون حضور ذلك التقابل وذلك المدلول، وكأننا أمام قراءة ثنائية: الأولى غير متماسكة أو متجانسة أو متسقة مع الضعف والطبيعة الحيوانية والقانون الذي يحكمها، وتدل عليها أفعال الحيوانات في النص. والثانية قراءة متسقة على مستوى النسق الإنساني على الرغم من غياب الشخصيات الإنسانية في الحكاية فاعلاً سرديًا؛ ولكنها حاضرة فعلاً رمزيًا من خلال حضور سمات الإنسان (العقل، الحيلة... إلخ) في مقابل القوة والغطرسة. فالحكاية تلتقي بالعالم الخارجي مباشرة، وتلتصق به، ولا تُفهم إلا على أساس حضوره، ولا تنغلق دائرة الحكي إلا على إنجازه، وليس على نهاية الأحداث في الفعل السردي.
وتبقى النتيجة في النمطين التخييليين، وإن اختلفا في طريقة التخييل، واحدة في الانتقال إلى العالم الخارجي لاستكمال النص السردي، أي إن القصدية الإنسانية في القص، أو إنجاز الحكي، هي البنية الدلالية القارة. فالنمط الداخلي يكتمل مع التأويل الذي ينقله إلى العالم الإنساني (الخارجي) والنمط الخارجي يكتمل سرده عبر تأويله المباشر وربطه بالعالم الإنساني (الخارجي).
ويختلف النمطان من حيث السمات الآتية:
1.    الشخصيات في النمط الداخلي ثابتة في منزلتها في التصنيف الحيواني، فما هو فوق كالأسد يبقى في مرتبته، وما هو تحت، كالجمل، يبقى أيضًا في مرتبته؛ ولذلك افترس الأسد الجمل. أما في النمط الخارجي فمنزلة الحيوانات متحولة؛ ولذلك قضى الأرنب (التحت) على الأسد (الفوق) وتحولت منزلة كل منهما.
2.    يبقى التقابل في النمط الداخلي في نطاق الصنف الحيواني (لحمي × عشبي) والانتصار للأول ضمن إطار العلاقة الحيوانية. وفي النمط الخارجي يتغير التقابل لصالح العبرة، ولا يستطيع القوي أن يأكل الضعيف، لأن الضعيف قوي بعقله، بينما الأول قوي بجسده. وتكون الثنائية التقابلية (قوة × العقل) تنويعًا لبيان بيدبا الكلي.
3.    الفاعل في السرد في النمط الداخلي هو المنتصر والأقوى ضمن نطاق العلاقات الحيوانية، مثل (الذئب والغراب وابن آوى). والجمل متلق للفعل، ولا يقوم برد الفعل إلا بما يوافق غاية المنتصر. أما الفعل في السرد في النمط الخارجي فهو للأضعف في الصنف الحيواني أو معادله في القيمة الإنسانية (العقل) ويكون رد الفعل للأقوى في الصنف الحيواني (الأسد)، ويكون رد فعله تحقيقًا لمطلب الأضعف جسديًا والأقوى دلاليًا في رمزية القيم الإنسانية.
4.    يهيمن التأويل المباشر على الأحداث لفهمها في النمط الخارجي، بينما تهيمن المقارنة، في النمط الداخلي، بين عالمين: عالم الحيوان وعالم الإنسان لإتمام دلالة النص الحكائي.
*** *** ***



٭ د. يوسف أحمد إسماعيل: مدرس الأدب العربي القديم في جامعة حلب – كلية الآداب، باحث في السرد العربي القديم، عضو اتحاد الكتاب العرب بدمشق. من كتبه:
بنية الإيقاع في الخطاب الشعري، وزارة الثقافة، دمشق، 2004.
الرؤيا الشعبية في الخطاب الملحمي عند العرب، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2004.
المقامات: مقاربة في التحولات والتبني والتجاوز، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2007.
محكيات السرد العربي القديم، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2008.
بناء القصيدة العربية في العصر المملوكي (البنية الإحالية)، مجلس النشر العلمي، حوليات الآداب والعلوم الاجتماعية، الكويت، 2004.
بناء القصيدة العربية في العصر المملوكي (البنية التركيبية)، مجلس النشر العلمي، حوليات الآداب والعلوم الاجتماعية، الكويت، 2007.
[1]  في استعراض موجز ومكثف لطبيعة كتاب كليلة ودمنة يلاحظ محمد رجب النجار وجود بنيتين في البناء الهيكلي للكتاب يسميهما: البنية الكبرى، ويقصد الحكاية الإطار، والبنية الصغرى ويقصد الحكاية المضمَّنة. راجع: النثر العربي من الشفاهية إلى الكتابة، دار الكتاب الجامعي، الكويت، ط1، 1996، ص 259.
[2]  مفهوم الأدب، تودوروف، ترجمة منذر عياشي، حمص، دار الذاكرة، 1991، ص 122.
[3]  بيان شهرزاد، التشكلات النوعية لصور الليالي، شرف الدين ماجدولين، ط 1، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، بيروت، 2001، ص 110.
[4]  عن السردية العربية، عبد الله إبراهيم، ط1، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، بيروت، 1992، ص 93.
[5]  المرجع السابق، ص 39.
[6]  البنية والدلالة في ألف ليلة وليلة، فريال غزول جبوري، مجلة فصول، المجلد 12، العدد 4، سنة 1994، ص 103.
[7]  بيان شهرزاد، ص 103.
[8]  بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي، حميد لحميداني، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط 2، بيروت 1993، ص 97.
[9]  بيان شهرزاد، ص 103.
[10]  العين والإبرة: دراسة في ألف ليلة وليلة، عبد الفتاح كيليطو، ترجمة: مصطفى النحال، مراجعة: محمد برادة، مطبعة النجاح الجديدة، نشر الفنك للترجمة العربية، الدار البيضاء، ص 19.
[11]  كليلة ودمنة، ابن المقفع، مراجعة وتعليق: عرفان مطرجي، ط 1، بيروت، 2002.
[12]  يعد ارتقاء كسرى الأول أنوشروان العرش افتتاحًا لأزهى عصور الدولة الساسانية، فقد قضى على البدع التي أتت بها جماعة مزدك، وساد في حكمه الأمن. راجع: إيران في عهد الساسانيين، آرثر كريستنس، ترجمة: يحيى الخشاب، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998، ص 348.
[13]  دائرة المعارف، بطرس البستاني، دار المعرفة، بيروت، 1878، ج 3، ص 545.
[14]  كليلة ودمنة، ص 17.
[15]  البراهمة: يعد بَرْهم المعبود الأول عند الهنود، وأصل الموجودات، واحدًا غير متغير وغير مدرك، أزليًا مطلقًا، سابقًا لكل مخلوق، خلق العالم كله. أما عبدته فيقال لهم البراهمة. راجع: دائرة المعارف، ج 5، ص 374.
[16]  كليلة ودمنة، ص 18.
[17]  المرجع السابق، ص 18 - 26.
[18]  المرجع السابق، ص 30.
[19]  المرجع السابق، ص 30.
[20]  المرجع السابق، ص 18.
[21]  المرجع السابق، ص 20.
[22]  الوضيعة: الحطيطة. وهو ما يحط من جملة الحساب فينقص منه، والبعض يسميه الحسم. لسان العرب، ابن منظور، دار صادر، بيروت م7، مادة "حطط".
[23]  الوكس: النقص. لسان العرب، م 6، مادة "وكس".
[24]  كليلة ودمنة، ص 29.
[25]  المرجع السابق، ص 22.
[26]  المرجع السابق، ص 18.
[27]  المرجع السابق، ص 9.
[28]  المرجع السابق، ص 19.
[29]  المرجع السابق، ص 20.
[30]  المرجع السابق، ص 20.
[31]  المرجع السابق، ص 21.
[32]  المرجع السابق، ص 21.
[33]  المرجع السابق، ص 21.
[34]  المرجع السابق، ص 21.
[35]  المرجع السابق، ص 23.
[36]  المرجع السابق، ص 22.
[37]  المرجع السابق، ص 22.
[38]  الكراع: الخيل. لسان العرب، م 8، مادة "كرع".
[39]  كليلة ودمنة، ص 24.
[40]  المرجع السابق، ص 24.
[41]  يعد محمد رجب النجار أحد الكتاب القلائل الذين لاحظوا فكرة التماثل بين بيدبا ودبشليم في نص كليلة ودمنة. راجع: النثر العربي من الشفاهية إلى الكتابة، ص 259.
[42]  المرجع السابق، ص 21.
[43]  كليلة ودمنة، ص 26.
[44]  المرجع السابق، ص26 - 28.
[45]  أكدت ذلك الدراسات المقارنة بين نص كليلة ودمنة وكتاب البنشاتنترا الهندي. راجع: عبد الله بن المقفع، محمد غفران الخراساني، القومية للطباعة والنشر والتوزيع، 1963. وكليلة ودمنة في الأدب العربي، دراسة مقارنة، ليلى سعدالدين، دار المعارف، دمشق.
[46]  كليلة ودمنة، ص 19.
[47]  كليلة ودمنة، ص 15.
[48]  المرجع السابق، ص 15.
[49]  المرجع السابق، ص 16 – 17.
[50]  المرجع السابق، ص 21.
[51]  القوة والضعف. وهو من الأضداد، تعني هنا القوة. لسان العرب، م 13، مادة "منن".
[52]  كليلة ودمنة، ص 20.
[53]  المرجع السابق، ص 21.
[54]  المرجع السابق، ص 26.
[55]  المرجع السابق، ص 26.
[56]  مفهوم الأدب، تودوروف، ترجمة منذر عياشي، حمص، دار الذاكرة، 1991، ص 142.
[57]  المرجع السابق، ص 153.
[58]  كليلة ودمنة، ص 128.
[59]  المرجع السابق، ص 128.
[60]  المرجع السابق، ص 132.
[61]  حكاية الجرذ والناسك. قال الجرذ: "كان منزلي أول أمري بمدينة ماروت في بيت رجل مسن، وكان خاليًا من الأهل والعيال، وكان يؤتى في كل يوم بجونة [سلة من الطعام]، فيأكل منها حاجته ويعلق الباقي. كنت أرصد الناسك حتى يخرج، وأثب إلى الجونة، فلا أدع فيها طعامًا إلا أكلته ورميت منه إلى الجرذان. فجهد الناسك مرارًا أن يعلق الجونة في مكان لا أناله، فلم يقدر على ذلك، حتى نزل به ذات ليلة ضيف فأكلا جميعًا؛ ثم أخذا في الحديث، فقال الناسك للضيف: من أي أرض أقبلت؟ وأين تريد الآن؟ وكان الرجل قد جاب الآفاق ورأى عجائب، فأنشأ يحدث الناسك عما وطيء من البلاد ورأى من العجائب، وجعل الناسك خلال هذا يصفق بيديه لينفرني عن الجونة، فغضب الضيف وقال: أنا أحدثك وأنت تهزأ بحديثي، فما حملك على أن سألتني؟ فاعتذر إليه الناسك وقال: إنما أصفق بيدي لأنفِّر جرذًا قد تحيرت في أمره، ولست أضع في البيت شيئًا إلا أكله. فقال: جرذ واحد يفعل ذلك أم جرذان كثيرة؟ فقال الناسك: جرذان البيت كثيرة، لكن فيها جرذًا واحدًا هو الذي غلبني، فما أستطيع له حيلة. قال الضيف: لقد ذكرتني قول الذي قال: لأمر ما باعت هذه المرأة سمسمًا مقشورًا بغير مقشور. قال الناسك: وكيف كان ذلك؟"
[62]  كليلة ودمنة، ص 132.
[63]  حكاية المرأة والسمسم. "قال الضيف: نزلت مرة على رجل بمكان كذا فتعشينا، ثم فرش وانقلب على فراشه. فسمعته يقول في آخر الليل لامرأته: إني أريد أن أدعو غدًا رهْطًا ليأكلوا عندنا، فاصنعي لهم طعامًا. فقالت المرأة: كيف تدعو الناس إلى طعامك وليس في بيتك فضل عن عيالك، وأنت رجل لا تبقي شيئًا ولا تدخره؟ قال الرجل: لا تندمي على شيء أطعمناه وانفقناه، فإن الجمع والادخار ربما كانت عاقبته كعاقبة الذئب. قالت المرأة: وكيف كان ذلك؟"
[64]  كليلة ودمنة، ص 133.
[65]  حكاية الذئب ووتر القوس. "قال الرجل: زعموا أنه خرج ذات يوم رجل قانص ومعه قوسه ونشيبه، فلم يجاوز غير بعيد حتى رمى ظبيًا، فحمله ورجع طالبًا منزله، فاعترضه خنزير بريٌّ، فرماه بنشاب نفذت فيه، فأدركه الخنزير وضربه بأنيابه ضربة أطارت من يده القوس ووقعا ميتين. فأتى عليهم ذئب فقال: هذا الرجل والظبي والخنزير يكفيني أكلهم مدة، ولكن أبدأ بهذا الوتر فآكله فيكون قوت يومي وأدخر الباقي الى غد فما وراءه، فعالج الوتر حتى قطعه. فلما انقطع طارت سيَّة القوس [ما يعطف من طرفيها] فضربت حلقه فمات."
[66]  لسان العرب، م 3، مادة "حدث".
[67]  بيان شهرزاد، ص 110 الهامش.
[68]  إن الوظائف التي تم استخدامها للتفرع الحكائي تتمثل في أربع هي: التسلية والعبرة وقضاء حاجة ما ودفع مكروه. انظر: الحكاية الخرافية، فريدريش فون دير لاين، ترجمة نبيلة إبراهيم، سلسلة الألف كتاب، العدد 561، القاهرة، ص 96. وانظر: الهيكل التنظيمي لحكايات الليالي، داود سليمان الشويلي، بغداد، مجلة التراث الشعبي، العدد 1، سنة 1989، ص 270.
[69]  كليلة ودمنة، ص 215.
[70]  مفهوم الشر في الأدب العربي، أحمد مرسي، مجلة عالم الفكر، الكويت، وزارة الإعلام، المجلد 17، العدد 1، سنة 1986، ص 79.
[71]  بيان شهرزاد، ص 112.
[72]  راجع كتاب: حكايات الشطار والعيارين في التراث العربي، محمد رجب النجار، الكويت، وزارة الإعلام، سنة 1981، سلسلة عالم المعرفة، العدد 45.
[73]  بيان شهرزاد، ص 169.
[74]  السردية العربية، ص 16 وما بعدها.
[75]  دائرة المعارف، 7/355.
[76]  الغائب، دراسة في مقامات الحريري، عبد الفتاح كيليطو، الدار البيضاء، دار توبقال، ط 1، 1987، ص 11.
[77]  راجع: قصصنا الشعبي: من الرومانسية الى الواقعية، نبيلة إبراهيم، بيروت، دار الوحدة، 1974. و: القصص الشعبي في السودان، عز الدين إسماعيل، بغداد، دار الشؤون الثقافية العامة، 1986. و: ألف ليلة وليلة، دراسة سيميائية تفكيكية لحكاية حمال بغداد، عبد الملك مرتاض، بغداد، دار الشؤون الثقافية العامة، 1989.
[78]  بيان شهرزاد، ص 64.
[79]  الحكاية الشعبية، عبد الحميد يونس، القاهرة، المؤسسة المصرية العامة، دار الكتاب العربي، 1968.
[80]  الفهرست، محمد بن النديم، تحقيق: رضا تجدد، طهران، 1971، ص 367.
[81]  حكاية الحيوان في التراث العربي، محمد رجب النجار، مجلة عالم الفكر، الكويت، وزارة الإعلام، سنة 1995، المجلد 24، العدد 1 - 2. وانظر: التراث القصصي في الأدب العربي: مقاربات سوسيوسردية، محمد رجب النجار، الكويت، 1990، ص 111.
[82]  بيان شهرزاد، ص 160.
[83]  الحكاية الخرافية، ص 65 - 66.
[84]  الحكاية الشعبية العربية، شوقي عبد الحكيم، بيروت، دار ابن خلدون، 1980.
[85]  قام بروب بتطوير مفهوم الوظيفة في ضوء أهميتها بالنسبة إلى الكشف عن السرد الحكائي. وقد لاحظ بروب أن الوظائف لا تتغير على الرغم من تعدد الشخصيات. لذلك قام بفصل الفعل عن الشخصية التي تقوم به. وأصبحت بذلك الوظيفة وحدة مستقلة تمثل الفعل والمغزى. وطبقًا لملاحظته فإن الأفعال المتماثلة قد تكون لها دلالات متماثلة أو العكس. وعليه يمكن النظر إلى النص الحكائي على أنه سلسلة من الوظائف. راجع: مورفولوجية الخرافة، فلاديمير بروب، ترجمة إبراهيم الخطيب، الدار البيضاء، 1986.
[86]  الخب: المخادع. لسان العرب، م 1، مادة "خبب".
[87]  كليلة ودمنة، ص 10.
[88]  المرجع السابق، ص 114.
[89]  عن بنية النص السردي، ص 34.
[90]  كليلة ودمنة، ص 68.
[91]  المرجع السابق، ص 192.
[92]  بناء النص التراثي، فدوى مالطي دوكلاس، بغداد، دار الشؤون الثقافية، ص 161.
[93]  بيان شهرزاد، ص 266.
[94]  المرجع السابق، ص 82.
[95]  كليلة ودمنة، ص 84.
[96]  المرجع السابق، ص 176.
[97]  المرجع السابق، ص 77.
[98]  المرجع السابق، ص 167.
[99]  المقامات: السرد والأنساق الثقافية، عبد الفتاح كيليطو، ترجمة عبد الكبير الشرقاوي، الدار البيضاء، دار توبقال، 1993، ص 33.
[100]  بيان شهرزاد، ص 160.
[101]  قصص الحيوان بين موروثنا الشعبي وتراثنا الفلسفي، فريال غزول جبوري، القاهرة، مجلة فصول، سنة 1993، المجلد 13، العدد 3، ص 138.
[102]  بيان شهرزاد، ص 162.
[103]  أراد الطير والحيوان وأوغاد الناس. يقال: هذا طغامة من الطغام للذكر والأنثى وللواحد وللجمع. ولا ينطق له بفعل. ولا يعرف له اشتقاق. لسان العرب، م 12، مادة "طغم".
[104]  متسعة. لسان العرب، م 2، مادة "ندح".
[105]  كليلة ودمنة، ص 13.
[106]  المرجع السابق، ص 98.
[107]  المرجع السابق، ص 57.
[108]  المرجع السابق، ص 78.