الأربعاء، 17 سبتمبر، 2014

معنى السيميائية لغةً :
السِّيمَاء والسِّيمِيَاء، بياء زائدة: لفظان مترادفان لمعنى واحد. وقد ورد ذلك في كتاب الله ، لكن مقصوراً غير ممدود، أي بلا همز، هكـذا: (سِـيمَا). قال ـ تعالى ـ: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوههِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ} [الفتح: 29]. وقال ـ سبحانه ـ: {تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ} [البقرة: 273].
والسِّيمَاءُ في معاجم اللغة: هي العلامة، أو الرمز الدال على معنى مقصود؛ لربط تواصلٍ ما . فهي إرسالية إشارية للتخاطب بين جهتين أو أكثر، فلا صدفة فيها ولا اعتباط .
والسُّومة والسيمة والسيماء والسيمياء: العلامة، والخيل المسوَّمة: هي التي عليها السمة، وقد يجيء السيما والسيميا ممدودين، وأنشد لأسيد:
غلام رماه الله بالحسـن يافعـاً له سـيمياء لا تشـقّ على البَصَـرْ
كأن الثريـا عُلِّقت فوق نحـره وفي جيده الشِّعرَى، وفي وجهِهِ القَمَرْ
(له سيمياء لا تشق على البصر) أي يفرح به من ينظر إليه.( مختار الصحاح ولسان العرب والقاموس المحيط ، مادة : سوم).

معنى السيميائية اصطلاحًا :
السيميائية أو السيميولوجيا هي " دراسة حياة العلامات داخل الحياة الاجتماعية " ( بنكراد ، 2003) . وهي في حقيقتها " كشف واستكشاف لعلاقات دلالية غير مرئية من خلال التجلي المباشر للواقعة ، إنها تدريب للعين على التقاط الضمني والمتواري والمتمنِّع ، لا مجرد الاكتفاء بتسمية المناطق أو التعبير عن مكنونات المتن " ( بنكراد ، 2003) .

التحليل السيميائي للنصوص الأدبية :
يقصد بالتحليل السيميائي للنص الأدبي دراسة هذا النص من جميع جوانبه دراسة سيميائية تغوص في أعماقه ، وتستكشف مدلولاته المحتملة ، مع محاولة ربط النص بالواقع ، وما يمكن الاستفادة وأخذ العبر منه .
وأود قبل البدء في التطرق إلى جوانب التحليل السيميائي أن أنوه إلى أن التحليل السيميائي يتأثر بدرجة كبيرة بشخصية من يقوم بالتحليل وبالظروف المحيطة به ؛ ولذلك فإن التحليل السيميائي لنص معين قد يختلف من شخص إلى آخر، ومن منطقة لأخرى ، ومن فترة زمنية لأخرى ؛ وهو بذلك مجال خصب للإبداع ، فلا قيود عليه إلا أن تكون هناك دلائل في التحليل المقترح على صحة ما ذهب إليه من قام بعملية التحليل .
كما أود أن أنوه إلى أن التحليل السيميائي يركز على جانبين : 1- الرمزية والدلالات 2- ربط النص بالواقع ، ولكن ليس بالضرورة أن يقتضي ذلك التطبيق الدقيق على أشخاص بعينهم أو أماكن بعينها أو قضية سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو فكرية بعينها .
1ـ سيميائية العنوان والغلاف والإهداء :
بدأت الكتب الصادرة من بطون المطابع تتبارى فيما بينها حول جماليات العتبات الأولى لها ، ويقصد هنا بالعتبات الأولى الغلاف والعنوان والإهداء ، بل راح الكتَّاب أنفسهم يضعون شروطاً بينهم وبين دور النشر حول اختيار نوع الغلاف والألوان الذي يحتويها ، وأي لوحة يمكن أن تتصدر الكتاب ، وأي فنان يمكن التعاون معه . وكما كان للغلاف دوره كان للعنوان مكانته عند المؤلف ، وعادة ما يكون الباب الموصد عند المؤلف حين يفكر في اختيـار العنوان ، لأن الكاتب يفكر في مشروع الكتاب وتفاصيله من فصول وأبواب ، ويترك العنوان فيما بعد ، وخصوصاً إذا كان الكتاب بعيداً عن الدراسة الأكاديمية ، فضلاً عن طبيعة سرد العنوان الذي يبين مدى ارتباط المؤلف والكتاب والمهدى له .
وهذا التباري في الاختيار والتأكيد عليه جعل المتلقي / الناقد يقرأ اللوحة والعنوان والإهداء قراءة نقدية تحليلية بوصفها العتبات الأولى التي ترشده إلى متن النص ، قراءة وتأملاً ومقارنة وتحليلاً ، في ضوء ذلك العالم الواسع المتمركز في فضاء الكتاب أو خارجه ؛ لذا تأتي بعض الأحايين دراسة العتبات الأولى والأخيرة من منطلق المدخل النقدي المقارن لمتن الكتاب .
يحترم المبدع والناقد والكاتب ، في شتى فنون المعرفة والثقافة ، عمله فيسعى إلى احترام الفنون الأخرى ، مثل : الفن التشكيلي لما يؤمن به من تمازج بين الفنون والمعارف ، فالفنون الإنسانية تكمل بعضها بعضاً ، مما يفرض على المؤلف أهمية الاختيار للغلاف والعنوان والإهداء معاً .
من هنا نجد الكتب القديمة التي كانت ولاتزال تخرج من المطابع تخلو من اللوحات التشكيلية أو الاهتمام بالعنوان ، لأن ما كان في القديم يأتي من دون لوحات فنية إلا ببعض الخطوط والأشكال التي يتعمد صاحب الدار وضعها ، أما العنوان فقد كان متجهاً نحو العناوين البلاغية والسجعية . فهؤلاء لا ينظرون إلى الناحية الشكلية وثقافة الصورة بقدر ما يضعون الاعتبار إلى المتن .
وعلى هذا فقد خرجت معظم كتب التراث والحضارة والتراجم خاليـة من فنية الغلاف ، واقتصر الأمر على التجليد المقوى والعنوان واسم المؤلف المتضمن الاسم والقبيلة أو العشيرة أو الكنية ، غير أن الإصدارات الحديثة ، وتحديداً الإصدارات الإبداعية ، مثل : الرواية والقصة والشعر والمسرحية فإنها ترى ضرورة الاهتمام بالجانب الشكلي المعني بالعتبات الأولى ، وراحت دور النشر تتفق مع العديد من الفنانين التشكيليين لوضع لوحاتهم على أغلفة إصداراتها ،متفقة مع البعض لدراسة التمازج والارتباط بين المتن أو العنوان بوصفهما نصين مكتوبين مهتمين بثقافة الكلمة وبين اللوحة التشكيلية التي تتمازج معهما أو تتقاطع بوصفها مهتمة بثقافة الصورة .
وعلى هذا الأساس نرى أهمية اللوحة التشكيليـة في العمل الإبداعي المكتوب ؛ لأنها بنية مكونة من كليات خاصة وقواعد متمفصلـة يمكن أن تخضع للتحليل والقراءة النقديـة ـ كما تقول جوليا كرستيفا في مقالة اللغة المرئية : التصوير . وهذه البنية هي لغة خطوط وأشكال وألوان ، ومن خلال هذه اللغة يمكن إظهار الواقع أو التعبير عنه أو الإحالة إليه ، بل تحيل هذه اللوحة الفنية إلى ذوات ووحدات تركيبية ودلالية تتناثر هنا أو هناك في فضاء النص المكتوب .
وإذا كانت العلاقة حتمية بين لغة اللوحة التشكيلية وبين العنوان أو بين الإهداء ، فهذا يعني أن تشاكل أو تماثل اللوحة أو العنوان يتم مع نموذج ثقافي موجود في حياتنا مسبقاً ، أي موجود في مخزوننا المعرفي الثقافي المرئي أو المقروء ، سواء أكان ذلك خارجاً من ثقافة المؤلف أم من ثقافة الفنان ، لذا فالصورة التي تبرز الكتاب الإبداعي هي عبارة عن علاقة بين أنا / الصورة والآخر / النص في ظل رغبات الانزياحات التي يمكن أن يقوم بها المتلقي لتمثيل هذا العمل كله مع الواقع المعيش والمرجعي .
من هنا أكد د0 هـ0 باجو بقوله : " من المغري جداً اعتبار الصورة شيئاً مماثلاً ومطابقاً للواقع ، لكن هذا معناه الوقوع مباشرة في فخ { الوهم المرجعي } الذي غالباً ما أدانته ورفضته الدراسات النقدية".
غير أن أية لوحة فنية ستوضع على غلاف الكتاب لتدخل عالم العتبات الأولى لهذا الكتاب أو ذاك هي في حقيقة الأمر لا تمثل واقعاً بقدر ما تكون نموذجاً بين العالم المرجعي واللغة التي تستند إليها مجموعة من النصوص المختلفة التي قد تتقاطع أو قد تتباين ، وهذا يعني أن اللوحة ذات دلالة أو دوال للنص الذي سيقرأ فيما بعد .
أما العنوان فمن البديهي أن يكون أمر اختياره من قبل المؤلف ، وقد يتدخل بعض المقربين المهتمين بشأن الإبداع ليطرحوا وجهات النظر فيما يرون من دلالات العنوان . فالمؤلف على يقين أن ينظر إلى العنوان بوصفه مجموعة من الدوال ، بحيث ينظر له من ناحية التركيب والدلالة وفعل التأويل ؛ لأنه إحدى العتبات الأولى لمتن النص .
ولذلك يحاول المؤلف أن يعطي عنوان عمله مسحة فنية تبعد العمل عن البنية السطحية بقدر الإمكان عندما يقوم بنسجه ، سواء من خلال الصورة الذهنية ، أو من خلال متخيله الذهني ؛ لذلك قد يأخذك العنوان إلى تأكيدات داخل النص ضمن مجموعة من السياقات أو بعضها ، كسياقات الحدث أو الوصف أو التركيب اللغوي أو الدلالي فكرياً أو حياتياً ، وهذا يعني أن العنوان يدخل بك في عوالم عديدة ومحطات كثيرة في هيكل العمـل وجسده بشكل مباشر أو غير مباشر ؛ لذا يقول رولان بارت : "العنوان هو نظام دلالي سيميولوجي يحمل في طياته قيماً أخلاقية واجتماعية وأيديولوجية " .
ولأن العنوان ذو دلالات وعلامات رامزة للنص أو لجزء منه ؛ فإن دراسة العنوان تأتي وفق ما يتميز به من وظائف بصرية وجمالية وترويجية أو إغرائية ودلالية ؛ لهذا يطرح الدارس على نفسه الكثير من التساؤلات تجاه العنوان ، مثل : هل العنوان مفتاح النص ؟ أمأخوذ من المادة النصية ؟ أجاء محض صدفة من المؤلف ؟ ما نوع الدلالات التي يحملها العنوان ؟ كيف تتم عملية تأويله ؟ ممَّ يتكون ؟ أهو جملة اسمية أم فعلية ؟ أهو عنوان بارز على الصفحـة أم محفور فيها ؟ وخصوصاً إذا عرفنـا أن العنـوان هو " أعلى اقتصاد لغوي ممكن ليفرض أعلى فاعلية تلقٍّ ممكنة " ، وهذا ما أكده محمود عبد الوهاب حين قـال : " إن العنوان على المستوى اللغوي يعتبر مقطعاً لغوياً يعلو في النص وتتحكم فيه قواعد نحوية وسيميائية " .
وحين نأتي إلى الإهداء فمن الطبيعي أن يكون الإهداء الذي يظهر في الصفحات الأولى من بدايـة الكتب المؤلفـة أو المترجمة على شكل فني مدون ، إما بخط اليـد أو بالحاسوب ، يعبر عن ذوقٍ رفيع للكاتب ، وتقديرٍ منه بحق الآخرين ، واحترامه لدور من له شأن عنده ، أياً كان هذا الشأن ، وهذا الإهداء سواء كان إلى أشخاص معينين أو مؤسسات أو جهات أو دول أو غير ذلك ، تبقى نية الكاتب مرهونة بالتقدير تجاه من يُهدى له العمل الإنتاجي ، بل قد يصل الأمر إلى نسق التوافق بين طبيعة الإهداء وما هو منتج والجهة التي يُهدى لها ، كما أن متن الكتاب قد يفرض إهداءً معيناً سواء أكان مرتبطاً بالحزن والألم ، أم بالفرح والغبطة ، أم بدلالات يراها الكاتب ذات علاقة بينها وبين مفردات الإهداء.
 سجل

أترجة
زائر

رد: معنى السيميائية
« رد #1 في: Apr, 19, 2012, 05:28:03 »
2 ـ سيميائية الأسماء :
للتسمية في التراث العربي سمات‏ ودلالات تحدث عنها قديماً الجاحظ في أكثر من موضع . ولذلك استدعى الاهتمام بأسماء الشخصيات التي لا شك أنها اختيرت عن قصد، بحيث تشير إلى دلالة معينة يوحي بها الاسم بعد أن تتضح صورته في ذهن المتلقي. فاسم مثل "سكينة"، لا ريب أنه يوحي إلى أن المسمى يتسم بالسكينة والوقار والهيبة... واسم كـ"عبد الودود"، و"عبد الباقي"، و"عبد الحميد" ـ وكلها مركبة من "عبد" واسم من أسماء الله الحسنى ـ تدل ولا شك على أن هذه الأسماء الدينية لها مقام في الوسط الاجتماعي.‏
ولعل في قصة نداء المجهول التي كتبها محمود تيمور ما يدل على ذلك ( عبد الجليل ، 1982 ، 43 – 45 ) ، وإن شئت فانظر إلى الأشخاص الذين نسَبَ إليهم أحداث القصة تجد " مجاعص " و" مِس إيفانس " و " يوسف الصافي " و"الأستاذ كنعان " و " الشيخ عاد " و" حبيبًا " . وأية تسمية تلك التي يمكن أن يسمَّى بها هذا المجاعص سوى أنه حريٌّ بهذا الاسم بما فيه من جرس صوتي خليق بهذا الاسم أو الوصم إن شئت ، فهو طبلٌ أجوف يُصدِرُ عجيجًا ولا ترى له طحنًا ، يقول ويسرف في القول ، ويزعم ويسرف في الزعم ، دون أن تحس لما يقول فعلاً ، ودون أن تلمس لما يرسل ترجمة ، يرى أنه الدليل في هذه الصحراء ، وهي منه براء ، ويدَّعي أنه الشجاع المقدام وهو الجبان الهَلوع .
أما " مس إيفانس eva " فهناك قديس يدعى " إيف Yves " وهو الذي نصر مقاطعة بريتاني غرب فرنسا ، وله فيها كنيسة مشهورة ، والشق الأول من الاسم يعني حواء ، وهو بذا يحمل معاني القوة والضعف والرقة والمغامرة ما تجده ماثلاً مترجمًا ؛ فهي التي وفدت فأثرت في باقي الشخصيات وقادتها إلى هاوية محقَّقة تنفيذًا لرغبة خاصة بها مما تجد صداه في القصة .
وما يوسف الصافي في واقعه سوى هذا الأثر الدلالي لقصة يوسف عليه السلام الواردة في القرآن الكريم ، الذي تتعلق بجماله النساء ، فهو مدعاة للشغف ، ومثار للأسى والحزن على نفسه وعلى كل من حوله ، وبذلت مس إيفانس في سبيله ما بذلت .
والأستاذ كنعان هذا الاسم الدال على البيئة التي ينتمي إليها ، والكاشف عن شخصيته المنطوية التي لا تبغي استشرافًا ، ولا تريد استطلاعًا ، إنما هو بما يعرف راضٍ .
والشيخ عاد ، هذا الرجل الوقور الذي يواجه الأحداث بطبعٍ هادئ ، وعقلٍ متزن ، وتفكيرٍ متَّئد ، وتمضي الرحلة ليلقى مجاعص حتفه ، ولتتركهم مس إيفانس لاستفساراتهم وتأملاتهم ، وحدسهم وتظنُّنهم ، فيما سلكته من مسلك ، ولا يعود مع الكاتب سوى الشيخ الذي لا يصلح له سوى " عاد " اسمًا .
وشخصية حبيب الذي يتنقَّل بين الرواد من مختلف الجنسيات ، لم يكن بد من أن يكون فعيلاً ؛ دلالةً على هذه المبالغة في دنيا الحُب ، ولم يكن بد من أن يكون بمعنى مفعول ؛ دلالةً على أن هذا الحب واقعًا عليه وليس صادرًا منه .
3 ـ سيميائية الصور :
إنّ مفهوم الصورة وإنتاجها قائم على مجموعة من الرموز والدلالات التي تضعنا أمام إشكاليّة اللغة التشكيلية ، وهي لغة مرئيّة متطوّرة عبر آليات القراءة وتنوّعها. ولأننا اعتبرنا أنّ بنية لغتنا خطّية ومتواصلة، بحيث تصلنا المعلومات شفويّا أو كتابيّا ، الواحدة تلوالأخرى على امتداد الخيط الزمني ؛ فإنّ إدراكنا للصورة شامل ومتزامن ، فالمعلومات تنكشف أمامنا في آن واحد . ذلك أنّ القراءة ناتجة عن مسار العين التي تتنقّل بين الرموز لتؤّسس محور الرؤية .
هذا المسار شخصي وغير محدود في بدايته ، وهو الشيء الذي يجعل من الصورة أحيانا أداة تواصل غير مكتملة . إذ إنّها تمتصّ قراءات وتأويلات مختلفة ناتجة عن طبيعتها المعقّدة .
والقراءة تعني اختراق الحدود التقريريّة ( الظاهر ) ، في محاولة للكشف عن الإيحاء ( الباطن ) لاستخلاص مختلف العلاقات بين العناصر التشكيليّة والأنساق التعبيريّة . وتتولّد عن ذلك عمليّة التفكيك لكلّ مركّبات الأثر الفنّي ونسيجه الداخلي بغية استجلاء ماتخفيه الرموز والدلالات . وفي الأثناء تتحدّد قناة التواصل بين الباث ( الفنان) والمتلقّي (القارئ) عبر الخطاب . ( راضية العرفاوي )
تتميز الصورة بالغموض كما تحمل معاني متعددة ، يضاف إلى ذلك أن الرسالة التي تنقلها لا يمكن فك رموزها توًا . على النقيض من ذلك نجد أن الرسالة اللسانية قادرة على تحقيق تواصل خال من اللبس .
فيما يتعلق بغموض الرسالة البصرية نقول إن غموضها يعتبر على الأجدر ميزة أكثر مما هو عيب . كما أن غموض الصور يشكل غناها ، فالصور تنقل دلالات ، ومن الصعب أن نعرف ماذا تعني، وكيف تقوم بذلك .
لقد وفرت السميولوجيا الأيقونية – باعتباره علمًا حديثًا نسبيا- إمكانية دراسة الصورة في ذاتها. ترتكز سميولوجية الصورة على مناهج تحليل مستعارة من اللسانيات ، مادامت هذه الأخيرة قد بلغت درجة من النضج العلمي : إنها تَعتبِرُ الصورة نسقًا يحمل في نفس الوقت الدلالة والتواصل . وعليه فإنها تعالج الصورة كنسق يمكن أن نتحكم علميًا في قوانين اشتغاله .
هكذا يمكن أن نعتبر الصورة كالإشارة ، أي أنها أداة تكمن وظيفتها في نقل الرسائل ، وهو ما يفترض وجود سَنَنٍ تنتج بمقتضاه تلك الرسائل . إن فك رموز الرسائل يحتم امتلاك سَنَن ، وبدون ذلك لن نتقدم بخطى حثيثة في قراءة الصورة .
هناك موقفان متناقضان ، حسب تصور Thibault-Laulan، من الصورة ، فمن جهة هناك التأمل الذي يحيل على المظهر الصوري للصورة ، وهناك من جهة أخرى الفعل الذي يرتكز على فهم وتشخيص وفك رموز الرسالة ، وهو الأمر الذي يحيل على مضمون الرسالة .
يتعلق الأمر في الحالة الأولى بالقراءة الإستاتيكية (الساكنة ) ما هو ظاهر وباد. وهو ما نسميه في اللسانيات بالإيحاء ، أما في الحالة الثانية فإننا نتحدث عن قراءة دلالية (ما معنى هذا) .
نجد هذين المستويين من القراءة ضمن كل أشكال التواصل بالصور، سواء تعلق الأمر بالإعلان الإشهاري أو بالقصص المصورة أو بالتلفزة. إن لغات الصورة كيفما كانت ، لها جميعها نقطة انطلاق مشتركة : الارتكاز على الإدراك البصري .
بيد أننا لا نكتفي أبدًا ، أمام صورة أو فيلم ، باستعمال الإدراك البصري وحده ، إذ إن هذا النشاط يكون مرفوقًا دائمًا باستثمار خيالي- أقل أو أكثر قوة - يعمل على استكمال النظرة الخالصة .
لا توجد قواعد لغة خاصة بالصورة الخالصة ؛ لأن اللغة الأيقونية غير مختزلة في سَنَنٍ موحد قابل لأن يطبَّق على كل الرسائل السمعية البصرية ؛ ففي الحد الذي يفك فيه رمز الصورة على كلٍّ من المستوى الأيقوني والمستوى الاجتماعي ، تتجاوز الصورة الإطار الصوري . إن الموضوع السمعي البصري يقدَّم للمتفرج كنسيج ، يستقبل منه في بداية الأمر إدراكًا بصريًا عامًا ، بعد ذلك يبحث عن تشخيص الدلالات المعروفة سابقًا . ومع ذلك ، فإنه يقوم ، في الواقع ، باكتشاف متدرج للعلامات.(...). ترتكز كل رسالة سمعية بصرية على عدد كبير من الرموز التي توجد بمعزل عن الرسالة ، ومجموع ذلك يكون الرسالة. وهناك صنفان كبيران من الرموز :
أ- الرموز التخصيصية، وهي الرموز المختصة بنمط التعبير المستعمل ، مثال ذلك :"الكرة" في القصة المصورة .
ب- الرموز غير التخصيصية (غير المحددة) ، وهي الرموز الحاملة لدلالات تُعدَّل بواسطة نمط التعبير الذي يقع عليه الاختيار ، ومن ثم فهي تشكِّل على الخصوص رموزًا "سوسيوثقافية" مثال ذلك : سيارة ، لباس ، بحيث يحيلان مباشرة علي قيمة اجتماعية وثقافية .
في الفوتوغرافيا تعكس الصورة في كليَّتها الواقع ، كما يصعب فصل كل ما يدخل في صياغة الدلالات عن هذا التمثيل . يتعلق الأمر بضبط الصورة ، وبالضوء ، وبزاوية التقاط الصورة ، وبعمق المجال . . . إلخ. هكذا لا نجد دائمًا الواقع في الرسالة الأيقونية ، وإنما نجد الدلالات التماثلية للواقع التي يعاد اشتغالها بواسطة الرموز التخصيصية . وعليه يظهر معنى الرسالة الأيقونية عندما يصبح المشاهد قادرًا على ترجمة الرسالة ، وإعادة المجهول معلومًا ، وجمع المعطيات البصرية ضمن معرفة موجودة سابقا. ( جوديت لازار : الصورة )
4 ـ سيمياء الزمان والمكان والعلاقة بينهما :
لعل من الفضول العلمي أن نستفسر عن الزمن الذي حدثت فيه هذه الرواية ، وإلى أي مدى كانت تعود إلى الوراء لإبراز العناصر السردية ذات العلاقة بالمسرود ، ورغبة في إظهار المسرود له . قد يعود الزمن في بعض الأعمال الأدبية إلى الوراء بعشرات السنين، فيضطرب في الامتداد عبر الماضي الطويل ، ويسمى بالزمن التاريخي ، كما يتجسد ذلك في كلام (جلال الدين) في رواية " حمامة سلام " ، وهو الطالب الأزهري ، خطب في مسجد القرية يوم الجمعة بدل الإمام الغائب ، فقال: " لقد وقع العالم في حرب طاحنة لا يعلم إلا الله مداها... حرب على رأسها هتلر الذي أصبح اسمه يتردد على الألسن" . (بلقاسم دفة : التحليل السيميائي للبنى السردية ) .
إن العلاقة التي تربط الزمان بالمكان هي علاقة تكامل ، فكل منهما يكمل الآخر، ومن ثم لا وجود لأحدهما دون الآخر ، بمعنى أن هذه العلاقة أساسية ؛ لأنها تشخص جدلية في الحياة ، وتشخص جدلية الواقع الروائي في حد ذاته . والجدير بالملاحظة ، أن الزمن والمكان في رواية الزلزال مثلاً متداخلان ، متمازجان ، حاضران حضورًا دائمًا ، قد يستحيل معه تناول أحدهما بمعزل عن الآخر...وإن كنا قد سمحنا لأنفسنا بهذا الأمر، فإنما يكون ذلك على المستوى الإجرائي لا غير. ( كرومي لحسن :حركية الزمان وجمالية المكان ) .
 سجل

أترجة
زائر

رد: معنى السيميائية
« رد #2 في: Apr, 19, 2012, 05:34:12 »
5ـ الوظائف السردية للشخصيات :
يقصد بالوظيفة السردية للشخصية ما تمثله هذه الشخصية من شخصيات لها ملامحها الخاصة في المجتمع ، دون الخوض فيما قامت به هذه الشخصية في النص من أدوار ، إنما نستنبط من هذه الأدوار الموجودة في النص الدور الذي تمثله هذه الشخصية في المجتمع .
فهناك مثلاً : الطيب ، الخبيث ، الانتهازي ، الوقور ، فاعل الخير ، المنافق ، الغوِيّ، الناصح الأمين ، الاستبدادي ، الظالم ، المتكبر ، . . . إلخ ( في الرجال ) .
كما أن هناك ربة البيت ، الأم المهتمة بأبنائها ، الزوجة المتفانية في خدمة زوجها ، البنت المدللة ، المرأة اللعوب ، المرأة المترجلة ، . . . ( في النساء ) .
وهناك القائد الفذ ، الزعيم المتسلط ، الحاكم العادل ، العميل للعدو . . . إلخ ( في السياسة ) . وهكذا .
6 ـ سيميائية البناء الخارجي للشخصيات :
يقصد بالبناء الخارجي للشخصية الملامح الخارجية لهذه الشخصية : شكل الوجه وحجمه ، شكل العينين ولونهما ، شكل الأنف ، العنق ، طول الشخص ، عرضه ، ما يلبسه ، مشيته ، طبيعة تحركه ، جلسته ، نبرات صوته . . . إلخ .
وهنا ليس المقصود مجرد وصف لهذه الملامح ، إنما ما يمكن أن نستنبطه من دلالات من هذه الملامح ، وما يمكن أن تشير إليه هذه الملامح من معانٍ ضمنية يريد الكاتب أن يوصلنا إليها .
7 ـ سيمياء الملامح الداخلية للشخصيات :
يقصد بالملامح الداخلية للشخصية الصفات النفسية والعقلية والفكرية والاجتماعية والخُلُقية والعقائدية التي تتمتع بها الشخصية في النص نفسه ، مثل : الانطواء ، العصبية، الغيرة ، الذكاء ، الإهمال ، سعة الأفق ، سعة الاطلاع ، البلادة ، السخاء ، الكرم ، التدين ، الإلحاد ، التعصب ، التسامح ، مساعدة المحتاجين ، الشراهة ، القسوة ، التكبر ، التواضع . . . إلخ .
إن التعرف على هذه الملامح ، تساعدنا في التعرف على ما يرمي إليه الكاتب من ذكر مثل هذه الملامح ، وخاصة التركيز على واحدةٍ أو أكثر منها في النص ، وبالتالي يساعدنا في الدراسة السيميائية للنص بصورة أفضل .

ملاحظة هناك كتب جمة تحدتث عن التحليل السيمائي من بينها على سبيل التمثيل لا الحصر :
مدخل إلى السيميائية السردية ، لسعيد بنكراد
مقدمة في السيميائية السردية للدكتور رشيد بن مالك
السيميائية أصولها و قواعدها لدكتور رشيد بن مالك
تحليل الخطاب السردي و الشعري للدكتور بشير عبد العالي
الإشتغال العاملي للدكتور السعيد بوطاجين
و كتب أخرى للدكتور عبد الحميد بورايو و الدكتور عبد المالك مرتاض و سعيد يقطين و محمد مفتاح وعبد الفتاح كيليطو و الدكتور مولاي علي بوخاتم و الدكتور أحمد يوسف....إلخ و موقع سعيد بنكراد لمجلة علامات السيميائية و موقع Robert marty.fr الخاصة بالدراسات السيميائية

منقول

الاثنين، 4 أغسطس، 2014

كتاب سيمولوجية الشخصيات الروائية - سعيد بن كراد


كتاب سيمولوجية الشخصيات الروائية - سعيد بن كراد





أصدر بروپ في الثلاثينات من القرن الماضي كتابا حول البناء الهيكلي للحكاية العجيبة اعتُبر في حينه معلمة فكرية غير مسبوقة. فقد شكل هذا الكتاب قطيعة مع تقليد نقدي كان يراهن على الموضوعات والقيم من أجل إعطاء وصف شامل للنصوص السردية، ومنها الحكايات العجيبة على وجه الخصوص. وهو أمر رفضه بروب واعتبره تصنيفا فاسدا لا يمكن أن يقدم لنا عناصر ملائمة في التحليل. فالمضامين، باختلاف أنواعها، لا يمكن أن تكون منطلقا صلبا لتحليل سردي يمكننا من الكشف عن الوحدة الجوهرية للحكاية العجيبة، وربما كل الحكايات. إن المهم في تحليل الحكاية العجيبة، في تصور بروب، هو بناؤها الشكلي، والالتزام بعناصر هذا البناء هو وحده الكفيل بالكشف عن كنه الحكاية ونمط اشتغالها وتحولاتها الممكنة أيضا.
وهذا ما دفع بروب إلى الاحتفاء بالوظيفة وجعلها عصب النص ومحوره الرئيس. فالحكاية هي تسلسل من الوظائف المحدودة العدد والانتشار، ولا يمكنها أن تكون شيئا آخر سوى ما تحيل عليه هذه الوظائف في تتابعها وانتظامها في دوائر بعينها. وما يتبقى من العناصر الحكائية فإنه يدخل ضمن العرضي والزائل وغير الملائم.
ولقد دفعه هذا التصور إلى إهمال الشخصيات التي تقوم بهذه الوظائف وتؤديها وتسمها بميسمها. فالشخصية في نظره لا أهمية لها على الإطلاق في البناء الحكائي، ولا يمكن الاستناد إليها من أجل معرفة الطريقة التي تشتغل بها الحكايات. فالأجدى للدراسات السردية إذن، أن تتخلى عن الشخصيات وأن تبحث عن بنية الحكاية في ما تقدمه الوظائف لا فيما توهم به الشخصيات.
إلا أن هذا التصور لم يصمد طويلا، فبعد الهزة العنيفة التي أحدثها هذا النموذج التحليلي في الدراسات السردية، كان لابد من حدوث هزة أخرى تطال كل القناعات التي أفرزها هذا النموذج ذاته، وهي قناعات تحولت مع الزمن إلى حقائق لا تمس. فكان من الضروري أن يعاد النظر في الكوني والعام، وكان من الضروري أيضا، ومن نفس الموقع التحليلي، أن يعاد الاعتبار للزائل والعرضي.
بالتأكيد لا أحد يشك في أن هذا النموذج التحليلي قدم لنا مقترحات ساهمت في تعميق معرفتنا بالنص السردي، وكشفت لنا عن وحدة الكائن البشري : وحدته في العقل والفن والغرائز، إلا أن الوقوف عند ما يُوَحِد ليس كافيا لإنتاج معرفة حقيقية تخص الإنسان وعالمه. فهذه الوحدة لا يمكن أن تستمر في الوجود إلا إذا استندت إلى خصوصية تغذيها. من هنا جاءت الحاجة إلى العودة من جديد إلى ما يميز ويخصص. فمن صلب الكوني والعام ينبثق الاختلاف والتنوع والتعدد. وفي هذا المجال، لا يمكن للتعدد أن ينبثق إلا من خلال إعادة النظر فيما اعتبر عرضيا وبلا أهمية في التحليل، أي الشخصية. فهذه الشخصية لا يمكن أن تكون عنصرا عرضيا وزائلا لا يقدم ولا يؤخر كما اعتقد ذلك بروب، بل هي، على العكس من ذلك، العنصر الذي يميز هذا النص عن ذاك.
من هنا كان الانزياح عن الهيكل السردي العام، والعودة لمساءلة ما " أهملته" النظريات الأولى هو السبيل إلى معانقة خصوصية الفعل الإنساني. وهذا ما جعل مجموعة من الباحثين يعيدون النظر في مقترحات بروب ويُنسِّبون أحكامه، بل ويدعون إلى التخلي عن أغلبها. فلقد أدرك هؤلاء أن هذا النموذج لم يكن صائبا في مجمله، وأن التحليل فيه انتهى من حيث كان يجب أن يبدأ، وأن العرضي ليس كذلك في مطلق الأحوال. فقد يكون هذا العنصر، من زاوية التحليل الدلالي، هو العنصر الرئيس في التصنيف والتحديد والحكم القيمي. فالشخصية، في أي بناء فني، لا يمكن فصلها، كما سنرى في فصول هذا الكتاب، عن الخزان الثقافي الذي تشتق منه الخطاطات الفنية والدلالية والتركيبية على حد سواء. فالتلوين الثقافي ليس وليد الكوني والعام، بل مثواه الخصوصي والمميز. لقد قدم لنا بروب ما يوحد، وكان من الضروري أن نبحث في نماذج أخرى عما يميز ويخصص.
فما بين الخطاطة السردية العامة التي تشكل معيارا ثابتا وبين الوصفات الثقافية الخاصة ( التحقق الخاص للخطاطة) تتسرب الشخصية كتأكيد لهذه الخطاطةمن حيث إنها لا يمكن أن توجد خارجها، ولكنها تمْثُل أمامنا في الآن نفسه كانزياح وخروج عنها. فأي تحقق مخصوص يعد، بشكل من الأشكال، إغناء لهذه الخطاطة وتنويعا لحدودها. فما يشكل عمق النص في حقيقة الأمر، ليس إعادة إنتاج االخطاطة السردية العامة المؤطرة للنص في كليته الهيكلية، فما يمنح النص خصوصيته وتلوينه الثقافي حقا، هو الخروج عن هذه الخطاطة وخلق فجوات وشروخ داخلها.
صحيح أن الشخصية هي موقع تركيبي في المقام الأول، وصحيح أيضا أن قيمتها الحقيقية داخل النص لا تعود إلى تمثيلية تستند إلى حكم قيمي مسبق، بل تعود إلى علاقتها مع باقي العناصر السردية الأخرى، إلا أنها مع كل ذلك، تتحدد أيضا وأساسا، باعتبارها وحدة ثقافية تعيش في الذاكرة الجماعية، على شكل مجموعة من التصنيفات والمسارات التصويرية والوصفية التي يمكن اعتبارها وحدات منبثقة عن تقطيع ثقافي مخصوص.
وداخل هذا التقطيع يصاغ كل ما يعود إلى الشخصية، فالمواصفات والعوامل والأدوار الثيمية هي معطيات ثقافية في المقام الأول، وتحققها في النص هو ما يمنح هذا النص نكهته الخاصة. فحتى في الحالات التي نكون فيها أمـام نصوص تتناول قضايا تتعلق بالحيوانات أو الجن أو كائنات فوقية، فإن عملية التشخيص تتم عبر تصورات تعود إلى الإنسان وإلى تصوره للحياة ضمن وعاء ثقافي هو ما يحدد السنن الوصفي والوظيفي.
ووجود الإنسان باعتباره مرجعية لكل الكائنات أمر بالغ الأهمية، ذلك أن ماهية الإنسان هي الماهية الوحيدة التي يمكن أن تكون منطلقا لتصور إمكانات سلوكية تخص كائنات أخرى، فهي > تمثل داخل ثقافة معينة معيارا وحيدا لسلوك ممكن، وتتجسد في النص الفني باعتبارها تجميعا لسلسلة من الإمكانات التي لا تتحقق إلا جزئيا داخل حدود النص، والأمر لا يتعلق فقط بتجميع للأفعال فحسب، بل هـو تجميع لأنواع سلوكية قابلة للتصور ضمن حدود نسق مصنف وأكثر عمومية. " ( لوتمان)
وبعبارة أخرى، فإن النسق الذي تصنف وفقه الأفعال الإنسانية هو حلقة نهائية داخل سلسلة التسنينات التي يخضع لها السلوك الإنساني كأفعال تتكرر باستمرار. وتحتاج هذه الأفعال، لكي تتخذ شكل قانون عام، إلى أن تثبت داخل قوالب. إن حصولها على هذا الوضع يجعل منها جهازا نقيس به السلوك اليومي ( مدى مطابقة هذا السلوك أو عدم مطابقته للمعيار) كما يشتغل كتوقعية تحدد المسارات الممكنة انطلاقا من وضعية إنسانية محددة.
فالأسنن الوصفية والوظيفية تخضع، باعتبارها جزءا من ثقافة، لمقتضيات التقطيع الثقافي للكون السلوكي الذي يدركه المتلقي باعتباره أفعالا أو وظائف أو مواصفات. فلا يمكن فهم سلوك أو موقف من مواقف شخصية ما إلا بالاستناد إلى سنن ثقافي بعينه. وخير مثال على ذلك ما أورده شتراوس عن تصنيف الهنود في الأمريكيتين، الشمالية والجنوبية، للأشجار. فتارة ينظر هؤلاء الهنود إلى الأشجار من حيث إحالتها على الخصوبة، وتارة من حيث إشارتها إلى التجذر في الأرض. ففي الحالتين معا لا يمكن الاكتفاء بالوظيفة كما تصور ذلك بروب، وإهمال الفصيلة التي تنتمي إليها الشجرة، فما هو أساس هنا ليس الفعل المسند إلى الشجرة، بل موقعها داخل المتخيل الثقافي الهندي.
وهو ما يصدق أيضا على الكائنات البشرية بدءا من أبسط سنن وانتهاء بالتمثيل الثقافي العام الذي يخترق المجتمع ككل. فللصيادين أسننهم وللفلاحين أسننهم وللعمال والبحارة أيضا أسنن يهتدون بها. وبما أنه لا يمكن تصور كائن اجتماعي خارج تصنيف مسبق، فإن أي صياغة لكيان شخصية إنما يتم انطلاقا من هذا التصنيف، ويشكل هذا السنن التصنيفي إرغامات حقيقية لا يمكن للمبدع أن يتجاهلها وهو يصوغ شخصياته.
وهذا ما حاولنا توضيحه بكثير من التفصيل في دراستنا التطبيقية في الباب الثاني من هذا الكتاب. فلا يمكن أن يكون الطروسي مثلا ( بطل رواية الشراع والعاصفة ) شجاعا وعاجزا جنسيا في الوقت نفسه، كما لا يمكن أن يكون شهما وجبانا في الوقت نفسه. فهو بحار، والبحار في كل أرجاء المعمورة، كائن تستهويه الخمرة والنساء والمغامرات والموانئ البعيدة، حتى وإن وجد فعلا بحار جبان وعنين ولا يشرب الخمر.
وعلى هذا الأساس، فإن الصياغة النظرية التي يمكن أن تعطى لسميائيات تهتم ببناء الشخصية الروائية يجب أن تكون لها القدرة على استيعاب هذه المعطيات. فعبر هذه المعطيات يمكن الوصول إلى تحديد الأكوان الدلالية والنظر إليها باعتبارها تنويعات ثقافية تخبر عن العمق الحضاري لمجموعة بشرية ما.
والخلاصة أن الشخصية الفنية، كما يرى ذلك لوتمان، تبنى لا كتحقيق الخطاطة ثقافية محددة فحسب، بل تبنى أيضا كنسق من الانزياحات الدلالية تجاه هذه الخطاطة ، ووجود هذه الخطاطة هو الخالق للوصفات الخاصة.
من هذه المنطلقات بالذات قدمنا مجموعة من النماذج النظرية التي أولت اهتماما كبيرا للشخصية وتعاملت معها باعتبارها الأساس الذي ينبني عليه الفعل السردي، وهو أيضا الأساس الذي يقود إلى تشخيص القيم وإعادة صياغة حدودها. والجامع بين هذه التصورات هو تناولها للشخصية من زاوية ترى في هذا المحفل السردي كيانا مرتبطا بالبناء الخطابي ( الدلالي) للنص. فإذا كان الفعل السردي يخضع في وجوده واشتغاله كخطاطة كونية مسبقة، فإن خصوصيته تأتيه من الغطاء الخطابي الذي يجلله، وصياغة الشخصية جزء من هذا البناء.
وهكذا قسمنا كتابنا إلى بابين ومجموعة من الفصول. تناولنا في الباب الأول مجموعة من القضايا النظرية الخاصة ببناء الشخصية من زوايا مختلفة. فخصصنا الفصل الأول للحديث عن النموذج الذي يقدمه بروب، وناقشنا آراءه النظرية والتطبيقية وحددنا موقفه من الشخصية وموقعها داخل البناء الحكائي. وتناولنا في الفصل الثاني مفهوم الشخصية عند لوتمان. وفي هذا الفصل حاولنا أن نكشف عن العلاقة التي يقيمها لوتمان بين الشخصية من جهة والحدث والمبنى من جهة ثانية. فلا يمكن تصور شخصية دون خرق للحدود الدلالية، وهذا الخرق يشكل حدثا، والحدث ليس فعلا مجردا بل هو موقع داخل ثقافة. وقدمنا في الفصل الثالث البناء النظري الشامخ الذي جاء به گريماص، وأبرزنا من جهة الأهمية التي يوليها لبناء نموذج عاملي يعتبر في تصوره صيغة تنظيمية مسبقة وعامة تسكن الذاكرة الثقافية للإنسانية جمعاء، فهي مستودع الأحكام وتوجيه للأفعال وتوقع لردود الفعل، كما ناقشنا من جهة ثانية تصوره للبناء الخطابي الذي يجعل من الشخصية الحامل المادي للقيم الدلالية المنتشرة في النص والمستثمرة في سلوكاتها ومواقفها.
أما في الفصل الرابع فعرضنا لتصور لا يحتفي كثيرا بالمستويات التي يقال عنها إنها سابقة عن التجلي النصي كما هو الشأن عند لوتمان وگريماص، بل يرى في الشخصية كيانا مرئيا من خلال التجلي اللساني ذاته. لهذا فإن التحليل في هذا المستوى انصب على تجليات الشخصية باعتبارها دالا من جهة، أي كل ما يعود إلى البناء اللغوي : طريقة التقديم والظهور واسم العلم وإيحاءاته... وباعتبارها مدلولا، من جهة ثانية، فالشخصية، بوصفها سندا لكل التحولات التي يعرفها النص السردي، تشتغل كمجموعة من المحاور الدلالية المنتشرة داخل الكون السردي. وسيلاحظ القارئ بخصوص هذا الفصل أننا اعتمدنا بالأساس، من أجل صياغة كل الخلاصات الواردة فيه، على تصور فليب هامون. وهذا أمر طبيعي، فهامون قدم في هذا المجال مجموعة من الدراسات التي تعتبر إضافة حقيقية للسرديات.

وقدمن في الباب الثاني دراسة تطبيقية تناولت بالتحليل رواية " الشراع والعاصفة لـ حنا مينه. وقسمنا هذه الدراسة إلى قسمين : فصل أول تناولنا فيه بالتحليل الإرغامات التي يفرضها النسق الإيديولوجي على بناء الشخصية وصياغة قيمها وسلوكها وردود أفعالها. أما في الفصل الثاني، فتناولنا الشخصية من زاوية استناد النص إلى خطاطة عاملية تعد شكلا من أشكال البرمجة المسبقة للأدوار السردية، وهو ما يعني توقع سلوكات واستبعاد أخرى داخل الاستراتيجية السردية. وما يدعم هذه الاستراتيجية اعتماد الرواية في بنائها على خطاطة إيديولوجية جاهزة. ولعل هذا ما دفعنا إلى الاعتقاد أن الرواية تقدم تعريفا إيديولوجيا للشخصيات، فهي إخراج سردي لمقولة إيديولوجية سابقة في الوجود على النص.

السبت، 31 مايو، 2014

يا زماناً في الصالحيةِ سمحا

يا زماناً في الصالحيةِ سمحا *** أينَ مني الغوى و أينَ الفتونُ؟ 
يا سريري و يا شراشفَ أمي *** يا عصافيرُ يا شذا يا غصونُ؟
يا زواريبَ حارتي خبئيني *** بين جفنيكِ فالزمانُ ضنينُ
و اعذريني إذا بدوْتُ حزيناً *** إنَّ وجهَ المحبِّ وجهٌ حزينُ
هاهي الشامُ بعدَ فرقةِ دهرٍ *** أنهرٌ سبعةٌ و حورٌ عينُ 
النوافيرُ في البيوتِ كلامٌ *** و العناقيدُ سكرٌ مطحونُ
و السماءُ الزرقاءُ دفترُ شعرٍ *** و الحروفُ التي عليهِ سنونو 
هلْ دمشقُ كما يقولونَ كانَتْ *** حينَ في الليلِ فكّرَ الياسمينُ؟
آهِ يا شامُ كيفَ أشرحُ ما بي *** و أنا فيكِ دائماً مسكونُ؟
سامحيني إنْ لمْ أكاشفك بالعشقِ *** فأحلى ما في الهوى التضمينُ
نحنُ أسرى معاً و في قفصِ الحبِّ *** يعاني السجّانُ و المسجونُ
يا دمشقُ التي تقمّصْتُ فيها *** هلْ أنا السرو أم أنا الشربينُ؟ 
أم أنا الفلُّ في أباريقِ أمي *** أم أنا العشبُ و السحابُ الهتونُ؟
أم أنا القطةُ الأثيرةُ في الدارِ *** تلبّي إذا دعاها الحنينُ؟ 
يا دمشقُ التي تفشّى شذاها *** تحتَ جلدي كأنّهُ الزيزفونُ
سامحيني إذا اضطربْتُ فإني *** لا مقفّىً حبي ولا موزونُ
و ازرعيني تحتَ الضفائرِ مشطاً *** فأريكِ الغرامَ كيفَ يكونُ؟
قادمٌ من مدائنِ الريحِ وحدي *** فاحتضنّي كالطفلِ يا قاسيونُ
احتضنّي و لا تناقشْ جنوني *** ذروةُ العقلِ يا حبيبي الجنونُ
احتضنّي خمسينَ ألفاً و ألفاً *** فمعَ الضمِّ لا يجوزُ السكونُ
أهيَ مجنونةٌ بشوقي إليها *** هذه الشامُ أم أنا المجنونُ؟
~
~ نزار قباني ~

الأربعاء، 12 فبراير، 2014

و منْ مذهبي حبُّ الديارِ لأهلها وللنّاسِ فِيمَا يَعْشَقُونَ مَذَاهِبُ


أبِيتُ كَأنّي لِلصَّبَابَة ِ صَاحِبُ

و للنّومِ مذْ بانَ الخليطُ ، مجانبُ

وَمَا أدّعِي أنّ الخُطُوبَ تُخِيفُني

لَقَدْ خَبّرَتْني بِالفِرَاقِ النّوَاعِبُ

و لكنّني ما زلتُ أرجو و أتّقي

وَجَدَّ وَشِيكُ البَيْنِ وَ القَلْبُ لاعِبُ

وما هذهِ في الحبِّ أولَ مرة ٍ

أسَاءَتْ إلى قَلبي الظّنُونُ الكَوَاذِبُ !

عليَّ لربعِ " العامرية " وقفة ٌ

تُمِلّ عَليّ الشّوْقَ وَ الدّمعُ كاتِبُ

فلا ، وأبي العشاقِ ، ما أنا عاشقٌ

إذا هيَ لَمْ تَلْعَبْ بِصَبرِي المَلاعِبُ

ومنْ مذهبي حبُّ الديارِ لأهلها

وَللنّاسِ فِيمَا يَعْشَقُونَ مَذَاهِبُ !!

عتادي لدفعِ الهمِّ نفسٌ أبية ٌ

وَقَلبٌ على مَا شِئتُ مِنْهُ مُصَاحِبُ

حَسُودٌ عَلى الأمرِ الذي هُوَ عَائِبُ

وَ خُوصٌ كأمْثَالِ القِسِيّ نَجَائِبُ

تكاثرَ لوّامي على ما أصابني

كأنْ لم تنبْ إلا بأسري النوائبُ !

يقولونَ : " لمْ ينظرْ عواقبَ أمرهِ "

و مثلي منْ تجري عليهٍِ العواقبُ

ألمْ يعلمِ الذُلّانُ أنَّ بني الوغى

كَذاكَ ، سَليبٌ بِالرّمَاحِ وَ سَالِبُ

أرى ملءَ عيني الرّدى فأخوضهُ

إذِ المَوْتُ قُدّامي وَ خَلْفي المَعَايِبُ

وَإنّ وَرَاءَ الحَزْمِ فِيهَا وَ دُونَهُ

مَوَاقِفَ تُنْسَى دُونَهُنّ التّجَارِبُ

وأعلمُ قوماً لو تتعتعتُ دونها

لأجهَضَني بالذّمّ مِنهُمْ عَصَائِبُ

ومضطغنٍ لمْ يحملِ السرَّ قلبهُ

تَلَفّتَ ثمّ اغْتَابَني، وَ هوَ هَائِبُ

تردّى رداءَ الذلِّ لمَّـا لقيتهُ

كما تتردّى بالغبارِ العناكبُ

و منْ شرفي أنْ لا يزالَ يعيبني

حسودٌ على الأمرِ الذي هوَ عاتبُ

رَمَتْني عُيُونُ النّاسِ حَتّى أظُنّهَا

ستحسدني ، في الحاسدينًَ ، الكواكبُ

فَلَسْتُ أرَى إلاّ عَدُوّاً مُحارباً

  وآخرَ خيرُ منهُ عندي المحاربُ

وَ يَرْجُونَ إدْرَاكَ العُلا بِنُفُوسِهِمْ

وَ لَمْ يَعْلَمُوا أنّ المَعَالي مَوَاهِبُ !!

فكمْ يطفئونَ المجدَ و اللهُ موقدٌ

وَ كَمْ يَنْقُصُونَ الفَضْلَ وَ اللَّهُ وَاهبُ

و هلْ يدفعُ الإنسانُ ما هوَ واقعٌ

وَ هَلْ يَعْلَمُ الإنسانُ ما هوَ كاسِبُ ؟

و هلْ لقضاءِ اللهِ في الخلقِ غالبٌ

و هلْ لقضاءِ اللهِ في الخلقِ هاربُ ؟

وَ لا ذَنبَ لي إنْ حارَبَتني المَطالِبُ

و هلْ يرتجي للأمرِ إلا َّرجالهُ

وَ يأتي بصَوْبِ المُزْنِ إلاّ السّحائِبُ !؟

و عنديَ صدقُ الضّربِ في كلِّ معركٍ

و ليسَ عليَّ إنْ نبونَ المضاربِ

إذا كانَ "سيفُ الدولة ِ" الملكُ كافلي

فلا الحَزْمُ مَغلوبٌ و لا الخصْمُ غالِبُ

إِذا اللَهُ لَم يَحرُزكَ مِمّا تَخافُهُ

فَلا الدُرعُ مَنّاعٌ وَ لا السَيفُ قاضِبُ

وَ لا سابِقٌ مِمّا تَخَيَّلتَ سابِقٌ

وَ لا صاحِبٌ مِمّا تَخَيَّرتَ صاحِبُ

عَلَيَّ لِسَيفِ الدَولَةِ القَرمِ أَنعُمٌ

أَوانِسُ لَم يَنفِرنَ عَنّي رَبائِبُ

أَأَجحَدُهُ إِحسانُهُ فِيَّ إِنَّني

لَكافِرُ نُعمى إِن فَعَلتُ مُوارِبُ

لَعَلَّ القَوافي عُقنَ عَمّا أَرَدتُهُ

فَلا القَولُ مَردودٌ وَ لا العُذرُ ناضبُ

وَلا شَكَّ قَلبي ساعَةً في اِعتِقادِهِ

وَ لا شابَ ظَنّي قَطُّ فيهِ الشَوائِبُ

تُؤَرِّقُني ذِكرى لَهُ وَ صَبابَةٌ

وَ تَجذُبُني شَوقاً إِلَيهِ الجَواذِبُ

وَ لي أَدمُعٌ طَوعى إِذا ما أَمَرتُها

وَ هُنَّ عَواصٍ في هَواهُ غَوالِبُ

فَلا تَخشَ سَيفَ الدَولَةِ القَرمَ أَنَّني

سِواكَ إِلى خَلقٍ مِنَ الناسِ راغِبُ

فَلا تَلبَسُ النُعمى وَغَيرُكَ مُلبِسٌ

وَ لا تُقبَلُ الدُنيا وَ غَيرُكَ واهِبُ

وَلا أَنا مِن كُلِّ المَطاعِمِ طاعِمٌ

وَ لا أَنا مِن كُلِّ المَشارِبِ شارِبُ

وَلا أَنا راضٍ إِن كَثُرنَ مَكاسِبي

إِذا لَم تَكُن بِالعِزِّ تِلكَ المَكاسِبُ

وَلا السَّيِّدُ القَمقامُ عِندي بِسَيِّدٍ

إِذا اِستَنزَلَتهُ عَن عُلاهُ الرَغائِبُ !!

أَيَعلَمُ ما نَلقى ؟ نَعَم يَعلَمونَهُ

عَلى النَأيِ أَحبابٌ لَنا وَ حَبائِبُ !

أَأَبقى أَخي دَمعاً أَذاقَ كَرىً أَخي ؟

أَآبَ أَخي بَعدي مِنَ الصَبرِ آئِبُ ؟

بِنَفسي وَ إِن لَم أَرضَ نَفسي لَراكِبٌ

يُسائِلُ عَنّي كُلَّما لاحَ راكِبُ

قَريحُ مَجاري الدَمعِ مُستَلَبُ الكَرى

يُقَلقِلُهُ هَمٌّ مِنَ الشَّوقِ ناصِبُ

أَخي لا يُذِقني اللَهُ فِقدانَ مِثلِهِ

وَ أَينَ لَهُ مِثلٌ وَ أَينَ المُقارِبُ

تَجاوَزَتِ القُربى المَوَدَّةُ بَينَنا

فَأَصبَحَ أَدنى ما يُعَدُّ المُناسِبُ

أَلا لَيتَني حُمِّلتُ هَمّي وَ هَمُّهُ

وَ أَنَّ أَخي ناءٍ عَنِ الهَمِّ عازِبُ

فَمَن لَم يَجُد بِالنَفسِ دونَ حَبيبِهِ

فَما هُوَ إِلّا ماذِقُ الوُدِّ كاذِبُ

أَتاني مَعَ الرُكبانِ أَنَّكَ جازِعٌ

وَ غَيرُكَ يَخفى عَنهُ لِلَّهِ واجِبُ

وَما أَنتَ مِمَّن يُسخِطُ اللَهَ فِعلُهُ

وَ إِن أَخَذَت مِنهُ الخُطوبُ السَّوالِبُ

وَ إِنّي لَمِجزاعٌ خَلا أَنَّ عَزمَةً

تُدافِعُ عَنّي حَسرَةً وَ تُغالِبُ

وَ رِقبَةَ حُسّادٍ صَبَرتُ لِوَقعِها

لَها جانِبٌ مِنّي وَ لِلحَربِ جانِبُ

وَكَم مِن حَزينٍ مِثلِ حُزني وَ والِهٍ

وَ لَكِنَّني وَحدي الحَزينُ المُراقِبُ

وَ لَستُ مَلوماً إِن بَكَيتُكَ مِن دَمي

إِذا قَعَدَت عَنّي الدُموعُ السَّواكِبُ

أَلا لَيتَ شِعري هَل أَبيتَنَّ لَيلَةً

تَناقَلُ بي فيها إِلَيكَ الرَّكائِبُ

.

أبو فراس الحمداني

الجمعة، 7 فبراير، 2014

الشعر العباسي بين التقليد والتجديد


الشعر العباسي بين التقليد والتجديد- منقول
مقدمة:
شهد العصر العباسي أكبر نهضة ثقافية في تاريخ الحضارة الإسلامية، بتأثير العكوف على الثقافات المختلفة (فارسية، وهندية، ويونانية) وترجمتها، وانصهارها مع الثقافات العربية في بوتقة الإسلام الذي أصبح حضارة جديدة لتلك الثقافات.
وقد تأثر الشعر بهذه النهضة فتطور تطوراً ملحوظاً شمل الكثير من جوانبه، إلا أن تطوره لا يتفق والنهضة الشاملة التي أحاطت به، ولا يتلاءم مع الروافد الثقافية التي عب منها الشعراء ذوو الجنسيات المختلفة.
وربما أمكن إرجاع ذلك إلى سبب جوهري تتفرع عنه أسباب كثيرة، هذا السبب هو أن الشعر لم يُتح له أن يحيا حياة مستقلة، يتطور فيه التطور الذي تساعده عليه الظروف المحيطة به، لأن مبدعيه لم تُتَح لهم هذه الحياة، فظلوا يدورون في فلك الحاكم أو صاحب النفوذ، ومن ثم حُرموا من الحرية التي لا يزدهر الشعر إلا في ظلها، وجاء نتائجهم الأدبي صدى لما يريده المتبوع.
وكان لهذا أثره على الشاعر الذي جعلته الظروف تابعاً لغيره وجعلت فنه استجابة لما يريده هذا الغير، فليس من شك أن التراث الأدبي سيحتل مكانة عالية في تلك المجالس المعلنة للخلفاء، ومن ثم فلن يتاح للشاعر الاقتراب منها والتمتع بما تفيضه من خيرات، إلا إذا وضع عينيه على حماة اللغة وسدنتها الذين يحتلون الصدر فيها. ولذلك كانت هذه المحافظة الشديدة لدى الشعراء حتى غير العربي منهم لأنه خشى أن يتقدمه الشعراء العرب الأقحاح، سواء أكان ذلك ي تصدر هذه المجالس التي يجب أن تظل العربية فيها قوية مزدهرة، أم في ذيوع شعرهم وجريانه على ألسنة الناس، ومن أجل ذلك كان حرصهم على التعمق في اللغة وسبر أغوارها، وانتقالهم إلى البادية لمشافهة الأعراب والمحافظة على الصورة المألوفة والمرجوة للغة، كما يراد لها عند علمائها الذين شعروا بالمكانة التي يتمتعون بها، فما كان منهم إلا أن بالغوا وتشددوا في المقاييس التي يزنون بها الشعر، واعتبروا "النموذج الشعري القديم" هو المثل الأعلى الذي ينبغ على الشاعر أن يحاكيه ويحذو حذوه، ونظروا إلى التراث نظرة تقديس تحول دون التطور المرجو للشعر([1]). وتباعد بين الشاعر والانفعال بعصره والتعبير عنه. وتسد معظم النوافذ التي تهب منها رياح التجديد.
ومن خلال الصفحات التالية سوف نحاول رصد بعض مظاهر التطور والتجديد في القصيدة العباسية، مقسماً لها في ثلاثة أبواب: الباب الأول سأتناول فيه الفنون والأغراض والباب الثاني موسيقا الشعر والباب الثالث الشكل والمضمون.
متمنياً من الله العلي القدير السداد والتوفيق في تناول هذا الموضوع، وبالله التوفيق،،


أهداف البحث
* معرفة تاريخ الأدب في هذا العصر من خلال دراسة الحياة المختلفة فيه اجتماعياً وسياسياً ودينياً وفكرياً .
* عقد صلة وثيقة بين الطالب والنص الشعري.
* الوقوف على بعض القضايا الجوهرية في العصر.
* ربط الأدب باللغة من أجل تحقيق درجة عالية من الفهم .
* شحذ العقلية الأدبية التقدمية، وصقل شخصيتها النقدية، وذلك من خلال مناقشة حركات التجديد والحركات التقليدية الموجودة بهذا العصر.
* تعلم أساليب نقدية مختلفة في تحليل شخصية الشعراء وظروف العصر؛ لتحقيق أعلى قدر من الفائدة والفهم، وبيان اتجاهات الشعر في العصر العباسي، وأثرها في تطوير الأدب العربي.
أهمية البحث:
تعد قضية التجديد من قضايا الشعر العباسي الخطرة، فهي قضية تطوره وتغير مفهومه وطبيعته وعناصره الشكلية والموضوعية.
وقد اكتسبت هذه القضية أهميتها الخطيرة كونها تحولت إلى مسوغ أساسي لتغير أي من مقومات الشعر، ولا أستثني من ذلك كيان الشعر كله. وصارت عند بعض المتنطعين غاية وهدفاً.
لأجلها "يُسْتَشْهد" بعضهم، وفي سبيلها يعاني آخرون المتاعب ويعللون فقرهم في الجمهور، وبسببها يتحمل فريق ثالث لعنات مجتمعه غير مبال بها. فهو -كما يزعم- يؤصل قواعد الحداثة ويرود التطوير.
وللحداثة والتجديد قامت صراعات كثيرة بين أجيال متوالية في هذا القرن، وما زالت تقوم، تشتد تارة وتهدأ تارة.. وربما تظل كذلك إلى ما شاء الله.
فما الحداثة؟ ولم صارت شغل النقاد والشعراء؟ وهل تستند إلى جذور أصلية في تراثنا الأدبي؟
هذا ما سأجيب عنه في الصفحات التالية..
من الحقائق الثابتة أن ظواهر الحياة البشرية، المادية والفنية، تخضع لتطور دائم عبر الزمن. ونظرة سريعة إلى أية ظاهرة منها في زمنين متباعدين تظهر الفروق الكبيرة بين شكل الظاهرة في الزمن الأول وشكلها في الزمن الثاني، حتى ليصح أن يقال: إن الثابت الوحيد في هذه الظواهر هو التطور.
والشعر ظاهرة فنية عريقة، صاحبت الحياة البشرية منذ فترة مبكرة من تاريخها، وستصحبها إلى ما شاء الله، هذا الشعر لا يخرج عن قانون التطور أياً كان زمانه ومكانه، ولا يمكنه أن يتوقف عن التطور دون أن تتصلب شرايينه وتسكت نبضات الحياة فيه، فالتطور -أو لنقل التغير خشية أن بفهم التطور على أنه الاتجاه نحو الأفضل- خيط دقيق يمتد فيه طوال تاريخه، وقد يدق ويرق في عصر من العصور حتى لا يرى منه إلا أثر بسيط، ولكنه لا يغيب نهائياً، والشعر العباسي -مهما قيل عن ثباته وتطوره- لا يخرج عن هذه الحقيقة. وقد أدركها عدد من النقاد القدماء ورصدوها بمقاييس مختلفة، وجعلوها إحدى قضايا نقدهم التطبيقي حيناً والتنظيري حيناًً آخر، واتخذها بعضهم مقياساً في تقويم العمل الشعري، ومن هنا تأتي أهمية هذا البحث.




أولاً: الفنون والأغراض
ظل الشعر العباسي يدور في فلك الأغراض الشعرية المعروفة، مع تطوير فرضته ظروف الحياة، ومع تطرق لبعض الأغراض الشعرية الجديدة.
الباب الأول
تطوير الأغراض القديمة

المبحث الاول: المديح

يعتبر المديح من الأغراض التقليدية التي حظيت باهتمام عدد كبير من الشعراء، ويمثل كثيراً من خصائص الشعر الأندلسي، ويمكن تصنيفه ضمن إطارين عامين هما: الأول يتمثل في المدائح النبوية، أما الإطار الثاني فيتمثل في المديح الخاص بأفراد ينتمون إلى الطبقات المتميزة في المجتمع الأندلسي([2]).
ويستبعد أن يكون الشاعر العباسي قد هدف من وراء ذلك إلى تجسيد الفضائل الإسلامية، ليحث الممدوح على الاتصاف بها، لأنه لا يمدح الخليفة –مثلاً- من حيث هو، وإنما يمدحه بوصفه خليفة للمسلمين وموضع آمالهم. فكأن الشاعر يرفع أمامه الشعارات التي ترديها الأمة في خليفتها، لعله يثوب إلى الرشاد.
وبذلك ظلت المدحة حافزاً للخليفة وللأمة على التمسك بالفضائل والأخلاق المحمودة، لأنها تحمل خصالنا وخصائصنا النفسية([3]).
ونحن نستبعد هذا التصور للمدحة في العصر العباسي، لأن فيه تحميلاً للأمور أكثر مما تحتمل، وإتطاقاً لشعر المدح ولشعرائه بما نريده نحن أو نتمناه لا بما عليه الواقع! فالقضية من وجهة نظر الشاعر العباسي أبسط من كل هذا؛ هو يريد من الممدوح أقصى عطاء ممكن، فعليه أن يفتن في تجويد السلعة التي يقدمها إليه، بغض النظر عن مدى الزيف فيها، أو انطباقها على الواقع أو تناقضها معه.
ورغبة من الشاعر في إضفاء لمسات التجديد على مدحته، كان لابد أن يتطرق إلى الأحداث التي عاصرت الممدوح، وبخاصة تلك التي أسهم فيها. ومن هذه الناحية أصبح شعر المدح يقوم بما تقوم به الجريدة في العصر الحديث، واكتسب قيمة تاريخية فوق قيمته الأدبية. ومن هنا كانت كثرة الاستشهاد به الكتب التاريخية([4]). ويمكن أن يون لهذه الأحداث في حد ذاتها مذاقها الإسلامي لدى الشاعر وإثاراتها الدينية لوجدانه.
ومن أبرز الشعر الذي تتضح فيه هذه الظاهرة، الشعرُ الذي مدح به الشعراء الأبطال والقواد الذين قادوا الجيوش الإسلامية في معاركها المظفرة ضد الأعداء. فقد أشادوا إشادة رائعة بكل معركة خاضوا غمارها. وكل حصن اقتحموه، وبذلك لم تعد قصائدهم مديحاً فحسب بل أصبحت تاريخاً أدبياً لما وقع في العصر من أحداث. وكتب التراث مليئة بمثل هذه القصائد ولعل من أبرزها بائية أبي تمام في فتح عمورية:

السيف أصدق أنباءً من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب


فتح تفتح أبواب السماء له وتبرز الأرض في أثوابها القشب


تدبير معتصم بالله، منتقم لله، مُرتقبٍ في الله مرتغب

تلك القصيدة التي تكاد تكون ملحمة للبطولة، وتجسيداً للقائد الذي يهب نفسه فداء لأهداف أمته.
وقبل أبي تمام صور على بن جبلة بطولة "أبو دُلَف العجْليّ" قائد المأمون المشهور، بقوله([5]):
المنايا في مقانبه
والعطايا في ذرا حُجَره
وزحوف في صواهله
كصياح الحشر في أَمَرِهْ
قُدْتَه والموتُ مُكتمِنٌ
في مذاكيه ومُشتجره
صاغك الله أبا دلفٍ
صيغة في الخلق في خيره
كل من في الأرض من عرب
بين باديه إلى حضره
مستعير منك مَكرُمةً
يكتسيها يوم مُفْتخرٍه
وفضلاً عن ذلك شعر الخلفاء منذ وقت مبكر بحاجتهم إلى تدعيم قواعد حكمهم، وإقناع المسلمين بأحقيتهم في الخلافة، وفضلهم على من عداهم من المنافسين. وكان الشعر خير وسيلة لتحقيق ما يريدون، وتبارى الشعراء في الإشادة ببني العباس، والإزراء بالعلويين المنافسين تلهفاً على عطايا الخلفاء المسرفة.
ولذلك فلن ندهش كثيراً إذا ذكرت الأخبار أن المهدي قد أعطى القائل "أبو دلامة" أربعة آلاف درهم، وبعد أن استحسن الخليفة شعره، علم أنه أنجب ابنة، فسأله: وماذا تريد أن أعينك به في تربيتها أبا دلامة؟ قال: تملأ هذه يا امير المؤمنين وأشار إلى ثياب معه جهزها لذلك. فقال: وما عسى أن تحمل هذه؟ قال: من لم يقنع بالقليل لم يقنع بالكثير. فأمر أن تملأ مالاً. وبلغ ما فيها أربعة آلاف درهم([6]).
ويدخل عليه سلم الخاسر فينشده:
أليس أحق الناس أن يدرك الغنى
مُرجى أمير المؤمنين وسائله
لقد بسط المهديُّ عدلاً ونائلاً
كأنهما عدلُ النبي ونائله!!
ثم ينشده مرة أخرى:
إن الخلافة لم تكن بخلافة
حتى استقرت في بني العباس
شُدَّتْ مناكبُ ملكهم بخليفةٍ
كالدهر بخلِطُ لينه بشماس
ومرة ثالثة يقول:
أفنى سؤال السائلين بجوده
ملك مواهبه تروح وتغتدي
هذا الخيفة جوده ونواله
نفدَ السؤالُ وجودُهُ لم ينفدِ


وكان مجموعة ما أخذه الشاعر على المدحات الثلاث خمسين ألف درهم! فتخيل ما يمكن أن تصله ثروة مثل هذا الشاعر في تلك التجارة الرابحة وبالفعل خلَّف كثير منهم ثروات طائلة ظلت تغري الأجيال التالية من الشعراء بالتكسب بشعرهم، وبيعه في سوق التملق والنفاق.!
وحتى لا يغضب هؤلاء المادحون اللغوين. حافظوا على السنن المتبع لقصيدة المديح في التراث الشعري التي قعدها ابن قتيبة فيما بعد، حاول أن يعلل لها.
ولعل من أهم ما لحق المدح من تطور في العصر العباسي أنه صار لوناً من الأدب السياسي، فأحيا هذا الأدب الذي ازدهر إبان العهد الأموي خلال احتدام الصراع بين المذاهب السياسية المختلفة. وكان ذلك استجابة للتطورات الجذرية التي حدثت.
ويلاحظ على هذا الشعر السياسي ميله إلى الإسراف والغلو، فقد يصل به الحد أن يبتعد بهم عن العقيدة الصحيحة، فرأينا "منصور التمري" يمدح الرشيد فيضعه في منزلة من يسير الكون وفق إرادته، يرفع من يشاء ويذل من يشاء([7]).
أي امرئ بات من هارون في سخط
فليس بالصلوات الخمس ينتفع
إن المكارم والمعروف أرديه
أحلك الله منها حيث تتسع
إذا رفعت امرءاً فالله يرفعه
ومن وضعت من الأقوام مُتَّضعُ


ومن هذا قول أبي نواس في العباس بن عبيد الله الهاشمي"
كيف لا يُدنيكَ من أملٍ
من رسول الله من نفره؟!!


وثمة ظاهرة تجدر الإشارة إليها في شعر المديح هي تفرُّعه إلى أنواع شتى، أو ميله إلى التخصص، بحيث أصبح لكل ممدوح نوع يناسبه من المدح([8]).
كذلك يلاحظ أن شعرالمدح قد اتجه اتجاهاً جديداً حيث مدح الشعراء مدنهم وفضلوها على غيرها.
وعلى الرغم من شيوع البناء التقليدي في قصيدة المدح ترك العصر أثره على كثير من شعره، فلم يتمسك المادح بهذه التقاليد وجدد في الشكل الفني بعد أن بالغ في التجديد في المضمون الشعري.
وكذلك نجد البساطة في الأداء والخفة في الوزن نلمسها في مدح أبي العتاية للمهدي([9]).
أتته الخلافة منقادة
إليه تجرر أذيالها
ولم تك تصلح إلا له
ولم يك يصلح إلا لها
ولو راغها أحد غيره
لزلزت الأرض زلزالها


المبحث الثاني
الهجاء
كان التطور محسوساً في شعر الهجاء، الذي يعد الفن المقابل لفن المديح، ولعل السبب في ذلك أن الشعراء كانوا فيه أقرب إلى ذواتهم، فعبروا فيه عن مشاعرهم الساخطة، وذموا من ضاقوا به، أو من لم يحقق ما يريديون. فهم فيه مدفوعون بعواطفه الشخصية، وقد حال ذلك بينهم وبين الافتعال الذي اضطروا إليه في كثير من شعر المدح.
وقد بالغ الشعراء في هذا الفن، حتى ليعد الهجاء السابق عليهم ذا شأن يسير في الإقذاع والفحش بالنسبة لنتاجهم الهجائي، فمهما بلغ الهجاء الجاهلي من العنف، ومهما انحدرت إليه النقائض من تنابز بالألقاب، فذلك شيء يسير بالنسبة ما وصل إليه الهجاء العباسي.
ولا شك أن لضعف الوازع الديني وانغماس الناس في العب من كئوس اللذات أثراً في بذاءة الهجاء والإقذاع فيه. والافتنان في اختراع معانيه الطريفة. فأبو نواس يهجو المفضل بن سيابة بالبخل:
أصبحت أجوع خلق الله كلهم
وأفزع الناس من خُبْزِ إذا وُضِعا
خبز المفضل مكتوب عليه ألا
لا بارك الله في ضيف إذا شبعا
إني أ؛ذركم من خبز صاحبنا
فقد ترون بحلقى اليوم ما صنعا


وقد كان الهجاء المقذع وقع شنيع على نفوس المهجوين، حتى لو كانوا من ذوي اللسان السليط. فعندما هجا حماد عجرد بشارا بقوله([10]):
وأعمى يشبه القرد
إذا ما عمى القرد
دنيء لم يرح يوماً
إلى مجد ولم يغد
ولم يحضر مع الحضا
ر في خير ولم يبد
ولم يخش لسه ذم
ولم يُرْجَ له حمد


بكى بشار من شدة وقع الهجاء على نفسه وإيلامه لها. ولما استكثروا عليه بكفاءه، حاول أن يعلل لذلك بآفته التي تحول بينه وبين رؤية خصمه. ثم سدد سهاماً مُصمِيةً لحماد، وطعنه في مقتل لم يتوقعه:
نهاره أخبث من ليله
ويومه أخبث من أمه
ما خلق الله شبيهاً له
من جنِّهِ طُرّا ومن إنسه
والله ما الخنزير في نتنه
برُبْعه في النتن أو خُمسه
بل ريحه أطيب من ريحه
ومسه ألين من مسه


وفي مقطوعة أخرى يرميه بالقيادة على زوجه، وفسقه وتجديفه:

ما ذاك يا عجرد بيت الخمار


رفيق فساق ومأوى دَعـار


عارٍ من الدين وليس بالعار

ويلاحظ على الهجاء اهتمام شعرائه بالتركيز على الانحراف الديني عند المهجر وشذوذه بل زندقته أحياناً، لأن الانحلال الخلقي الذي عمت بلواه أغراهم بتضمني هجائهم هذه الاتهامات الخطيرة وعلى الأخص الزندقة التي كان كثير من الخلفاء يعاقب عليها.
وخلال احتدام معركة الشعوبية، حاول كثير من الموالي الانتساب إلى أصل عربي، إمعاناً في إضفاء الموضوعية على ذمهم للعرب وذلك كان من المعاني التي اتجه إليها الهجاء في العصر العباسي، السخرية بالأدعياء الذين ينتسبون إلى أصل عربي وما هم بعرب. كقول بشار في أبي عمرو بن العلاء، وكان يُغمز في نسبه:

أرفق بعمرو إذا حركت نسبته فإنه عربي من قوارير

المبحث الثالث
الغزل([11])
خطا الشعراء بالغزل خطوات فسيحة في مجال اللهو والفجور، منساقين وراء الإباحية الزائدة والمجون العابث. بعد انتشار مجالس اللهو والشراب التي امتلأت بالقيان والمغنيات اللائي خلعن ثياب العفة، وغلب عليهن الفجور، وأحاطت بكل شاعر طائفة منهن، فإذا علمنا أن كثيراً من أعلام الشعراء الذين التف حولهم هؤلاء الفاجرات عرف عنه الإغراق في اللذة، والعبُّ من كئوس الشهوات، حتى لقد اتهموا في عقيدتهم، تصورنا الدرك الأسفل الذي انحدر إليه غزلهم الإباحي المستعر بالجشع الجسدي، والرغبة الحيوانية. انحداراً يساعد بينه وبين الغزل في التراث الأدبي المتقدم على العصر العباسي.
وبلغ من حدة هذه الموجة الماجنة، أن يشيع الاستمتاع بالغلمان والتغزل فيهم. تلك العادة القبيحة المزرية بكرامة الإنسان، والتي كانت شائعة بين الفرس، وعمت بلواها المجتمع العباسي على أيدي الفسدة من الموالي، ومن سار على دربهم من الإباحيين والمخنثين.
أي أن الغزل قد تحول في هذا العصر إلى دعارة وفجور واستجابات صارخة لأحط غرائز الإنسان([12]).
ولن نطيل في عرض النماذج الكثيرة التي تجسد هذه الظاهرة، ويكفي أن ننظر إلى ما قاله أبو نواس في التغزل بغلام:
يا بدعة في مثال
يجُوزُ حدَّ الصفات
فالوجه بدر تمامٍ
بعينِ ظبي فلاةِ
مذكَّرُ حين يبدُو
مؤنَّث الخلواتِ


وليس ما يهمنا الآن هو التعليل لتلك الظاهرة بأنها مظهر مألوف في الحضارات الكبرى أو أنها أثر مخ أثار بروز العنصر الفارسي. وإنما المهم هو ملاحظة تناول الشعراء لها، فقد نقلوا إلى "الغلمان" معظم الأساليب الغزلية التي كان يتوجه بها إلى المرأة، حتى ليصعب التمييز بين من يتوجه إليه الشاعر بالغزل لولا الضمير الخاص بالمذكر. وإذا كان هذا اللون من الشعر يمثل انتهاكاً صارخاً لقيم المجتمع من الناحية الموضوعية فإنه من الجانب الفني لم يضف كثيراً إلى التراث الغزلي السابق. فغدا لوناً من الشعر يمثل سمة للأدب العربي وقذى في عيون قارئيه. وكاد صوته الجهير يطمس الأصوات الغزلية المرتبطة بالقيم الحميدة.
وقد عادت الرسائل الغرامية إلى الظهور لدى ابن الأحنف، بل ولدى بشار في صورة أكثر تفصيلاً ودقة مما كانت عليه عند ابن أبي ربيعة:
يقول بشار في إحدى رسائله:
من المشهور بالحب
إلى قاسية القلب
سلام الله دي العـ
ـرش، على وجهك يا حِبِّيَ
فأما بعدُ يا قُرَّ
ة عيني ومنى قلبي
ويا نفسي التي تسكن
بين الجنب والجنب
لقد أنكرت يا عبدُ
جفاء منك في الكُتْبِ


واللافت للنظر أن هذا اللون من الغزل أنه اقتصر ابن الأحنف على "فور" يحاول بشار أن يوهمنا أنه اقتصر أو كاد على "عبدة"، ولكن يبدو أن تلك اللحظات كانت نادرة في حياة بشار. لأن إجادة هذا اللون كانت تقتضي نموذجاً من الشعراء يختلفون عن بشار اختلافاً بيناً، إذ كان الواحد منهم ينأى بنفسه على الصراعات المحتدمة في العصر ويربأ بها عن الارتزاق أمام أبواب الخلفاء.
وفي ختام هذا المبحث (الغزل) تجدر الإشارة إلى أنه من ناحية الشكل الفني كان انعكاساً أميناً لما طرأ على العصر من تطور حضاري، فاستخرج الشعراء للورود لغة يفهمها المحبون.
كذلك ابتعدت لغته عن اللغة الجزلة المعجمية، واقتربت من لغة الناس، وحاكت كثيراً مما يدور في واقع حياتهم.
المبحث الرابع
الرثاء
من الأغراض التي اتسع مداها في هذا العصر، فقد رثى الشعراء الخلفاء والقادة المشهورين، وأجادوا في تأبينهم، وكذلك انتشر لون آخر من الرثاء يتمثل في بكاء الأساتذة والعلماء كما فعل ابن وهبون تلميذ اللغوي الشهير ابن سيده، وتلميذ الأعلم الشنتمري حيث أعجب به بعد أن وفد إلى المعتمد بن عباد والتقى به وحينما توفي رثاه بحرارة من ذلك قوله([13]):
اسمع أمير المسلمين وناصـ
ـر الدين الذي بنفوسنا نفديه
جوزيت خيراً عن رعيتك
لم ترض فيها غير ما يرضيه
في كل عام غزوة
تردي عدد الروم أم تفنيه
تصل الجهاد إلى الجهاد موفقاً
حكم القضاء بكل ما تقضيه
متواضعاً لله مظهر دينه
في كل ما تخفيه أو تبديه


وإلى جانب ذلك ازدهر لون آخر من هذا الفن يمكن أن نطلق عليه "الرثاء المذهبي" حيث كثرت نماذجه في المجتمع العباسي الذي حوى أحزاباً متعددة أهمها الحزب العلوي. وخلال المعارك المتصلة في الصراع بين الحكم العباسي والأحزاب المناوئة له، سقط كثير من الشيعة، فرثاهم الشعراء رثاءً يشف عن الصدق واللوعة المكتومة أمام توالي المحن على رؤوس العلويين.
وهناك لون طريف من الرثاء هو "رثاء الحيوانات الأليفة" كالقطط والكلاب. ولا ندري هل السبب في وجود هذا الرثاء هو الجو المترف المنعم الذي عاش فيه هؤلاء الشعراء، والذي دعاهم إلى التعبير عن مثل هذه المواقف([14]).
المبحث الخامس
الزهد
نتج عن الإفراط في الشعر الماجن نشوء نزعة أخرى مضادة تجلت في شعر الزهد الذي راده أبو العتاهية، وتفرع منه شعر الحكمة وتهذيب النفس بضرب الأمثال وقص الحكايات. واللافت للنظر أن تلك النزعة المضادة لم يختص بها الشعراء الزاهدون، بل وجدناها لدى عتاة الماجنين والعابثين، في تلك الفترات التي يتأملون فيها عبثهم، ويعضون أصابع الندم على ما أضاعوه من عمرهم وفرطوا فيه، حتى فاضت ألسنتهم بالشعر الذي تفاجأُنا نسبته إليهم.
ومن قصائد أبي العتاهية:
الموت مِنَّا قريبٌ
وليس عنا بنازح
في كل يوم نعي
تصيح منه الصوائح
تُشجى القوب وتُبكى
مولولات النوائح
حتى متى أنت تلهو
في غفلة وتمازح
والموت في كل يوم
في زند عيشك قادح
فاعمل ليوم عبوس
من شدة الهول قادح
ولا يغرنك دنيا
نعيمها عنك نازح
وبغضها لك زين
وحبها لك فاضح


المبحث السادس
الوصف
تطور شعر الوصف تطوراً ملحوظاً اختلف فيه كثيراً عن الوصف الجاهلي والأموي. نظراً الختلاف منابعه الحسية مما تقع عليه العين من مظاهر الطبيعة وآثار الحضارات المختلفة، والمعنوية، مما تفتحت عليه العقول من مدركات جديدة([15]).
لقد أصبح وصف الرياض فرعاً يانعاً من فروع الوصف، وحين أقبل العصر الثالث صارت الزهريات من أوسع فنون الشعر، فلم تبق زهرة ولا ريحانة مما تنبت الرياض إلا أشبعها الشعراء وصفاً لها، وافتتاناً في تصويرها.
لقد تحولت خيام الصحراء إلى قصور شامخة، مفوفة بالرخام والبللور، ومحلاة بالذهب، ومحاطة بسياج من الحدائق الغناء، تتوسطها النافورات. ومثل هذا الشعر يعكس ما طرأ على العصر من مظاهر الحضارة ويغرف من معين الرفاهية ظلل الخلفاء العباسيين.
وقد سيطر الوصف على وجدان كثير من الشعراء وبخاصة البحتري الذي وجد فيه متنفساً لأشواقه الفنية. وتلاقياً مع نفسه الحساسة الشاعرة. ولذلك وجدناه في مديحه –وما أكثره في ديوانه!- لا يكاد يجد فرصة للهروب منه إلا تلقفها، حتى كاد ما في هذ المديح من الوصف يقترب مما يحويه من تعداد مآثر الممدوح. فهو في مدحه لصالح بن وصيف يعرج سريعاً على دجلة وما يحيط بشاطئيها من خضر المروج، وما تحمله من قصور عائمة تميلها الرياح يمنة ويسرة:
تريك اليواقيت منثورة
وقد جلل النور ظهرانها
غرائب، تخطف لحظ العيون
إذا جلت الشمس ألوانها
تسير العمارات أيسارها
ويعترض القصر أيمانها


البحتري والعودة إلى المحافظة على عمود الشعر
الوصف:
كان هذا الفن على رأس الفنون التي أجاد فيها البحتري، ووصل به إلى مرتبة عالية من الإجادة. ولكن هذا الوصف يظل –في رأي بعض النقاد- وصفاً حسياً دلالتها المباشرة، وتعجز الصور عن حمل الدلالات الإنسانية؛ فموصوفاته تظل جامدة وألفاظه لا تشدنا إلى جو وجداني رحب يختلط فيه بعالم الحس، كما يفعل ذلك الشعراء الوجدانيون الذين يتخذون من الطبيعة مسرحاً يعرضون عليه خبايا نفوسهم([16]).
ذلك أن وصف البحتري ليس كله تصويراً فوتوغرافياً، بل كثيراً ما يتجاوزه إلى خلطه بأحاسيسه وامتزاجه بها، أو بعبارة أخرى كان البحتري في وصفه يرى الأشياء رؤية خاصة تمر خلالها بمشاعره، وتمتزج بها، وتحمل أثراً من اهتزاز تلك المشاعر، فهو عندما يصف إيوان كسرى يتجاوز الوصف إلى تجسيد إحساسه وشعوره إزاء ما يصف، ففي تصويره لما في الإيوان من مناظر، فيها "أنو شروان" مرتدياً زيه، متقدماً جنوده يخوضوه المعركة ضد الروم –يبين تأثير ذلك على شعوره، فهو يكاد يرى الحياة تدب في هذه الصورة ويتخيل أن ما أمامه أجناد حقيقية من لحم ودم، يمد يده كي يراها ويلمسها:
فإذا ما رأيت صورة أنطا
كية، ارتعت بين روم وفُرس
والمنايا مواثلٌ، وأَنُوشـ
وان يُزجي الصفوف تحت الدرفس
في اخضرار من اللباس على أصـ
ـفر يختال في صبيعةِ ورس
وعراكُ الرجال بين يديه
في خفوت منهم وإغماض جرس
من مشيح يهوى يعامل رمحٍ
ومليحٍ من السنان بترس
تصف العين أنهم جِدُّ أحيا
ء، لهم بينهم إشارة خرس
يغتلي فيهم ارتيابي، حتى
تتقراهم يداي بلمس




وهل نجد في دعم ما نحن بصدده أقوى من تلك القطعة الرائعة في وصف الربيع الذي بشر بمقدمه انبعاث الحياة وسريانها في شتى مظاهر الطبيعة، حتى غدت معرضً زاهياً للجمال، وعم البشر كل مظاهر الكون([17]):
أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكاً
من الحُسن حتى كاد أن يتكلما
وق نبه النيروز في غسق الدجى
أوائلَ ورد كُنَّ بالأمين نُوَّما
يفتقها برد الندى، فكأنه
يبُثُ حديثاً كان قبل مُكتَّمَا
فمن شجر رد الربيع لباسه
عليه، كما نشَّرْتَ وشْيَّا مُنَمْنَمَا
أحلَّ، فأبدى للعيون بشاشة
وكان قذى للعينِ إذْ كانَ مُحرِما
ورَقَّ نسيمُ الريح حتى حسْبته
يجيءُ بأنفاسِ الأحبَّةِ نُعَّمَا





الباب الثاني
ثانياً: فنون أدبية جديدة
لا يقصد بالجدة هنا أن هذه الفنون الشعرية لم تكن كلها موجودة في التراث السابق على العصر العباسي؛ إذ أن كثيراً منها كانت بذوره موجودة قبل هذا العصر، لكنها نمت وتطورت واستوت على سوقها، وتحولت عن نشأتها الأولى إلى صورة متكاملة، وأنمتها العوامل الاجتماعية والسياسية والثقافية في ظل بني العباس. وإذا كان الشعر التعليمي –مثلاً- من الأغراض الجديدة في هذا العصر، فإن نزعة الشعوبية والشعر المتعلق بها، لم تكن سوى تطوير لشعر العصبية التي كانت تسود نزعة منها غيرها من النزعات، تبعاً لاختلاف الظروف، فهي في العصر الجاهلي عصبية قبلية، ثم وجدنا إلى جانبها في العصر الأموي عصبية أخرى كادت تغطي عليها هي العصبية السياسية والمذهبية، أما في العصر العباسي فقد خفت صوت هاتين العصبيتين، وعلا عليها صوت العصبية الجنسية التي نشأت عنها ظاهرة الشعوبية([18]).
المبحث الأول
شعر السخرية والفكاهة
فقد كان يُسرُ الحياة العباسية ورخاؤها لعند القمة المسيطرة مجالاً لانتعاش هذا الفن، حيث نزعت النفوس وسط هذه الحياة الصاخبة اللاهية إلى الإعجاب بأساليب الفكاهة التي تزيد المجلس بهجة وبهجاء.
فمن الشعر الفكاهي الساخر ما قاله دعبل عن ديك له طار من داره، فالتقطه بعض الظرفاء وأكله. فما كان من دعبل إلا أن شنع عليهم، خاتماً قوله بصورة هزلية طريفة:
أسر (المؤذن) صالح وضيوفه
أسر الكمي هفا خلال الماقط
بعثوا عليه بنيهو وبناتهم
ما بين ناتفة وآخر سامط
يتنازعون كأنهم قد أوثقوا
خاقان، أو هزموا كتائب ناعط


والحقيقة أن هذا اللون هو الذي تظهر فيه مقدرة الشاعر وقدرته على التشخيص وصياغة صوره الفنية في أسلوب يتلقفه الناس فيرددونه، على حين أن الهجاء العادي لا يحتاج من الشاعر المتمرس أكثر من قاموس ملئ بالبذاءة والفحش.
وأخيراً نجد من ألوان السخرية لوناً يلجأ الشاعر فيه إلى تعداد الصفات التي يسخر منها في المهجو، دون ارتباطها بموقف يزيد من فنيتها.
المبحث الثاني
الشعر التعليمي
استحدث الشعراء العباسيون هذا اللون الذي لم تكن له أصول قديمة، وإنما دفع إليه رقي الحياة العقلية في هذا العصر، وأدى تنوع روافد الثقافة إلى ضرورة أن يحيط الأديب بقدر وافر منها، وظهرت الحاجة إلى وسيلة تيسر هذه الإحاطة، فكان أن لجأ الشعراء أو النظامون إلى نظم بعض القصص المعروفة، كما خلفوا الكثير من المتون المنظومة في كثير من العلوم كالنحو والفقه والمنطق، فضلاً عن المواعظ التي ركزوها في حكم منظومة يسهل تداولها على اللسان واستقرارها في الذاكرة.
وكان لأبان بن عبد الحميد فضل إشاعة هذا اللون من الشعر، حيث تنوعت منظوماته، وشملت القصص والعلوم والسير. فنظم كتاب كليلة ودمنة واستهل نظمه بقوله([19]):
هذا كتاب أدب ومحنه
وهو الذي يدعى كليلة دمنه
فيه دلالات وفيه رشد
وهو كتاب وضعته الهند
فوصفوا آداب كل عالم
حكاية عن ألسن البهائم
فالحكماء يعرفون فضله
والسفهاء يشتهون هزله
وهو على ذاك يسير الحفظ
لذُّ على اللسان عند اللفظ


ثم انتقل أبان من نظم مثل هذه الكتب الموضوعة إلى وضع الكتب المنظومة في التاريخ والصوم والصلاة وغير ذلك مما طلبه منه بعض رجالات البرامكة الذين أجزلوا له العطاء على نظمه لكليلة ودمنة.
والحقيقة أن عد مثل هذا النظم من الشعر فيه كثير من التجوز، فالشعر ليس "هو الكلام الموزون المقفى"، لأنه يتعامل مع اللغة بطريقة مختلفة تماماً عن هذا النظم التعليمي، ويعبر عن المشاعر المتصلة بوجدان الإنسان، ويعتمد على الصورة في تشكيل مضمونه، ويبتعد عن المباشرة والتقريرية، لأن جوهره هو الإيحاء، وهو في هذا كله يختلف تماماً عن كل تلك المنظومات.
المبحث الثالث
الرثاء الذاتي أو الشخصي
وهو عبارة عن وقفات حزينة زاد من تأثيرها، أن الشعراء رفدوها بثقافاتهم التي حصلوها من النهضة الفكرية التي شملت كل جوانب العصر، حتى دعتهم إلى أن يخلعوا الحياة على ما لا يعقل فرثوا المدن التي تنتابها الكوارث، والطيور والحيوانات التي أحبوها والرياض المقفرة التي طالما نعموا بها وهي فينانة يانعة([20]).
المبحث الرابع
تمجيد القيم الفاضلة
يبدو أن الشعراء قد ملوا من كثرة إلصاق الصفات الفاضلة -كذباً أو صدقاً- بالممدوح، وعانوا من الافتعال الذي يتكلفونه في قصيدة المدح ولذلك خصوا كثيراً من الفضائل التي يمدحون بها بقطع شعرية مستقلة، فتحدثوا عن الكرم والحلم والحياء، والعفة والصبر، وكذلك وقفوا موقفاً مشابهاً من الصفات الذميمة التي تواردت في هجائهم([21]).
ووجدنا فكرة التسامح والمسألة تشيع كثيراً وبخاصة لدى الشعراء الذين عرفوا بالزهد كأبي العتاهية، الذي يقول:
كم من سفيه غاظني سفهاً
فشفيت نفسي منه بالحلم
وكفيت نفسي ظلم عاديتي
ومنحت صفو مودتي سلمي

ولقد رزفت لظالمي غلظاً
ورحمته إذ لج في ظلمي


المبحث الخامس
الشعر الوطني
يراد به الشعر الذي قيل في الوطن الذي نشأ فيه الإنسان مدحاً كان أو ذماً إشادة بما فيه، أو تحسراً على ما كا ينعم به. وهذا الفن الأدبي كان استجابة لتلك النقلة الحضارية الضخمة من الخيام ومضاربها والصحراء وهجيرها، إلى القصود المشيدة والحدائق والغناء، والعلائق الاجتماعية المتشابكة، وما إلى ذلك مما حملته تلك النقلة وأدى إلى الإحساس بالوطنية والشعور بالوطن([22]).
إن الإنسان العربي لم يعد في العصر العباسي يحن إلى بيئة واسعة غير محددة المعالم كما تتمثل في شبه الجزيرة، بل أصبح حنينه منصباً على هذه المدينة، أو تلك، التي نشأ فيها، وتشابكت علاقاته الاجتماعية مع أهلها.
ولا يتسنى لنا ذكر شواهد على هذا النوع إلا تلك القصيدة التي قيلت في تصوير ما حل بالمدينة المنورة قالها الفضل ابن العباس العلوي، حين دخلها محد وعلي ابنا الحسن بن جعفر ابن موسى بن جعفر (291هـ) فخرباها وعذبا أهلها يقول منها:
أخربت دارُ هجرة المصطفى
البر فأبكى خرابها المسلمينا
قبح الله معشراً أخربوها
وأطاعوا مشرداً معلونا




الباب الثالث
موسيقا الشعر
بدأ التطور في موسيقا الشعر منذ وقت مبكر إبان انتشار الغناء في الحجاز وانتقاء المغنيين لكثير من شعر العزل؛ إذ أدى هذا إلى أن يضع الشاعر في تقديره الجماهير المستمعة لهذا الغناء، وبخاصة إذا أنشدها للتغني، وترتب على ذلك أن يكون القالب الموسيقي بالغ الرقة، ليسهل تذوقه ويكثر ترداد الشعر الذي جاء عليه.
وفي الأغاني أمثلة لا تحصى لهذا الشعر الذي يمثل تطوراً واضحاً في موسيقا الشعر العربي، والذي لا يملك قارئه إلا التجاوب معه والاهتزاز لنغماته، كهذه المقطوعة لمطيع ابن إياس.
إكليلها ألوان
ووجهها فتان
وخالها فريد
ليس له جيران
إذا مشت تشنَّت
كأنها ثعبان


وقد حقق الشاعر العباسي قدراً كبيراً من التطور بموسيقا شعره، فأضاف إلى الاستعمالات السابقة للحبور استعمالات أخرى، ونظم على بحر جديد اكتشفه الأخفش وأضاف إلى بحور الخليل وهو بحر المتدارك.
كذلك عمد الشاعر العباسي إلى البحور الشعرية المهجورة في التراث السابق عليه، فأحياها، وغدت قوالب موسيقية مألوفة تتسع لكثير من التجار الفنية. من هذه البحور بحر المقتضب الذي جاءت على وزنه قصيدة أبي نواس([23]):
حامل الهوى تَعِبُ
يستخفه الطرب
إن بكى يحق له
ليس ما به تعب


ومن تجديد الشعراء العباسيين في القافية استخدامهم للمسمطات. التي جاءت غالباً على بحر الرجز. وهي قصائد تتألف من أدوار وكل دور يتكون من أربعة أشطر أو أكثر، تتفق كلها في القافية، ما عدا الشطر الأخير. الذي يستقل بقافية مغايرة، ويتحد في ذات القوت مع الشطور الأخيرة في الأدوار المختلفة. ولذلك يسمى عمود المسمطة أي محوره الذي يرتكز عليه.
ومن السهل أنه يمكن ترتيب هذه المسمطات ترتيباً آخر تخرج به عن المسمطات، إلى وزن عادي يتضمن قوافي داخلية، فتصبح لوناً آخر من التجديد لمسناه عند كثير من الشعراء العباسيين:
سلاف دن كشمس دجن
كدمع جفن كخمر عدن
طبيخ شمس كلون ورس
ربيب فرس حليف سجن
يا من لحاني على زماني
اللهو شاني فلا تلمني


وهذا التجديد الموسيقي باستخدام هذا القوافي استخدمه أبو العتاهية في قوله:

وذوو المنابر والعساكر والحضار والمدائن والقرى


وذوو المواكب والكتائب والنجائب والمراتب والمناصب في العلى

أما المخمسات فهي تتألف من عدة أدوار يتكون الواحد منها من خمسة أشطر الأربعة الأولى منها متحدة القافية التي تختلف من دور لآخر، على حين أن الخامس يظل على قافية موحدة في جميع الأدوار([24]).
وقد وصل أمر التجديد في القافية إلى تحرر بعض الشعراء منها تحرراً كاملاً، وهم بذلك يصبحون الآباء القدمات للتجديد الموسيقى الذي طرأ على الشعر العربي في العصر الحديث والذي تخلص، إلى حد كبير، من القافية التي كان يراها شعراؤه قيداً يحد من إبداعهم، ويعوق خطواتهم.


الباب الرابع
الشكل والمضمون
للجاحظ عبارة مشهورة ودقيقة يقول فيها (الشعر صناعة وضرب من النسيج وجنس من التصوير) وغنى عن القول أن الجاحظ لا يقصد بالصنعة هنا أن يتكلف الشاعر في أسلوبه، لأنه يكاد يلهم هذا الأسلوب وقت استغراقه في عملية الإبداع، وبعبارة أخرى فإن الشكل والمضمون ممتزجان تماماً ولا يمكن الفصل بينهما في نتاج الشاعر الموهوب، لأن العلاقة بينهما أوثق وأعمق إلى درجة لا تسمح لنا بالحديث عن مضمون بغير شكل يبرزه ويشف عنه، أو شكل دون أن يكون له محتوى ومدلول يعبر عنه.
ومن الطبيعي أن يختلف الشكل الفني في العصر العباسي عن التراث السابق عليه، تبعاً لاختلاف الحياة العباسية عما سبقها اختلافاً جذرياً، أدى إلى إدراك علائق جديدة بين الأشياء لم تكن موجودة أصلاً، أو توسع فيما كان منها موجوداً. وإلا فهل كان من الممكن أن يصف الشاعر الجاهلي حديث المرأة بقطع الرياض المتنوعة الأزهار!
ومن حيث الجانب اللفظي للشكل الفني وجدناه يتبلور في تلك الألوان البلاغية التي كانت تأتي عفواً في الشعر، والتي فصصها البلاغيون المتأخرون وأطلقوا عليها "علم البديع" ليزينوا به الكلام بعد استيفائه مطابقة الحال وأداء المعنى بالصورة الملائمة. على حين أن المتقدمين من العلماء والشعراء أطلقوا البديع على الطريف والمعجب في الأداء الشعري.
وقد أخذ الشعراء يتبارون في الإكثار من هذه المحسنات والعمد إليها عمداً. أو قل إنهم بدأوا في الفصل بين الشكل والمضمون أو بدأوا في التكلف.
والناحية الأخرى من نواحي الشكل الفني هي الناحية المعنوية التي تتمثل في الصورة الشعرية التي تؤدي بها التجربة الفنية([25]).


المبحث الاول
طرافة الصورة والافتتان فيها
جدَّ الشعراء في استنباط المعاني الدقيقة الجديدة وتصوريها تصويراً فنياً، حتى غدت بعض القصائد عند نفر منهم –كابن الرومي وبشار- معرضاً لتزاحم هذه المعاني الطريفة، ومن مثل قول بشار:
يا قوم أُذني لبعض الحي عاشقة والأذن تعشق قبل العين أحياناً
قالوا بمن لا ترى تهذي فقلت لهم: الأذن كالعين توفي القلب ما كانا


وكانت الرغبة في الافتتان والطرافة باعثاً لهم على تصوير المعاني التي طرقها الشعراء قبلهم، فيضيفوا إليها ويوسعوا من دائرتها، أو يوجزوا في لفظها. وبالجلمة فإنهم حاولوا "إعادة خلقها"، إن صح هذا التعبير. فإذا كان النقاد يستحسنون قول الأعشى:

وكأس شربُ على لذةٍ وأخرى تداويت منها بها

وقد دارت حول هذا الاتجاه الفني معارك نقدية خصبة استحوذت على اهتمام النقاد، فتناولت كتبهم النقدية العامة –كالشعر والشعراء والصناعتين والعمدة وأسرار البلاغية وغيرها- قضية "السرقات الأدبية" ودارت حولها معارك أدبية خصبة، واختلف مفهوم النقاد فيها تبعاً لاختلاف الزمن والثقافة([26]).
وقد أخصبت هذه القضية عدة قضايا أخرى لا تقل عنها أهمية في تاريخ الأدب العربي كقضية اللفظ والمعنى، والقديم والجديد، هذه القضايا القديمة الجديدة ظلت مجالاً لاهتمام الباحثين في مختلفة العصور حتى العصر الحديث، في محاولة من الباحثين المحدثين لاكتشاف التراث الأدبي والنقدي وتقويمه، والربط بين ماضينا وحاضرنا، لتأصيل نهضتنا المعاصرة، والبعد بها عن أن تكون نبتاً معلقاً في الهواء، دون جذور راسخة تعتمد عليها، ودون تربة خصبة تلتقي فيها الروافد الثقافية في الماضي الباقي والحاضر المتجدد؛ فينتج عن هذا المزج والتفاعل نهضة ثقافية تجمع بين أصالة القديم وطرافة الجديد.
المبحث الثاني
ضرب المثل وبراعة التعليل
ومن ظواهر اتجاه الشعراء إلى الافتتان في تصوير معانيهم إكثارهم من ضرب المثل وحسن التعليل. وساعدهم على الإجادة في هذا المجال تلك الحركة العقلية المزدهرة في العصر، وما أحاطت به وهضمته من الثقافات المتنوعة. فكان لابد أن ينعكس ذلك على أبناء العصر من الشعراء.
ومن نماذج هذا الاتجاه قول أبي تمام:
وطول مقام المرء في الحي مُخْلِقٌ
لديباجتيه فاغترب تتجدد
فإني رأيت الشمس زيدت محبة
إلى الناس أن ليست عليه بسرمد


المبحث الثالث
استخدام البراهين العقلية
تفرع عن هذه النزعة في التمثيل والتعليل نزعة أخرى تتصل بالمعنى، وهي استخدام البراهين العقلية للتدليل على ما يريد الشاعر، وبروز أثر الآراء الفلسفية. نتيجة إقبال الشعراء على الثقافة العلمية التي ملأت جوانب العصر، لدرجة أن كثيرين منهم شُهروا بشيء آخر غير الشعر: مذهب فلسفي يعتنقه، أو اتجاه من اتجاهات علم الكلام يدافع عنه، أو نحلة من النحل يعتقدها ويتعصب لها. وقد اختلف تأثر الشعراء بهذه النزعة اختلافاً واضحاً. فوجدنا صوتها لدى بشار مثلاً، لا يعلو على صوت الشعر، لأنها قريبة من الوجدان الذي ينبع عنه هذا الفن، ولأنه ظل يركز على التشكيل بالصورة، وعلى الاقتراب من جوهر الشعر([27]):
إذا كنت في كل الأمور معاتباً
صديقك، لم تلق الذي لا تعاتبه
فعش واحداً أو صل أخاك فإنه
مقارف ذنبٍ مرة ومجانبه
إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى
ظمئت، وأي الناس تصفوا مشاربه؟!
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها
كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه


وقد تطورت هذه النزعة فإذا هي تصبح عند بعض الشعراء –كالمتنبي وأبي العلاء- مذهباً متميزاً، اقتربوا فيه كثيراً من الفلسفة، بل كادوا يصبحون فلاسفة شعراء. حتى رأينا أبا العلاء –مثلاً- يبث آراءه الفلسفية في ديوانه الضخم "اللزوميات".
المبحث الرابع
الإغراب في الصورة الشعرية
كان طبيعياً أن يستمر تطور الشعر العباسي في نفس الخط الذي بدأ السير فيه منذ فترة مبكرة من حياته. ولذلك وجدناه يتميز بطرافة الصورة الشعرية والإغراب في الخيال. وهذا ما يمكن التماسه في بعض النماذج السابقة، وفي كثير غيرها يطول بنا المقام لو حاولنا استقصاءها، فطول الليل على المهموم صوره امرؤ القيس بالصورة المشهورة "كأن نجومه بكل مغار الفتل شدت بيذبل" ولكن شاعراً كبشار يحاول النفوذ إلى تصوير بارع يعرضه فيه هذا المعنى بصورة رائعة، فحيناً يجعل الدهر كله ليلاً مظلماً، وحيناً آخر يرجع السبب إلى بأسه، وفي مرة ثالثة لا يسلم بما يقال عن طول الليل لأن سهره وأرقه هو الذي يهيئ له ذلك([28]).
المبحث الخامس
نضج القصيدة العباسية
مضت القصيدة العباسية في التطور، فأصبح الشاعر معنياً بالغوص على أفكاره، وإجادة ترتيبها، وإحسان تصويرها، كما صار مدركاً لنوع من الوحدة في قصيدته، وبخاصة إذا قلت أبياتها ونبعت عن تجارب صادقة. فها هو ذا المتنبي بوعيه العميق يفلسف مشكلة الناس والزمان، فهم يعنون أنفسهم فيما لا يستحق العناء، وكلهم عضه ناب الدهر، وشملتهم نوائبه:
صحب الناس قبلنا ذا الزمانا
وعناهم من أمره ما عنانا
وتولوا بغصة كلهم منه
وإن سر بعضهم أحياناً
ربما تحسن الصنيع لياليه
ولكن تكدر الإحسانا
ومراد النفوس أصغر من أن
نتعادى فيه وأن نتفانى

واهتم الشعراء في قصائدهم ببراعة مطلعها، فتخيروا لفظه ومعناه، وحاولوا أن يشعروا فيه بالغرض من القصيدة، واجتمع لنا من وراء ذلك كثير من المطالع الجيدة. كقول البحتري:

بودي لو يهوى العذول ويعشق ليعلم أسباب الهوى كيف تعلق

وقول أبي تمام الذي ضم إلى براعة المطلع روعة الاستهلال([29]):

كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر فليس لعين لم يفض ماؤها عذر

المبحث السادس
المبالغة والتهويل
من أبرز ما لحق بمعاني الشعر وأخيلته ميل الشعراء إلى المبالغة والتهويل، وإذا حاولنا تأصيل هذه الظاهرة وجدنا جذورها في تأثير الفرس وطغيان ثقافتهم، فقد كانوا مولعين منذ القدم بالإغراق في المبالغة، ووجد اتجاههم هذا صدى طيباً لدى الخلفاء، فاضطر شعراء العرب إلى مجارتهم في ذلك، كيلا ينفردوا بالتنعيم بما تمتلئ به قصور الخلافة من ألوان المتع واللذائذ. وإذن أصبح هم الشاعر محصوراً في التفوق على غيره في الإبداع، فإذا لم تسعفه الحقائق نزع إلى الإفراط والتهويل. وإذا كان المدح قد حظى بالنصيب الأكبر من هذه الظاهرة، فإنها امتدت منه إلى غيره من فنون الشعر، ويمكن لمسها بسهولة في بعض النماذج السابقة. ولكن ما تجدر الإشارة إليه هو أن هذه الظاهرة قد تطورت بالشعر تطوراً سيئاً، وتحولت به إلى معرض للتلاعب بالألفاظ، جفت فيه روح الشعر، وسيطر عليه التقليد الذي دخل به إلى كهوف التحجر والتجمد، طوال قرون كثيرة، ولم يقدر له الاستيقاظ من رقوده الطويل إلا في العصر الحديث.


نموذج في التجديد
"فن الهجاء لبشار ابن برد"
أكثر بشار من الهجاء وافتن فيه. وساعدته طبيعته والظروف المحيطة به على هذا الافتنان.
فالهجاء يقوم على الإصغار من الناس والحظ من شأنهم، والاعتقاد بضآلتهم، وقد كانت هذه الصفات من أبرز ما يتصف به بشار، ثم زاد من إنماء موهبته الهجائية الإحساس بتناقض شعوره الممتلئ بالإزراء على المجتمع، مع الواقع الذي جعل كثيراً من أفراده أرفع منه منزلة وأعلى مكاناً. ومن ثم تولد في نفسه الإحساس بكراهيتهم والحقد عليهم. فأخذ في تلمس عيوبهم ونقائصهم وإبرازها في صورة تستدعي النفور أو توجب المقت، أما هذا الذي دفعه إلى إصغاء من حوله، فسببه الجوهري شعوره بالضعة التي يحسها، بجانب الطموح الذي يدفع به دفعاً إلى مقاومة هذا الشعور أنه يشعر بالضعة في نفسه وخلقته وآفته وأسرته بل وفي جنسه. فدفعته مذلته إلى محاولة الاستعلاء عليها وقهرها بطموحه الذي هدف من ورائه إلى تغطية كل نقائصه، وبذَّ كل معاصريه.
فقد كان شعره الهجائي من أجود شعره، لا لأنه صادق في إلصاق الصفات الذميمة بمن يهجوه، بل لأنه يمثل سخطه على الناس، وما يضطره إليه هذا السخط من ألوان الإسراف وضروب الاعتداء من أجل تجاوز المكانة التي يريد المجتمع إلزامه بعدم تجاوزها.
على أية حال، كان بشار بتكوينه النفسي مهيأ للإقذاع في الهجاء، فهو منذ حداثته سليط اللسان، ضيق الصدر بالناس، فهو القائل "الحمد لله الذي ذهب ببصري، لئلا أرى من أبغض!" متناسياً أيضاً أنه قد حرم من رؤية من يحب! ([30]).
وعندما ينشد أبياته:
وجارية خلقت وحدها
كأن النساء لديها خد
فلما رأيت الهوى قاتلي
ولست بجارٍ لها ولا بابن عم
دسست إليها أبا مجاز
وأي فتى، إن أصاب اعتزم
فما زال حتى أنابت له
فراح وحلَّ لنا ما حرم


يسأله أحد الحاضرين: عن "أبو مجاز" هذا؟ فيرد محتداً: وما حاجتك إليه؟ لك عليه دين؟ أو تطالبه بطائلة (ثأر)؟. هو رجل يتردد بيني وبين معارفي في ربسائل !! كما قال كلاماً قريباً من ذلك عندما أعوزته القافية فقال "غنني للقريض يا ابن قنان" وسئل عمن يكون ابن قنان هذا؟!
وقد وصل به الأمر إلى أنه أصبح يتفكه بالهجاء، وبعده مجلبة لسروره، كما حدث في البيت الذي خطر له عندما سمع نهيق حمار، واحتاج في قافيته إلى اسم، فمر به صديقه "تسنيم بن الجواري" فما كان من بشار إلا أن ختم باسمه بيته الفاحش!
فهو في مقتبل حياته قداتخذ من الهجاء وسيلة إلى القوة والغنى، ثم تطور به الأمر إلى أن أصبح الهجاء بالنسبة إليه متنفساً لنفسيته الموتورة من المجتمع، وسلاحاً فتاكاً يرد به على الهجمات الموجهة إليه.
يستمنح أخا الخليفة المنصور "العباس بن محمد بن علي بن عبد الله ابن العباس" فلما لم يمنحه هجاه بقوله([31]):
ظل اليسار على العباس ممدود
وقلبه أبداً بالبخل معقود
إن الكريم ليُخفي عنك عسرته
حتى تراه غنياً وهو مجهود
وللبخيل على أمواله علل
زُرْقُ العيونِ عليها أوجه سُود


وظل هكذا طوال عمره ينفث سمومه الهجائية في كل اتجاه. والسبب الحقيقي لقتله عندما أصابت المهدي ووزيره، فاتخذا الزندقة ذريعة إلى ذلك. وقد كانت هذه التهمة من أمضى الأسلحة في الانتقام من الخصوم، وربما اتهم بها كثيرون صحت عقيدتهم. ويعجب المرء: كيف خفيت زندق بشار –إن كان زندقياً- على قاتليه، وهو الذي عمر طويلاً، وتعرض للدين كثيراً وبالغ في المجون والتهتك؟!!