الثلاثاء، 6 سبتمبر، 2016

مركزية المرأة في قصيدة "الذئب" للبحتري

سلطان الزغول
يمكن أن نقسم قصيدة "الذئب" للبحتري، ومطلعها:
    سلامٌ عليكم لا وفاءٌ ولا عَهدُ!     أَمَا لكُمُ مِن هَجر أحبابكم بُدُّ
إلى لوحات ثلاث: لوحة المرأة التي يبدأ بها الشاعر، وتظهر في الأبيات (1-6). ولوحة الفخر التي تتجلى في الجزء الثاني الأكثر طولا، ويبلغ عدد أبياته ضعف عدد أبيات الجزء الأول؛ الأبيات (7-12). ولوحة الذئب التي تميّز هذا النصّ وتعطيه خصوصيته، ويمكن رصدها في الأبيات (19-35). يلي ذلك ستة أبيات لعلها تمثل خلاصة التجربة الفنية في هذه القصيدة، وهي الأبيات (36-41). ورغم قصر اللوحة الأولى إلا أنها تمتلك تأثيرا كاسحا؛ فموقف المرأة من الشاعر من جهة، ومشاعره نحوها من جهة أخرى هي ما يقوده عبر مسارب النص الأخرى.
أول ملمح يمكن التأكيد عليه في قراءة هذه القصيدة هو تعالقها مع المتن الشعري العربي؛ فعبر التناصات الغنية التي تزخر بها أبيات البحتري يبرز انحيازه للنصّ الجاهز، للنموذج المنجز سابقا، مقابل انحياز معاصره أبي تمام لطاقة اللغة المتجددة. وهذا ما دفع بعض النقاد من معاصري الشاعرين ولاحقيهما إلى عقد الموازنات والمقارنات بين شاعر يمضي على سنن العرب هو البحتري، وآخر يخرج عليها هو أبو تمام. وهي موازنة كانت ترجِّح –على الأغلب- كفّة البحتري المقتدي على أبي تمام المبتدع.
فإننا لنكاد نلمح نهج شعراء النقائض، خاصة الفرزدق عبر تفاخره، في قول البحتري:
    فقل لبنـي الضحـاك مهلا! فإنّـني     أنا الأفعوان الصلُّ والضَيْغم الوَرْدُ
    بنــي واصلٍ مهلا! فإنّ ابن أختكم     له عزمـاتٌ هَزْلُ آرائهــا جِدُّ
    متى هِِجْتموه لا تَهيجوا سوى الردى     وإنْ كـان خِرقا ما يُحلُّ له عَقْدُ
ثم نرى الفرزدق بكامل تدفقه في البيت الثاني والعشرين:
    وأطلسَ مِلْءِ العَيْن يحمل زَوْرَهُ     وأضْلاعَهُ من جانبيهِ شَوى نَهْدُ
بل في مشهد لقاء الذئب كلّه. وهو مشهدٌ ينهلُ فيه البحتري من لغة الفرزدق وصياغته وأفكاره، على الرغم من أنّ الفرزدق انتهى إلى مصاحبة الذئب، حيث تأكّد له عبر تقاربهما أنّ الذئب كائن لا يقلّ عنه حزنا وألما وحاجة إلى دفء الصديق، بينما سار البحتري إلى قتل من أكدت له التجربة أنه غريمٌ عدوّ لا يعرف الرحمة، وأن قسوة العالم لا تسمح باستمرارهما معا في هذه الحياة، فإما أن يقتلَ الذئبُ الشاعرَ ويأكلَه، أو ينتهي هذا الكائن المفترس إلى مصيره المحتوم، فيقوم الشاعر بتناول شيء من لحمه غير المستساغ، في سبيل تأكيد انتصاره من جهة، والتعبير عن أنّ الإنسان لا يقلّ ذئبية عن الحيوانات المفترسة من جهة أخرى.
ومن الشعراء الذين نلمح أطيافهم تمرّ سريعا عبر هذه القصيدة النابغة الذبياني، حيث نلاحظ توازيا مع بيته المشهور:
    كِليني لِهمّ يا أميمةَ ناصِبٍ     وليلٍ أقاسيه بطيء الكواكبِ
وذلك في أسلوب صياغة البيت الرابع عشر:
    ذريني وإياهم فحسبي صريمتي     إذا الحرب لم يُقدَح لِمُخْمِدِها زَنْدُ
على الرغم من اعتراف النابغة بضعفه أمام الآخر وهو يخاطب المرأة، مقابل تأكيد البحتري لقوته وشجاعته التي قد تؤثر في امرأة هجرته، وتدفعها إلى الندم على فراقه.
ليست هذه القراءة معنية بإحصاء تناصّات البحتري على أي حال، لكنها هدفت منذ البداية إلى التأكيد على أننا أمام نصّ يتشكّل على وقع أصوات سابقة، تظلّ أصداؤها تتردّد بقوة وفاعلية، وتبرز انحياز البحتري للمتن الشعري العربي بصيغته التقليدية القارّة. وليس آخر هذه الأصوات زهير وحكمته الخالدة، أو مقارعات الصعاليك الليلية، لكن أبرزها بصمات طرفة بن العبد التي تطبع خاتمة نصّ البحتري، سواء عبر المستوى الصوتي باستخدام قافية الدال، أو عبر الموقف من الحياة، والشجاعة في مواجهة الموت. فإذا ما قرأنا قول البحتري:
    ذريني من ضَرْبِ القِداح على السُّرى،      فَعَزْميَ لا يَثْنيــهِ نَحْسٌ ولا سَعْدُ
    سأحملُ نفســـــي عند كلّ مُلمّة      على مِثلِ حدّ السّيف أخلَصَهُ الهِندُ
    فإن عشت مَحمـودا فمِثلي بَغَى الغِنَى     لِيَكسِبَ مـــالا، أو يُنثَّ له حمدُ
    وإن متُّ لـم أظفَر فليس على امرئٍ      غدا طالبا إلا تَقَصِّيـــهِ والجَهْدُ
استعادت أذهاننا فورا قول طرفة الخالد:
    ألا أيُّ هذا اللائمي أحضرَ الوغى     وأن أشهدَ اللذات هل أنت مُخلدي
    فإن كنتَ لا تسطيـعُ دفعَ منيّتي      فدعني أبــادرها بما ملكت يدي
كما استعادت معاني مشابهة عبر أبيات أخرى في المعلقة.
ربما كان البحتري ينطلق في هذه القصيدة من نقطة مركزية، هي هجر المحبوبة، ما يدفعه إلى أن يحاول جهده في القصيدة كلها أن يثبت خطأ قرارها بترك فارس مغوار ذي مكانة متميزة في القبيلة، ومعرفة بالصحراء وأسرارها، بل إنه صديق للحيوانات المفترسة التي يتجنّبها الناس عادة. وهو القادر على أن يقارع أشدّ الخطوب حلكة، ويخرج منها منتصرا، يؤكد ذلك انتصاره على الذئب بعد معركة شرسة خاضها بشجاعة وإقدام دون تردد. ورغم تفاخره الذي يملأ أطراف القصيدة تظلّ مسحة من الحزن والكآبة تَبرز في كثير من مفاصل النصّ، مظهرة حجم خسارته. ثم تظهر بوضوح في الخاتمة التي يغلّّفها ألم وخسارة لم يحلْ دونها الانتصار على الذئب، وهو انتصار كان حريّا به أن يملأ النفس بالنشوة والإحساس بالتفوق وتذوق طعم الانتصار.
تبدأ القصيدة بلوحة المرأة، وهي لوحة تُسْلمنا منذ الكلمة الأولى إلى الإحساس بمرارة الوداع:
    سلامٌ عليكم لا وفاءٌ ولا عَهدُ!     أَمَا لكُمُ مِن هَجر أحبــابكم بُدُّ
    أأحبابَنـا قد أنجز البينُ وَعْدَهُ     وشيكا، ولم يُنْجَزْ لنا منكمُ وَعْدُ
فتحية المحبوبة تكاد تكون تصريحا بالهجر، عوضا عن أن تكون تحية ابتداء، خاصة وهو يُتبع التحية بنفي الوفاء والالتزام بالعُهود عنها. لكنه سرعان ما يقطع خطاب الهجر والوداع ليستبدله بالتضرّع المقرون بالعتاب والأسى في الشطر الثاني من البيت نفسه. ثم يؤكد أساه وعتابه وحزنه في البيت الثاني الذي يبدأه مستخدما أداة نداء القريب، فعلى الرغم من البَيْن الذي قطع ما بينهما إلا أنّه يخاطبها بتأسّ وتودّد مستخدما لفظ (أحباب)، وهو منادى يتصل بالضمير (نا) الذي يدلّ على التصاق هؤلاء الأحباب بالمتكلم. هذا التأسّي والحزن والعتاب يبرزه ويوضّحه ما يلي صيغة النداء من ألفاظ تؤكد انقطاع الوصل دون تحقيق أي اتّصال حقيقي؛ فالبَيْن قد تمّ وأنجز بسرعة دون أن تفي المرأة بوعد واحد من وعودها، ما يشي بأنها  تتحمّل مسؤولية الفراق.
بعد ذلك يلتفت الشاعر إلى خطاب الأطلال عبر الإلحاح والتأكيد على استخدام صيغة نداء القريب، التي تظهر عمق تأثير بَيْن المحبوبة، ما يدفعه إلى التمسك بقربها، ولو كان ذلك عبر صيغ بناء التراكيب الفنية:
    أأطلالَ دارِ العــامريّـة باللِّوى      سَقَتْ رَبْعَكِ الأنواءُ مـا فَعَلَتْ هِنْدُ؟
    أدار اللِّوى بين الصَّريمةِ والحِمى     أما للهوى إلا رَسيسَ الجَوَى قَصْدُ؟  
يدعو الشاعر للأطلال بأن تربو بماء الأنواء، وذلك خلال سؤاله إياها مستنكرا ما فعلته محبوبته من صرم وقطع. ويحيلنا نداء أطلال دار العامرية، وهي أطلال دار محبوبته التي أقدمت على فعل ما لا يستطيع تصديق حدوثه من انقطاع وهجر، يحيلنا إلى أجواء الحب العذري السامي، وإلى ليلى العامرية، ما يعطي إيحاء بعمق هذا الحب الذي مرّ به الشاعر. ثم يخاطب المكان بصيغة النداء نفسها، قبل أن يحدّده بدقة، في محاولة للقبض عليه عبر اللغة، وامتلاكه من خلال الكلمات، سلاحِه الوحيد في مواجهة الفراق والقطع الذي أقدمت عليه المحبوبة. وما يلبث أن يتساءل بالحرقة نفسها التي ظهرت في الأبيات السابقة: أما للهوى من قصد إلا هذه الحرقة الباقية؟ ألا يمكن أن يهوى من يهوى فيتحقق له الفرح والوصال؟ لماذا ينتهي العاشق دائما إلى هذا الألم؟. ومن ما يلفت في هذا البيت أن تتحدّد دار الحبيبة المفتقدة "بين الصَّريمةِ والحِمى"؛ بين مكان اشتق اسمه من الفعل (صرم)، بمعنى قطع بقوة وعنف، ومكان يحميه أصحابه لما فيه من خير، فهي حبيبة ممتنعة ممنوعة أولا وأخيرا، لا أمل يرجى من تحقيق الوصال معها، ما يدفع إلى أن يختم الشاعر لوحته بالاستسلام للحزن الذي يقود إلى الرقة في صياغة الكلمات:
    بنفسيَ مَنْ عذَّبْتُ نفســـي بِحُبِّهِ     وإن لم يكنْ منه وِصالٌ ولا وُدُّ
    حبيبٌ من الأحبـاب شَطَّتْ بِهِ النَّوَى     وأيُّ حبيبٍ ما أتى دونهُ البُعْدُ!
إذا كانت اللوحة تبدأ بالتصريح القاسي: لا وفاء لهذه المحبوبة ولا عهد، فإنها تنتهي بافتدائها بالنفس التي تعذّبت بحبّها، دون أن تحصل منها على أي نوع من أنواع الوصال. وهذا يدفع الشاعر إلى أن يلبس رداء الحكمة مؤكدا أنه ليس في الحب قرب دائم، فهو يتساءل معزيا نفسه: هل من حبيبين لم يحل البعد بينهما؟ وبذلك يتطهّر من حرقة الحب وآلامه، في سبيل المضيّ في هذه الرحلة الفنية عبر القصيدة إلى نهايتها. وهي رحلة تتخذ من المحبوبة منطلقا، وتتكئ على فراقها لتبني عالما جماليا شامخا.
تبدأ لوحة الفخر بالبيت السابع، دون أن تنقطع عن لوحة الذئب التي تتلوها في سبيل تأكيد الصفات التي اتخذها الشاعر لنفسه، وهي لوحة تشرع للحبيبة بابا واسعا على عالم مَن أحبّها وفارقته، ما يعطي الشاعر تعويضا عن خسارته، عبر تأكيده لها أنها هي التي خسرت فارسا لا يعوّض، ورجلا عزّ نظيره في هذه الدنيا: ظريف
    إذا جُزتَ صحـــراءَ الغُوَير مغرِّبا      وجازَتْكَ بطحاءُ السواجير يا سعدُ
    فقل لبنـــي الضحـاك مهلا فإنني     أنا الأفعوان الصِّلُّ والضَّيغَمُ الوَرْدُ
    بنـــي واصل مهلا فإنّ ابنَ أختكُم     لهُ عَزَمَاتٌ هزْلُ آرائهــــا جِدُّ
    متى هِجْتُموهُ لا تهيجوا سوى الرّدى     وإنْ كــانَ خِرْقا ما يُحلُّ له عَقْدُ
يفتخر الشاعر على بني الضحاك مستخدما ألفاظا صحراوية قاسية؛ فهو "الأفعوان الصِّلُّ والضَّيغَمُ الوَرْدُ": وبذلك يصف نفسه بالثعبان الداهية، والأسد الشجاع، كما أنه يتقصّد ذكر أماكن الصحراء وتحديدها بدقة تؤكد خبرته ومعرفته بتلك الصحراء وقسوتها، وذلك كلّه ليس ببعيد عن موقفه المتأزم من المحبوبة التي يريد أن يقول لها إنها قد أضاعت فرصة التقرب من فارس مهيب، له عزمٌ هزلُه جدّ، وإذا ما استفزّه مستفزّ فقد استفزّ الردى نفسه، رغم ظرفه وسماحته وكرمه. وكأنما يشير عبر ذكر الظرف والسماحة إلى صفات تحبّذ النساء توفّرها فيمن تحبّ، ناهيك عن صفاته الأخرى التي تجعل منه رجلا مثاليا لا يدانيه أحد في القوة أو النجدة أو السماحة أو المكانة.
نحن إذن أمام فارس فذّ، وهو محبّب إلى النفس أيضا. ويتابع وصف الذات الخارقة قائلا:
    مهيبا كنصل السيف لو قُذفتْ به     ذرى أجأ ظلّت وأعلامُـــهُ وَهْدُ
    يودُّ رجال أننـي كنتُ بعض مَن     طوتهُ المنايــا لا أروحُ ولا أغدو
    ولولا احتمـالـي ثِقْلَ كلّ مُلِمَّة     تسوءُ الأعادي لم يودُّوا الذي ودّوا
إنه مهيب يشبه نصل السيف في حدّته، وهو قاس شديد لو قُذف به جبل (أجأ) لسُوّي بالأرض. أما الرجال فيحسدونه ويتمنون لو كان قد قُتل أو مات، وذلك لاحتماله ثقل الملمّات، ومواجهته الأعداء، ما يجعله مقدّما عنهم لتميّزه.
ويكاد ما وراء الخطاب يتكشّف عبر قوله:
    ذريني وإيـاهم فحسبي صريـمتي     إذا الحرب لم يُقْدَح لِمُخْمِدِها زّنْدُ
    ولي صاحبٌ عضْبُ المضاربِ صارمٌ     طويلُ النجــادِ ما يُفَلُّ لهُ حدُّ
فبعد أن استعرض صفات الفارس المتميّز بين أقرانه في القبيلة، عاد يخاطب الحبيبة التي اعتقد أنه قد تطهّر من مشاعره نحوها في خاتمة لوحة الغزل، ومضى يؤكد لها عبر لوحة الفخر كل ما من شأنه أن يدفعها إلى الندم على فراقه. لكنّ حبّها الذي دفع بهذا البناء الفنيّ إلى الاكتمال، سواء عبر لوحة الغزل الممتلئة شجى وجوى وتأسيا، أو لوحة الفخر المتشبّعة بصفات البطولة الخارقة، وهي صفات ستتأكّد وتترسّخ خلال لوحة الذئب التي يشمخ فيها هذا الفارس، منتصرا على الطبيعة المتوحشة، بعد أن تفوّق على نظرائه من الفرسان. أقول: لكن حبّها ليس رداء يمكن خلعه، أو موقفا عابرا يمكن التخلّص من وطأته عبر نفث عبرات الحب أو الفخر، والتطهّر منها كأن لم تكن. إنه حبّ راسخ يدفع بالحبيبة إلى الظهور بكامل هيبتها خلال انطلاق الشاعر وحيدا، مكتفيا بما حدث له من (صريمة) على يد المحبوبة، قبل أن يقطع تميّزه على أقرانه أي وسيلة تعويض عن الفقد عبر الصداقة الإنسانية، فلم يعد له من صاحب مخلص إلا سيفه القاطع، وهذا ما سيجعله يمضي إلى التعمق في الصحراء ومواجهة وحوشها الكاسرة، بعد أن انقطعت حبال تواصله الإنسانية، مع المرأة أولا، ثم مع الأصدقاء الذين صاروا يودّون موته بعدما رأوا فيه من سمات التميز والتفوّق.
نحن إذن أمام خيبة شاعر يحسّ بالتوحّد والقلق، وهو يعرف قدراته التي تؤهّله للاندماج الاجتماعي، ولعب دور حاسم في الحياة. وانطلاقا من هذه المشاعر خاض غمار رحلته الصحراوية التي واجه فيها وحش الصحراء. ولا بدّ من التأكيد أننا لسنا هنا بصدد إثبات حقيقة هذه الرحلة وما جرى فيها من أحداث درامية، كل ما يعنينا هو الرحلة الفنية التي قام بها البحتري عبر اللغة، والتي تشكّل بديلا خالدا عن خسارات الشاعر الإنسانية والاجتماعية.
بعد أن قدّم الشاعر ما قدّم من صورة ناصعة لفروسيته عبر لوحة الفخر، بدأ يتصوّر أن حبيبته قد تندّمت على فراقه، فما وجدت حيلة إلا البكاء تشكو عبره هذا الفراق بدموع غزيرة، تتساقط بحزن دفعه إلى أن يهدئ من روعها، طالبا منها ألا تحزن لبين رجل ذي همة وطموح إلى العلياء، ليس له ندٌّ أو نظير بين الرجال. ولعله يخاطب بهذا نفسه التي عزّ عليها مفارقة المحبوبة التي هجرته، فلم يجد ما يعزّيها به إلا ما ظل الشاعر العربي يعزّي به نفسه ورفيقته منذ أن بدأت رحلة القصيدة الجاهلية: لا تحزني للفراق، فأنا بصدد الرحيل في سبيل تحقيق المجد والرفعة:
    وبــاكيةٍ تشكو الفِرَاقَ بأدمُعٍ     تُبادِرُها سَحَّا، كما انتشر العِقْدُ
    رَشادَكِ لا يحْزُنْكِ بَيْنُ ابن هِمَّةٍ     يتوقُ إلى العليـاء ليس لهُ ندُّ
لكنّ الشاعر لا يترك هذه المعادلة التقليدية في القصيدة العربية دون إضافة، إن الخسارة التي دفعته إلى التأمّل والتجربة وخوض غمار الرحلة القاسية تقوده إلى الكشف:
    فَمَنْ كان حرّا فهو للعزمِ والسُّرى     وللّيل من أفعالهِ والكَرَى عبدُ
إذا كان الفارس حُرّا، فإن حرّيته في الحقيقة ليست سوى وهم؛ فمع مرور الأيام والليالي وهو على قيد مغامرته التي تجلب له المكانة والسموّ، يتحوّل إلى عبد للعزم والسُّرى، ولليل والسهر. فهو يحمل عبئا ثقيلا لا يمكنه التخلّص منه، لا يمكنه أن يرضى بما يرضى به عامة الناس، لأن الناس لن يقبلوا منه إلا الخارق والعظيم.
وسرعان ما يمضي الشاعر وقد استراح لهذه النتيجة إلى اللوحة الثالثة، التي يصف فيها ليلة من لياليه الصحراوية، قضاها حتى آخرها ساهرا، يترقّبُه ذئب هاجع، أصابه شيء من النعاس وهو ينتظر أن يغفو غريمه دون جدوى، وقد ظلّ ينظر إليه بعين ابن ليل خبير بكائنات الصحراء، ينتظر لحظة غفلة من صيده حتى ينقضّ عليه:
    وليلٍ كأنّ الصُّبْحَ في أخرَياتِـهِ     حُشـاشَةُ نَصْلٍ ضمَّ إفْرنده غِمْدُ
    تسرْبَلْتُهُ والذئبُ وَسْنانُ هاجعٌ      بعينِ ابن ليلٍ ما لهُ بالكرى عَهْدُ
    أثيرُ القطا الكُدْرِيَّ عن جَثَماتِهِ      وتألَفُنــي فيهِ الثّعـالبُ والرُّبْدُ
يكتبُ الشاعر هذه اللوحة بريشة فنان يرسم مشهدا صامتا سرعان ما تدبّ فيه الحركة، فبعد الترقّب توثّب فانقضاض فتلاحم فسقوط وموت. وهو يبدأ بذكر الليل الذي أمسى سربالا يغطي جسده، ما يؤكّد توحّده واندغامه الكلّي بليل الصحراء الذي لم يعد فيه ما يخيف، بل إنه ليدعو إلى التأمّل والتفكّر بتشكّله البطيء، ثم انجلائه عن الصبح رويدا رويدا. ولولا ترقّب عدوّ ينتظر لحظة غفلة لينقضّ ما كانت صورة تشكّل الصبح آخر الليل تستدعي ذكر أداة من أدوات القتل هي السيف، على الرغم من أنّ هذا السيف، رفيق الشاعر الوحيد في رحلته الليلية، ما زال يهجع في حضن غمده، لكنه على أهبة الاستعداد في أي لحظة لأن يظهر لمعانه، كما أنّ الصبح يتشكّل منذ خيوط الفجر قبل أن ينشقّ ويتكشّف. وبعد أن يُعرّج على الطرف المقابل، شريكه في بناء هذا المشهد الدرامي، واصفا كمونه ونعاسه، مشيرا إلى اندغامه هو الآخر في الليل الذي صار له أبا حاميا، ينفذُ إلى تفاصيل المشهد الذي يحيط به وبغريمه في هذا الترقّب المثير: فإذا ما صدرت عنه نأمَة أو حركة خفيفة أثيرت طيورُ القطا السوداء عن مراقدها، أما الثعالب وكائنات الصحراء المفترسة فقد أمست تتعايش معه، بعد أن صار وجوده مألوفا في موطنها القاسي. ومن ما يلفت في مكونات هذا المشهد الليلي أنّ كائناته يسمُها لون الليل القاتم، فالقطا كُدريٌّ أسود مغبرّ، والكائنات الأخرى رُبدٌ مسودّة، أما الذئب الذي سيواجهه فهو أطلس؛ أغبرٌ مسودّ. ولعلّ في ذلك ما يشير إلى أحاسيس الشاعر التي تسمُها قتامة البين والفراق عمّن أحبّ.
ثم يترك مكونات المشهد المحيط ليسلّط ضوءا ساطعا على الذئب، غريمه الأغبر القاسي:
    وأَطْلَسَ مِلْءَ العيـن يحملُ زَوْرَه     وأضلاعَـهُ من جانبيهِ شَوَى نَهْدُ
    لهُ ذنبٌ مِثلُ الرِّشــاءِ يجــرُّهُ     ومَتْنٌ كمتـن القوس أعوَجُ مُنْأدُّ
    طواه الطَّوَى حتى استمرَّ مرِيـرُهُ     فما فيهِ إلا العَظْمُ والروح والجِلْدُ
    يقضْقِض عُصْلا في أسِرَّتِها الرَّدى     كقضقَضَةِ المقْرُور أَرْعَدَهُ البرْدُ
نحن أمام لوحة ذئبٍ يرسمها فنان محترف، تنفذ إلى التفاصيل الجسدية والنفسية الدقيقة، لكنها تستبدل الخطوط والألوان بالكلمات والإيقاعات. إنّه ذئب أغبر يميل إلى السواد، يملأ العين بضخامته، ويرتفع صدره وأضلاعه على أطراف بارزة قوية. وله ذنب طويل يجرّه خلفه يشبه حبل الدلو، أما ظهره فمقوَّس معوجّ، فيه انحناءة القوس وقوّتها. وهذا الذئب قد استحكمت عزيمته وقويت لشدة الجوع الذي لم يترك فيه ما يعيق حركته، فما بقي إلا عظم صلب عريض، وجلد أغبر قاس، وروح تشدّها رغبة البقاء إلى التقدّم. وهو قد بدأ معركة بقائه بقضقضة أنيابه الصلبة المعوجّة، التي يشبه تقضقضها اصطكاك أسنان المرتعش من شدة البرد، وشتان ما بين حركة أسنان المقرور المرتعد التي تشير إلى ضعف، وطقطقة أنياب ذئب جائع مصمّم على القتل في سبيل الحياة، يذكّر صوتها بصوت تكسّر العظام، فهي أنياب يقيم الرّدى في خطوطها المخيفة.
بعد أن ركّز عدسة تصويره الماهرة على الطرف الأول، الطرف الذي ترسّخت في الأذهان صورة مرعبة لقوته وشدة فتكه، مشيرا إلى حاله البائسة نفسيا وجسديا، والتي تظهر في ذكر جوعه، وارتباكه الذي تؤشّر عليه قضقضة الأنياب، على الرغم من أنّها تحمل للطرف الآخر الرعب وترقّب الموت المحتّم، أقول: بعد أن فعل ذلك، وكما يتصرّف مصوّر سينمائي محترف، تحوّل بعدسته إلى الطرف الآخر، مشيرا إلى البيداء القاسية في خلفية المشهد:
    سَمَا لِي وبِي من شدّةِ الجوعِ ما بِهِ      بِبَيْداءَ لمْ تُحْسَسْ بها عِيشةٌ رَغْدُ
    كِلانا بهـــا ذئبٌ يُحَدِّثُ نفسَــهُ     بِصاحِبِه، والجَدُّ يُتْعِسُـــهُ الجَدُّ
لقد التقى ذئبان جائعان؛ الذئب الإنسان، والذئب الحيوان في صحراء لا أثر للعيشة الهنيئة الرغدة فيها، كلّ ما يمكن أن يمرّ بقاطنيها هو الألم والجوع، والصراع الذي يستمرّ على إثره طرف عبر التغذّي من لحم غريمه، فقتل الآخر هو الوسيلة الوحيدة للنجاة. وحسن حظ أحدهما لا يعني إلا سوء حظ الثاني في هذه المعركة التي لا تنتهي إلا بموت هذا ونجاة ذاك.  
وسرعان ما تصاعدت درامية المشهد، فمضى شاعرنا يصوّر أدق تفاصيل المعركة:
    عَوَى ثُمَّ أَقْعَى، وارْتَجَزْتُ فَهِجْتُــهُ،     فأقبلَ مثلَ البرقِ يتبَعُــهُ الرَّعْدُ
    فَأَوْجَرْتُهُ خَرْقـــاءَ تَحْسِبُ ريشَها     علـى كوكبٍ يَنْقَضُّ والليلُ مُسْوَدًُّ
    فما ازداد إلا جُرْأةً وصــــرامةً،     وأَيْقَنْتُ أنَّ الأمر منهُ هو الجــدُّ
    فأتْبَعْتُهـا أخرى فأَضْلَلْتُ نَصْلَهــا      بِحيثُ يكون اللُّبُّ والرُّعْبُ والحِقْدُ
    فَخَرَّ وقد أورَدْتُـــهُ مَنْهَلَ الرَّدَى      علـــى ظَمَأٍ لو أَنَّهُ عَذُبَ الوِرْدُ
بدأ الذئب بإصدار صوته المرعب معلنا عن وجوده وإصراره على البقاء، ثم قعد على مؤخّره مستعدّا للوثوب، أما الرجل فبدأ ينشد الرجز محمّسا نفسه، أو أنّه بدأ إصدار أصوات متتابعة مرتفعة ليخيف غريمه، ما أهاج الذئب الذي هجم بسرعة خاطفة، ناشرا من حوله أصواتا مرعبة عبر عوائه المختلط بتحرّكه القويّ السريع، فما كان من الرجل إلا أن أطلق سهما قويا انغرز في جلد الذئب القاتم، لكن إصابته بهذه الطعنة السريعة لم تثنه عن عزمه، بل زادته جرأة وصرامة وانقضاضا في تقدّمه، ما جعل الرجل يغرز نصل سيفه أو رمحه في قلب الذئب الذي خرّ قتيلا بعد أن صمّم على أن يرد مورد الموت.  
لكنّ الرجل لم يكتف بقتل غريمه، كان لا بدّ له من تأكيد ذئبيته بتناول شيء من لحمه، وربما كان أكل لحم الذئب سببه شدة الجوع حسب:
    وقُمْتُ فجَمَّعْتُ الحَصى واشْتَوَيْتُهُ     عليه وللرَّمْضـاء مِنْ تَحْتِهِ وَقْدُ
    وَنِلْتُ خَسيــسا منهُ، ثمَّ تركتُهُ      وأقْلَعْتُ عنـهُ وهو مُنْعَفِرٌ فَرْدُ
    لقد حَكَمَت فينا الليالي بِجَوْرِهـا      وحُكمُ بنات الدهر ليس له قَصْدُ
لقد انتهى هذا المشهد الدراميّ الصاخب إلى أن قام الرجل بإشعال النار، ليشوي شيئا قليلا من لحم الذئب القاسي، لكن رمل الصحراء كان يتّقد من تحته أصلا. وبعد أن تذوّقه تركه متعفّرا بالتراب ومضى. وكان تعليقه على ما حدث أنّ حكم الدهر جائر، وألا عدل على هذه البسيطة.
ربما قاد هذا التعليق إلى الاعتقاد أنّ الشاعر ليس معنيا بالصحراء وحيواناتها، إنّه يتّخذها قناعا للحديث عن العلاقات الذئبية التي تسم مجتمع المدينة، بغداد وسامراء خاصة، على المستوى الثقافي والسياسي، حيث التنافس للحصول على المكانة الأدبية من جهة، وتنافس الأمراء العباسيين في العصر العباسي الثاني للوصول إلى كرسي الحكم. فالشاعر الذي غادر مجتمعا بسيطا في بيئة أقرب إلى البداوة، تسمه العلاقات البريئة المجرّدة من الأغراض والنفعية يصدمه ما يرى في مجتمع العراق من تحارب وتنافس على السلطة، يصل حدّ تخلّص الأخ من أخيه، والابن من أبيه، فلا يجد إلا فنّه الشعري وسيلة للتعبير عن مشاعره المتضاربة، متكئا على معارفه الصحراوية التي اكتسبها في صباه وشبابه، ليبني هذا النصّ المدهش والمتقدم فنيا، خاصة في نزعته الدرامية التي صوّر عبرها مشهد الذئب خاصة بأدقّ تفاصيله ومفرداته.
من جهة أخرى ليس هذا التعليق الذي يؤكّد أنّ سمة هذه الحياة هي الجور والظلم بعيدا عن موقف الحبيبة التي اختارت فراق الشاعر، وهو مَن هو في فروسيته ونجدته وكرمه ومقارعته الأعداء ووحوش الصحراء، وربما كان ذلك لصالح وغد لئيم لا يستحقها، ما دفعه إلى أن يتساءل عبر الجزء الأخير من قصيدته، الجزء الذي يخصّصه ليبّث عبره خلاصة تجربته: هل من العدل أن يشقى الكريم في هذه الحياة، ويأخذ اللئيم من الأيام الصفو والسعادة:
    أفي العدلِ أنْ يشقى الكريـم بِجَوْرِها؛     ويأخُذَ منهـا صَفْوَها القُعْدُدُ الوَغْدُ؟
    ذرينـي من ضَرْبِ القِداح على السُّرى     فَعَزْميَ لا يَثْنيــهِ نَحْسٌ ولا سَعْدُ!
    سأحملُ نفســـــي عند كلّ مُلمّة     على مِثلِ حدّ السّـيف أخلَصَهُ الهِندُ
    لِيَعْلَمَ مَنْ هــابَ السُّرى خشية الرَّدى     بأنَّ قَضـــــاءَ اللهِ ليس له ردُّ
    فإن عشتُ مَحمـودا فمِثلي بَغَى الغِنَى     لِيَكسِبَ مـــالا أو يُنثَّ لـه حمدُ
    وإن متُّ لـم أظفَر فليس علـى امرئٍ     غدا طالبا إلا تَقَصِّيــــهِ والجَهْد
لا عدل إذن في هذه الحياة القاسية الجائرة التي يشقى فيها الكريم، ويكسب منها اللئيم النذل. ورغم ذلك فإنه مصمّم على خوض مقارعة الخطوب مهما كانت النتيجة، فعزمه لن يلين أبدا، وهو مقدم إقدام حدّ السيف الحسن الصنع إذا ما أشهر، فهو يعرف أنّ قضاء الله لا يردّ، ولن يسلم منه الجبان الذي أقعدته عن محاولة الحصول على المجد خشية الموت. وإذا لم يتمكن من الحصول على ما ينشد في هذه الحياة من مال أو ثناء فيكفيه شرف المحاولة.

الأربعاء، 23 سبتمبر، 2015

أبيات: ((ولما قضينا من منى كل حاجة...)) بين النقد العربي القديم والحديث
د. عبدالرحمن بن محمد القعود

المصدر: مجلة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، العدد 13، السنة 13، ص243-317

مقدمة:
لفت انتباهي في التراث الأدبي والنقدي القديم كثرةُ تناول النقاد أبياتَ كُثَير المشهورة:
ولما  قضينا  من  منى   كل   حاجةٍ        ومسَّح  بالأركان  من  هو   ماسحُ
وشُدَّتْ على حُدْب المهارى رحالنا        ولم ينظر  الغادي  الذي  هو  رائح
أخذنا   بأطراف   الأحاديث   بيننا        وسالت   بأعناق   المطيّ   الأباطح
لقد شغلتهم الأبيات، وأفرزت ما يشبه الجدل النقدي بينهم. جُلّهم مجمعون على جمالها، لكنهم يختلفون في تقويم هذا الجمال وفي مصدره أو سببه. بعبارة أخرى وربما أدق، بعضهم يرى أنها جميلة من ناحية الألفاظ في حين قصَّر معناها عن درجة هذا الجمال اللفظي، بينما يرى بعض ثانِ أن وراء جمال ألفاظها معاني جديرة بهذه الألفاظ الجميلة التي عبرت عنها، في حين يرى ثالث أن سر هذا الجمال إنما هو في ((النظم)) اللفظ والمعنى معاً، ملتحمين أحدهما بالآخر. فالقضية إذن تدور غير بعيدة عن إطار اللفظ والمعنى عند النقاد مفصولين أحدهما عن الآخر منتصراً لأحدهما على الآخر من ناحية، أو متلاحمين أحدهما مع الآخر من ناحية أخرى. وكما شغلت هذه الأبيات النقاد العرب القدماء واقتطعت لها مساحة غير صغيرة في خريطة النقد العربي القديم، تناولها غير واحد من النقاد المعاصرين في ظروف نقدية مختلفة، وبوجهات نظر نقدية لا يخلو أقلها من تميز، أما أكثرها فيعد امتداداً أو تنويعاً لما قاله الأقدمون. لقد تكونت من هؤلاء وهؤلاء مادة مغرية بالبحث والتتبع والدراسة والمقارنة. والهدف أن نقف على توجهات هؤلاء النقاد من خلال مواقفهم نحو الأبيات، وأن نتعرف الأدوات النقدية التي كانوا يشتغلون بها وأيها أكثر عطاء، وأبلغ فعلاً، وأين يقف نقدنا المعاصر من نقدنا القديم ؟ وكيف ؟

من هنا تبدت لي جدوى أن أنهض بهذا العمل في فصلين رئيسين، يتناول أولهما نظرة النقاد القدماء إلى الأبيات ويتناول الثاني تناول المعاصرين. ولأن القدماء أرجعوا جمال الأبيات إما إلى الألفاظ وحدها، وإما إلى المعاني التي وراء الألفاظ، وإما إلى اللفظ والمعنى معاً. فقد قسمنا الفصل الأول تبعاً لهذا.
ولا نعتقد أن رواية الأبيات وتوثيق نسبتها تهمنا كثيراً في هذا المجال فما يهمنا هو النقد المحيط بهذه الأبيات وما كان له من توجهات. ومع هذا ولتوسيع دائرة المعرفة حول أبيات كُثير نحب أن نوضح أن الأبيات رُويت إما غير منسوبة إلى قائل معين وإما مختلفة النسبة، رواها غير منسوبة ابن الأثير في المثل السائر (جـ2 ص66) وأبو هلال العسكري في كتاب الصناعتين (ص73) وابن طباطبا في عيار العشر (ص84) والباقلاني في إعجاز القرآن (ص221- 222) والجرجاني عبدالقاهر في أسرار البلاغة (ص16) وابن قتيبة في الشعر والشعراء (ج1 ص66) وابن جني في الخصائص (ج1 ص28) والقلقشندي في صبح الأعشى (جـ2 ص211) وياقوت الحموي في معجم البلدان في ((باب الميم والنون وما يليهما)) والقالي البغدادي في كتاب ذيل الأمالي والنوادر (ص166) وأحمد بن الحسين السراج في مصارع العشاق (مجلد 2 ص211) والربعي في كتاب نظام الغريب (ص136) وابن منظور في لسان العرب ((مادة طرف)) والزبيدي في تاج العروس ((فصل الطاء من باب الفاء)) ورواية هؤلاء اقتصرت على الأبيات الثلاثة التي ذكرناها في البداية أو الأول والثالث منها أو الثالث فقط كما فعل صاحب تاج العروس ربما لأن فيه الشاهد الذي يطلبه. أما روايتها منسوبة فالقاضي الجرجاني في الوساطة (ص34- 35) يروي منها البيت الأخير فقط وينسبه إلى ابن الطثرية. وربما اكتفى القاضي بالبيت الأخير لاستشهاده بما فيه من استعارة كان يتحدث عنها. والشريف المرتضى علي بن الحسين في أماليه (غرر الفوائد ودرر القلائد) (ص457- 458) ينسبها إلى المضرَّب: عقبة بن كعب بن زهير بن أبي سلمى، ويرويها ضمن أبيات أخرى على هذه النحو:
وما  زلت  أرجو  نفع   سلمى   وودها        وتبعدُ   حتى   ابيضَّ   مني   المسائح[1]
وحتى   رأيت   الشخص   يزداد    مثله        إليه؛   وحتى   نصف    رأسي    واضح
علا    حاجبَيَّ    الشيب    حتى    كأنه        ظباء    جرت    منها    سنيح    وبارح
وهَزَّة      أظعان       عليهن       بهجة        طلبتُ،   وريعان   الصبا    بي    جامح
فلما   قضينا   من   منى    كل    حاجة        ومسح   بالأركان    من    هو    ماسح
أخذنا    بأطراف     الأحاديث     بيننا        وسالت    بأعناق     المطي     الأباطح
وشُدتْ  على  حدب  المهاري   رحالنا        ولا   ينظر   الغادي   الذي   هو   رائح
قفلنا  على  الخوص   المراسيل   وارتمت        بهن الصحاري والصفاح الصحاصح[2]
أما العباسي صاحب ((معاهد التنصيص)) (ص134)، فقد نسب ثلاثة الأبيات المشهورة إلى كثير عزة. وذكر أنها نسبت أيضاً إلى ابن الطثرية، كما نقل عن أمالي المرتضى الأبيات الثمانية التي ذكرناها، وذكر أن المرتضى نسبها إلى المُضرب. وأما القيرواني في الجزء الأول من ((زهر الآداب)) (ص404- 405) فينسب الأبيات إلى كُثير ويرويها هكذا:
ولما  قضينا  من  منى   كل   حاجة        ومسح  بالأركان  من  هو   ماسحُ
وشُدَّتْ على حُدْب المطايا  رحالنا        ولا يعلم  الغادي  الذي  هو  رائح
أخذنا بأطراف الأحاديث واشتفت        بذاك   صدور   مُنْضَجَات   قرائح
ولم نخش ريب الدهر في كل  حالة        ولا   راعنا   منه    سنيح    وبارح
وفي هذه الرواية الأخيرة تظهر وحدة الأبيات النفسية والأسلوبية، كما يظهر انسجامها بعضها مع بعض أكثر مما هي عليه في روايتهما ثمانية كما مر.
ولا نعتقد أن في نسبة الأبيات إلى كثير أو غيره ما يسبب أو يستدعي تحولاً في مسار البحث، فسيبقى كما هو سواء تحققنا من قائل الأبيات أو افترضنا مجهوليَّته. مع هذا سننسبها إلى كثير انتهاجاً للأشهر، ثم لأنها – كما يبدو – تلتقى مع أسلوبه الشعري.

الفصل الأول: في النقد القديم
أولاً: جمال في اللفظ (الشكل).
(1) تظهر أول إشارة نقدية لهذه الأبيات – حسب علمي – عند ابن قتيبة (ت276) في الجزء الأول من كتابه ((الشعر والشعراء)) والأبيات وردت شاهداً على أحد أضرب الشعر الأربعة التي اهتدى إليها بعد تدبر منه – كما يقول – لهذا الفن: ((تدبرت الشعر فوجدته أربعة أضرب))[3] وهذا النوع الذي استشهد عليه بهذه الأبيات (ولما قضينا) هو ما ((حسن لفظه وحلا، فإذا أنت فتشته لم تجد هناك فائدة في المعنى))[4]. وبعد أن يورد الأبيات يعلق عليها أو ينقدها بقوله: ((هذه الألفاظ كما ترى، أحسن شيء مخارج ومطالع ومقاطع، وإن نظرت إلى ما تحتها من المعنى وجدته: ولما قطعنا أيام منى، واستلمنا الأركان، وعالينا إبلنا الأنضاء، ومضى الناس، لا ينتظر الغادي الرائح، ابتدأنا في الحديث، وسارت المطيُّ في الأبطح))[5].
فابن قتيبة يقر لهذه الأبيات بحسن اللفظ وحلاوته، وبأن هذا الحسن شمل حتى مخارج حروفها وحتى مطالعها ومقاطعها[6]. بتعبير آخر، يرى ابن قتيبة أن هذه الأبيات بلغت ما يمكن أن نعبر عنه بالجمال المطلق للصياغة اللفظية، غير أن ذلك – في رأيه – لم يكتمل لسبب واحد هو أنها لا تشي له بأي معنى أو بمعنى واضح مفيد على الأقل.
وهنا نقف مضطرين عند قضيتين نقديتين لا مفر من الوقوف عندهما والتحاور مع ابن قتيبة فيهما: أولاهما قضية اللفظ والمعنى، أو الشكل والمضمون – حسب المصطلح النقدي الحديث – بوصفهما عنصرين متكاملين ومتلاحمين في النص لا ينبغي الفصل بينهما عند تحليله ودراسته ونقده اللهم إلا في بعض الدراسات النقدية التي تهدف إلى تعرُّف ما بين هذين العنصرين من صلة أو ترابط تعبيريي وشيج، أو توضيح خصائص أحدهما، أما خلاف هذا فإن قيمة النص الجمالية تقضي بأن تتداخل عناصره وألا تتزايل لحساب قيمة أخرى ولو فكرية، وإلا انطمست شعريته وامحت ملامح جماله مثله مثل العينين الجميلتين تخسران جمالهما إذا نظر إليهما منفردة إحداهما عن الأخرى. فحتى لا يتشرذم النص وتتفتت وحدته التي نفضل أن نراه عليها جسداً واحداً وكلاً متكاملاً ينبغي أن نتعامل مع اللفظ والمعنى على أنهما ذلك الكل الذي لا يتجزأ وغير أننا من هذا المنطلق أو المرصد نرى ابن قتيبة انزلق إلى ما ينبغي الحذر من الوقوع فيه وهو الفصل بين الشكل والمضمون، ليس بسبب هذا القسم من الشعر الذي تناول فيه ((ولما قضينا من منى كل حاجة...)) وإنما بسبب التقسيم نفسه؛ فقد أدار هذا التقسيم حول محوري المعنى واللفظ رداءة وجودة، أو رداءة بأحدهما وجودة في الآخر. ومن الواضح أن هذا التقسيم تقريري صارم يقدم اللفظ والمعنى وحدهما – بل ومفصولين أحدهما عن الآخر – معياراً نقدياً أو حد للشعر، ولو قبلنا لكانت جناية منا على النص والشعر معاً. نعم، المعنى واللفظ بوصفهما عنصرين متلاحمين، واحد من المعايير النقدية ولكنهما ليسا الوحيدين.
ولم يبد من ابن قتيبة تمييز لواحد من هذين المحورين أو انتصار لأحدهما على الآخر. ولم يَسْتَيِنْ سواء من خلال تقسيمه الشعرَ أو في ثنايا مقدمته لكتابه (الشعر والشعراء) ميله، أهو إلى جانب المعنى أم إلى جانب اللفظ ؟

فما أرجحه أنه سوى بينهما[7]. ودليل آخر نستنتجه استنتاجاً على مذهب التسوية هو أن ابن قتيبة لو كان يميل إلى جانب اللفظ لأورد الأبيات وغيرها مما استشهد به في موضعه – من طريق البرهنة والتدليل المشوبة بالإِشادة والإِعجاب كما صنع أبو هلال العسكري وهو يحاول إقناعنا بسلامة موقفه المنتصر للألفاظ[8]، ولو كان ينتصر للمعنى ويهتم به أكثر من اللفظ – كما يرى محمد مصطفى هدارة[9] – لاجتهد في أن يكشف للأبيات عن معنى لائق بحلاوة ألفاظها من ناحية، ويعزز به موقفه من ناحية أخرى، كما فعل ابن جني في استحلاب معانٍ للأبيات يدعم بها قوله بأهمية المعنى وأحقيته بخدمة اللفظ له. لهذا وذاك فإني مطمئن إلى القول بتسوية ابن قتيبة بين اللفظ والمعنى، ولا فيما يذهب إليه من أنه (ابن قتيبة) ((يريد أن يجعل بين اللفظ والمعنى علاقة قوية وارتباطاً وثيقاً لخلق العمل الفني الجميل))[10]، فلم تظهر لنا هذه الإِرادة أو العلاقة القوية التي أراد ابن قتيبة أن يجعلها بين اللفظ والمعنى، لم تظهر لا في أقسام الشعر عنده ولا في طبيعة تعليقه على الأشعار التي استشهد بها. وإذا نظرنا فيما يدعم به هدارة رأيه بأنّ ابن قتيبة يهتم بالمعنى أكثر من اهتمامه باللفظ وجدناه يقول: "ودليلنا على اهتمام ابن قتيبة بالمعنى أكثر من اهتمامه باللفظ أنه يجعل من المسلمات ضرورة حمل البيت لمعنى من المعاني"[11].

لكني لا أعتقد أن التسليم بضرورة حمل الشعر معنىً ما يعني التسليم بأهمية المعنى مقابل اللفظ؛ فالشعر لابد أن يحمل معنى في إطار الدائرة الواسعة والشمولية التي ترسمها للمعنى الشعري سواء كان هذا المعنى جيداً أم مقارباً، واضحاً أم غامضاً، وإلا عُد كلاماً فارغاً بله أن يكون شعراً. وما يبدو هو أن قضية اللفظ والمعنى واختلافهم حولها لم تنطلق من هذا المفهوم، وإنما من تساؤل عن مدار بلاغة القول، وعن سر ما يعجبهم ويسحرهم ويطربهم منه، أهو الألفاظ ؟ أم المعاني ؟ فمن هذا التساؤل عن سر جمال المبدَع شعراً كان أم نثراً انطلقوا مفكرين مختلفين فبعض يرى أنه في الألفاظ وجمالها وحلاوتها، وبعض يرى أنه في المعنى بشرفه وصحته وإصابته إلى أن جاء عبدالقاهر الجرجاني فحسم القضية بنظرية النظم التي جعلت من عنصري المعنى واللفظ كلاً متكاملاً ومتلاحماً هو الذي جعل بين اللفظ والمعنى علاقة قوية وارتباطاً وثيقاً لخلق العمل الفني الجميل.
أما أخرى القضيتين التي أراني مضطراً للوقوف عندها فهي المعنى نفسه: هويته، ومفهومه عند ابن قتيبة صحيح أن الرجل لم ينته – بشكل واضح ومحدد – إلى مفهوم للمعنى الشعري سواء بالتحليل أو التنظير، ولكنا نستطيع أن نستبين ما يدور حوله هذا المفهوم من خلال طبيعة الأبيات التي استشهد بها على أقسام الشعر التي قسمه إليها وخاصة قسم ((ما حسن لفظه وجاد معناه)) وقسم ((ما جاد معناه وقصرت ألفاظه)) فللقسم الأول استشهد بهذه الأبيات[12].
في  كفه  خيزران  ريحه   عبق        من كف أروع في عرنينه  شمم
يُغضِي حياء ويُغضَى من مهابته        فما  يكلم   إلا   حين   يبتسم
ثم علق بقوله: ((لم يُقَل في الهيبة شي أحسن منه)).
وقول أوس بن حجر:
أيتها النفس أجملي جزعاً        إن الذي تحذرين قد وقعا
ثم يعلق عليه بقوله: ((لم يبتدئ أحد مرثية بأحسن من هذا)).
وقول أبي ذؤيب:
والنفس راغبة إذا رغبتها        وإذا تُرد إلى  قليل  تقنع
ثم يعلق قائلاً: ((حدثني الرياشي عن الأصمعي، قال: هذا أبدع بيت قاله العرب)).
وقول حميد بن ثور:
أرى بصري قد رابني بعد صحة        وحسبك داءً أن تصح  وتسلما
ويعلق: ((ولم يُقل في الكِبرَ شيء أحسن منه)).
وأخيراً بقول النابغة:
كليني لِهمٍّ  يا  أميمة  ناصب        وليلٍ أقاسيه بطيء الكواكب
ثم يعلق عليه بقوله: ((لم يبتدئ أحد من المتقدمين بأحسن منه ولا أغرب)).
أما للقسم الآخر ((ما جاد معناه وقصُرت ألفاظه)) فقد استشهد بقول لبيد بن ربيعة)).
ما عاتب المرءَ الكريم كنفسه        والمرء يصلحه الجليس الصالح
ثم يعلق بقوله: ((هذا وإن كان جيد المعنى والسبك، فإنه قليل الماء والرونق)).
ويقول النابغة للنعمان:
خطاطيف حجنٌ في حبال متينة        تُمد   بها   أيد   إليك    نوازع
ثم يعقب أو يعلق قائلاً: ((قال أبو محمد – يعني نفسه -: رأيت علماءنا يستجيدون معناه، ولست أرى ألفاظه جياداً ولا مبينة لمعناه لأنه أراد: أنت في قدرتك على كخطاطيف عقُف يُمدُّ بها، وأنا كدلو تُمد بتلك الخطاطيف، وعلى أني أيضاً لست أرى المعنى جيداً)).
وأخيراً يستشهد بقول الفرزدق:
والشيب ينهض في الشباب كأنه        ليل     يصيح     بجانبيه     نهار
هذه وتلك كانت شواهد أبي محمد. وقد نقلناها هي وتعليقاته عليها لنبين أنه لم يضع أيدينا من خلال هذه التعليقات على مفهوم واضح تماماً للمعنى في الشعر، لكنا نستطيع من طبيعة هذه الشواهد نفسها أن نستدل على دائرة هذا المفهوم عنده، بل على موقفه من المعنى والكيفية أو الدرجة التي ينبغي أن يبرز الشاعر هذا المعنى عليها، فمن طبيعة هذه الشواهد يبدو أن ابن قتيبة في مفهومه أو تأطيره للمعنى الشعري لا يذهب بعيداً عن حدود الخبر، والفكرة، والمعلومة أيضاً كانت هويتها، والحكمة، والموعظة، والقيمة الخُلقية، والمعنى المشترك المتداول ذي المنحى أو المغزى الاجتماعي، وإذا كان هذا هو ما تدلنا عليه أو على بعضه شواهد الشعر التي أوردها، فإنه أو نحوه هو ما يراه عدد من الدارسين المعاصرين[13]، وهو ما اتفق معهم عليه بعد استقرائي شواهد ابن قتيبة الشعرية، بل إنه ذكر هذا في مقدمته قائلاً: "وكان حق هذا الكتاب أن أودعه الأخبار عن جلالة قدر الشعر وعظيم خطره، وعمن رفعه الله بالمديح، وعمن وضعه بالهجاء وعما أودعته العرب من الأخبار النافعة، والأنساب الصحاح، والحكم المضارعة لحكم الفلاسفة، والعلوم في الخيل، والنجوم وأنوائها والاهتداء بها، والرياح وما كان منها مبشراً أو جائلاً، والبروق وما كان منها خُلَّباً أو صادقاً، والسحاب وما كان منه جهاماً أو ماطراً، وعما يبعث منه البخيلَ على السماح، والجبانَ على اللقاء، والدني على السمو"[14].
فمقياس جودة المعنى الشعري – إذاً – عنده. هو أن يكون الشعر مفيداً أي أن يحمل معلومة ما في التاريخ أو الأنساب أو الأخلاق أو النجوم والأرصاد الجوية ونحوه، غير أننا نضيف شيئاً آخر يبدو أنه يدخل في إطار مفهوم ابن قتيبة للمعنى وهو تطلبه الوضوح في المعنى الشعري بدليل ما انتقاه من أمثلة وشواهد شعرية تدل على أنه يريد أن يضع يده على معنى واضح يتأثر ويسترشد ويتعظ به ويستفيد من حكميَّته. لابد من وضوح الفكرة في النص الشعري إلى درجة التجسد في حكمة تجريبية أو في معنى ذي منحى خلقي أو اجتماعي وإلا خلا معناه من الفائدة عند ابن قتيبة مثل شواهد أوردها في أحد أقسام الشعر التي قسمه إليها وهو ما ((حسن لفظه وحلا، فإذا أنت فتشته لم تجد هناك فائدة في المعنى)) مثل أبيات ((ولما قضينا.....)) نفسها، فهي أبيات إيحائية أكثر منها تقريرية تسجل معنى مفيداً. ومثل قول المعلوط[15]:
إن الذين غدو  بلبك  غادروا        وشلاً  بعينك  ما  يزال   معيناً
غَيَّضن من  عبراتهن  وقُلْنَ  لي        ماذا لقيتَ من الهوى ولقينا ؟!
فالشطر الأخير من البيت الثاني وبتساؤله الواسع الفضفاض يُخفي الكثير من المعاني، ولكن ابن قتيبة يريدها ليس بينه وبينها حجاب. ثم مثل قول جرير[16]:
يا أخت ناجية  السلام  عليكم        قبل الرحيل  وقبل  يوم  العُدَّلِ
لو كنت أعلم أنّ آخر عهدكم        يوم الرحيل  فعلت  مالم  أفعل
فقوله ((فعلت مالم أفعل)) تعبير موحٍ يتحرش بالمتلقي كما هو محرض على التأمل ومحرك للفكر باحتمالاته الدلالية المتعددة، ولكن ابن قتيبة – كما قلنا – ينحو إلى الوضوح بكل ألوانه كأنما بيِّنة ظاهرة يُصدر في ضوئها حكمه، ومما يعزز ما ذهبتُ إليه تعليق له على أحد الأبيات الشواهد، وهو قول النابغة:
خطاطيف حجنٌ في حبال متينة        تَمُدّ   بها   أيدٍ   إليك    نوازع
فقد علق بقوله: ((رأيت علماءنا يستجيدون معناه، ولست أرى ألفاظه جياداً ولا مبينة لمعناه، لأنه أراد: أنت في قدرتك على كخطاطيف عقف يُمد بها، وأنا كدلو تمد بتلك الخطاطيف))[17].
فهو يرى المعنى غامضاً عجزتْ ألفاظه عن أن توضح معناه، ولهذا فهي – عنده – ليست جياداً.
اتضح الآن مفهوم المعنى الشعري عند ابن قتيبة، وكيف كان يتوجه به، غير أن هذا المفهوم وهذا التوجه ضيَّقا من دائرة المعنى الشعري؛ فقد حُصر في مجالات لا تنسجم – مُوَصَّلةً بطريقة ابن قتيبة – وطريقة في الخطاب متميزة. لقد أخرج هذا التضييق وهذا الحصر من مفهوم المعنى الشعري ما يمكن أن نسميه بالتعبيرية والتصويرية أي التعبير الموحي عن الشاعر، والتصوير – وإن كان خاطفاً رامزاً – للحس والوجدان بما يمكن أن يُحس ويُتذوق فقط لا أن يُمعنى (بضم الياء) ولا نقصد بهذه العبارة ((لا أن يُمعنى)) استحالة شرح النص واستخراج معناه، وإنما نقصد أن الإِصرار على تضمنه أو تضمينه معاني أو أفكاراً لا مشاعر أو إحساسات يعني تفريغه من شعريته، لذلك كله بدت نظرة ابن قتيبة إلى الأبيات نظرة ضيقة لا تتسع للأبعاد النفسية في النص، ولا لاستشرافه واستحلاب تعبيراته الإِيحائية، وهي توجهات تثري النقد وتعين الناقد، لكن ابن قتيبة لايبدو مقتنعاً بهذه التوجيهات أو مدركاً لها لا في النقد ولا في الشعر، ولهذا كان نفيه للأبيات من الدائرة التي رسمها للمعنى المفيد. ونقول المفيد لأن أبا محمد لا ينكر أن هذه الأبيات تحمل معنى، ولكنه معنى لا فائدة ((ملموسة)) فيه. ويبدو أن ابن قتيبة هو ممن يرون الشعر للفائدة والمتعة معاً، ولا يقبل لهاتين أن تنفصلا أو تتخلف إحداهما عن الأخرى. لقد امتدح أبو محمد حلاوة ألفاظ هذه الأبيات وحسنها وحسن صياغتها ولكن هل استمتع بها؟ ربما، ولكن ما نرجحه هو أن عدم إدراكه لمعنى مفيد ونافع فيها قد قلل من استمتاعه بما كان أشاد به فيها من ألفاظ حلوة وصياغة حسنة. ولقد قلت من قبل؛ إن تعمد تحويل النص الشعري إلى معان أو أفكار فقط يعني تفريغه من شعريته، وإذا فرغ الشعر من الشعر خلت القلوب والأنفس والأخيلة من أي استمتاع به. وابن قتيبة قد أفسد على نفسه اكتمال المتعة بهذه الأبيات مرتين: مرة حين ألحّ على طلب فكرة أو معنى متجسد وراءها، ومرة أخرى حين سطح معانيها تماماً بهذا اللون من الشرح أو النثر الذي لا رواء فيه ولا ضياء، أو ((بهذه العبارات المنطفئة)) كما يقول وليد قصاب[18]. ولو كان ((كُثير)) يريد أن يقول كما نثر ابن قتيبة تماماً فما حاجته إلى أن يقوله شعراً؟ كُثيِّر أراد أن يُعبر، أراد أن يقول شعراً لا كلاماً، أراد أن يوصل مشاعر لا أفكاراً وأراد أن يمتع سواء صحب هذه المتعة منفعة حكمية أم لا، ثم إنه في المتعة الفنية فائدة ومنفعة بشكل ما. وما دمنا في مجال الحديث عن فائدة الشعر ومعناه فإننا نعتقد أن ابن عبد ربه في تمثيله للشعر عديم المعنى والفائدة يقول القائل[19]:
الليل   ليل،   والنهار    نهار        والأرض فيها الماء والأشجار
كان موفقاً في محاولته أكثر مما فعل ابن قتيبة، ومع هذا فإننا نتحفظ تجاه حكم ابن عبد ربه لأنه ربما كان هذا البيت منزوعاً من أبيات أخرى تضفي عليه بسياقها معنى ذا فائدة.
وقبل أن أصل بالحديث عن رؤية ابن قتيبة تجاه ((ولما قضينا)) إلى نهايته أحب أن أسجل أن رؤيته إلى الأبيات تبدو مختلفة مع موقفين له أحدهما نظري والآخر تطبيقي. أما النظري فهو ما ذكره في مقدمة (الشعر والشعراء) من أن من الشعر ما يبعث البخيل على السماح، والجبان على اللقاء، والدنيَّ على السمو، وما نفهمه من هذا هو أن للشعر قيمة أو وظيفة أخرى غير الفائدة وهي التأثير مالم يكن ابن قتيبة أراد من قوله هذا أن الشعر يحفز إلى القيم والمعاني الأخلاقية بوجه خاص مثل الكرم والشجاعة والنبل ولم يرد التأثير بمفهومه الشامل. أما التطبيقي فهو تضمين شواهده الشعرية أبياتاً تقوم على الصورة مثل قول الفرزدق:
والليل ينهض في الشباب كأنه        ليل    يصيح    بجانبيه    نهار
ومثل قول النابغة:
كِليني لِهَمٍّ  يا  أميمة  ناصب        وليلٍ أقاسيه بطيء الكواكب
بل إن استشهاده ببيت النابغة هذا ونعته بالأحسن والأغرب يكاد يشير إلى أن الصورة المحشوة بالانفعالات النفسية، أي تداخل الواقع النفسي واتحاده مع الواقع الخارجي – هي من أجَل المعاني الشعرية عنده. وعلى هذا هل نعود فنقول إن مقياس جودة المعنى الشعري عند ابن قتيبة ليس أن يكون الشعر مفيداً فحسب وإنما أن يكون مفيداً بما فيه من حكمة أو معلومة أو معنى أخلاقي، أو مؤثراً بما فيه من صور فنية أو تصوير للمشاعر ؟ ولكن أبيات كُثير تنهض على التصوير الفني والتصوير الشعوري معاً ولم تعجب ابن قتيبة معنوياً، فلماذا ؟ والجواب هو – مرة أخرى – أن أبا محمد يطلب الفكرة والمعنى الواضحين المتجسدين سواء بالتقرير أو بالصورة. في بيت الفرزدق تبرز فكرة الكبر واضحة ومجسدة، وفي بيت النابغة تبرز فكرة الهَمِّ المؤرق. أما أبيات كثير فإنها لا توضح أو تجسد فكرة أو معنى محددين وإنما هي إيحائية مؤثرة ولكن نفسياً. ولهذا خلت في رأي ابن قتيبة من أي معنى مفيد.
(2) وابن طباطبا (ت322هـ) له – أيضاً – رؤية نقدية تجاه أبيات كُثير هذه، غير أن هذه الرؤية – وإن كان فيها شيء من التميز – لا تخرج عن إطار رؤية ابن قتيبة. ذلك لأن ابن طباطبا قسم الشعر كما قسمه ابن قتيبة، ثم صنف هذه الأبيات في قسم يقابل القسم الذي صنفها ابن قتيبة فيه، وهو ((الشعر الحسن اللفظ الواهي المعنى)) يقول ابن طباطبا تحت هذا القسم: "ومن الأبيات الحسنة الألفاظ المستعذبة الرائقة سماعاً، الواهية تحصيلاً ومعنى، وإنما يستحسن منها اتفاق الحالات التي وضعت فيها، وتذكُّر اللذات بمعانيها، والعبارة عما كان في الضمير منها، وحكايات ما جرى من حقائقها دون نسج الشعر وجودته، وإحكام رصفه وإتقان معناه".
ثم شرع في سرد الأبيات الشواهد على ما قال ومنها الأبيات الثلاثة المشهورة[20]:
ولما  قضينا  من  منى   كل   حاجة        ومسَّح  بالأركان  من  هو   ماسحُ
وشُدّت على حُدب المهاري رحالنا        ولم ينظر  الغادي  الذي  هو  رائح
أخذنا   بأطراف   الأحاديث   بيننا        وسالت   بأعناق   المطي   الأباطح
وعلى هذا فابن طباطبا معجب بهذه الأبيات من حيث هي حسنة الألفاظ مستعذبة رائقة، لكن إعجابه لا يستمر ليشمل المعنى لأنه في رأيه واهٍ يفتقر إلى قوة الفائدة والمنفعة. ومن هنا حكمت على رؤيته النقدية لهذه الأبيات بأنها لا تخرج عن إطار رؤية سلفه ابن قتيبة، ولا أتفق مع محمد زغلول سلام فيما ذهب إليه من أن ابن طباطبا رفض ما ادعاه ابن قتيبة من أن قول الشاعر ((ولما قضينا...)) من الشعر الحسن اللفظ الواهي المعنى[21]؛ ذلك لأن ابن طباطبا حين أورد بعض الشواهد تحت قسم ((الشعر الحسن اللفظ الواهي المعنى)) علق عليها قائلاً: ((فالمستحسن من هذه الأبيات حقائق معانيها الواقعة لأصحابها الواصفين لها دون صنعة الشعر وأحكامه))[22].
وحين أورد أبيات كثير علق عليها قائلاً: ((هذا الشعر هو استشعار قائله لفرحة قفوله إلى بلده وسروره بالحاجة التي وصفها... فهو معنى مستوفى على قدر مراد الشاعر))[23].
فظاهر أن التعليقين ذوا اتجاه واحد بعبارتين مختلفتين. ومن هنا القول بأنه يُدخِل ((ولما قضينا...)) تحت قسم ((الشعر الحسن اللفظ الواهي المعنى))، ولعل الدكتور محمد زغلول سلام بما ذهب إليه قد ظن أن ابن طباطبا – عندما قال: ((فأما قول القائل)) ثم أورد أبيات ((ولما قضينا)) وعلق عليها – أراد استثناء ما سيورده من حكمه السابق، لكن هذا لايبدو لنا استثناء، وإنما هو نقلة أراد منها توضيح غرض الأبيات ومعناها. مرة أخرى نعود إلى القول بأن ابن طباطبا لم يبتعد عن ابن قتيبة في رؤيته إلى الأبيات فقد فصل بين المعنى واللفظ، وفهم المعنى على نحو يتوخى به الحصول على شيء متجسد وملموس لمحتوى الشعر، ثم إنه تردد في توسيع دائرة المعنى الشعري لتشمل أكثر من الوعظية والأخلاقية والمعاني المشتركة المتداولة التي تشي بتجربة يسترشد بها سامعها. يقول في كتابه (عيار الشعر): "فمن الأشعار أشعار مُحكمة متقنة أنيقة الألفاظ حكيمة المعاني"[24].
ويقول أيضاً: "وللأشعار الحسنة على اختلافها مواقع لطيفة عند الفهم لا تحد كيفيتها... فهي تلائمه إذا وردت عليه – أعني الأشعار الحسنة للفهم – فيلتذها ويقبلها، ويرتشفها كارتشاف الصديان للبارد الزلال؛ لأن الحكمة غذاء الروح"[25].
فنصه على الحكمة في هذين الاستشهادين يُظهر شيئاً مما يتوجه بالمعاني الشعرية نحوه، ثم إنه عقد فصلاً خاصاً عن ((المثل الأخلاقية عند العرب وبناء المدح والهجاء عليها)) قال فيه: "وأما ما وجدته في أخلاقها وتمدحت به ومدحت به سواها، وذمت من كان على ضد حاله فيه فخلال مشهورة كثيرة"[26].
ثم أورد كثيراً من هذه الخلال مثل السخاء والشجاعة والحلم والحزم، والعزم، والوفاء، والأمانة، والقناعة. فواضح أن هذه قيم أخلاقية، وواضح أيضاً أنه يرمي إلى أن تكون هذه القيم مستودعاً أو ينبوعاً أصيلاً للمعاني الشعرية. هذا هو بعض ما يسعف به تنظير ابن طباطبا برهاناً على مفهومه للمعنى الشعري، فإذا التفتنا إلى التطبيق رأينا أن طبيعة الشواهد أو الأبيات التي ساقها تقف هي الأخرى برهاناً، وسنكتفي منها ببعض ما جاء تحت قسم ((الشعر الحسن اللفظ الواهي المعنى)) وقسم ((الشعر الصحيح المعنى الرث الصياغة)) فمن شواهد القسم الأول قول جميل[27]:
عشية قالت في العتاب قتلتني        وقتلي بما قالت هناك تحاول
وقول جرير:
إن الذين غدوا بلبك  غادروا        وشلا  بعينك  لا  يزال   معيناً
غيضن من  عبراتهن  وقلن  لي        ماذا لقيت من الهوى ولقينا !؟
هذا إلى جانب أبيات (ولما قضينا من منى كل حاجة...) فأجواء هذه الشواهد ومساراتها النفسية، وطبيعتها – كما سبق القول – لا تجسد منها فكرة واعظة أو حكمة مرشدة أو قيمة أخلاقية قَر عليها العرف، لهذا سارع ابن طباطبا بالحكم عليها بضعف المعنى وإن كانت حسنة الألفاظ جميلة الصياغة.
ومن شواهد القسم الثاني قول أحدهم[28]:
نُراع   إذا   الجنائز    قابلتنا        ونسكن حين تمضي ذاهبات
كروعة   ثلةٍ   لمغار    ذئب        فلما  غاب  عادت  راتعات
وقول الآخر:
وما المرء إلا كالشهاب وضوؤه        يحور رماداً بعد إذ  هو  ساطعُ
وما المال والأهلون  إلا  وديعة        ولابد  يوماً  أن   ترد   الودائع
ثم اقرأ هذه الأبيات من شواهده أيضاً:
من  يَلُم   الدهر   ألا        فالدهر   غير    مُعتبهْ
أو   يتعجب    لصرو        ف  الدهر  أو   تقلبه
ومن يصاحب صاحباً        ينسب إلى  مصطحبه
بزائنات         رشده        أو    شائنات     ريبه
وربما   غرَّ   صحيحاً        جَرِبٌ            بحربه
تعرف ما حال  الفتى        في    لبسه    ومركبه
وفي           شمأزيزته        عنك    وفي     توثَبه
عليك    أو    إصغائه        إليك      أو      تحببه
والمرء    قد    يدركه        يوماً   خمول   منصبه
فطبيعة هذه الأبيات كما هو واضح طبيعة حكْمية بل إن بعضها تقريري عادي الصياغة رثُّها، ولكن هذه الحكمية جعلتها راقية المعنى عنده وإن هبطت أسلوباً، أو كما قال هو مقدماً لتلك الشواهد: ((ومن الحكم العجيبة والمعاني الصحيحة الرثة الكسوة)) لاحظ قوله: ((ومن الحكم العجيبة)).
ورغم وصم ابن طباطبا لأبيات: ((ولما قضينا....)) بضعف المعنى، إلا أن ظننا الغالب هو احتفاظه لها بشيء من الشعرية لا ((مما يحسب على الشعر وليس بشعر)) نَسْتَبين هذا من قوله: "والشعر هو ما إن عري من معنى بديع لم يعر من حسن الديباجة. وما خالف هذا فليس بشعر"[29].
فكان الشعر الجدير بهذه التسمية عنده هو ما جاء بديعاً قوياً مفيداً في معناه جميلاً في صياغته، أو جميلاً في صياغته على الأقل مثل أبيات كثير هذه في رأيه، هذا إذا جارينا ابن طباطبا وابن قتيبة قبله وآخرين بعدهما، ولكننا هنا نقف مع ابن طباطبا نفسه عند تعليق منه على هذه الأبيات، فهو في هذا التعليق يبدي رؤية نقدية جيدة حين لم يشرح الأبيات وينثرها نثراً يفتقر إلى روح الفن ونبضه كما فعل ابن قتيبة، وإنما اخترق بعض طبقاتها بتأويلها أو تفسيرها تفسيراً كشف عن شيء من أبعادها الشعورية والتصويرية حين قال: "هذا الشعر هو استشعار قائله لفرحة قفوله إلى بلده وسروره بالحاجة التي وصفها من قضاء حجه وأنسه برفقائه ومحادثتهم، ووصفه سيل الأباطح بأعناق المطي كما تسيل بالمياه. فهو معنى مستوفى على قدر مراد الشاعر"[30].

فابن طباطبا بهذا التعليق أو التفسير انتبه إلى حالات وأوضاع نفسية كانت وراء الأبيات منها حالة التوتر النفسي بسبب الاغتراب عن الوطن والحنين إليه ثم زوال هذا التوتر أو خفة حدته بفرحة العودة، ومنها الانتشاء الروحي بقضاء واجب ديني، ومنها الأنس بالرفاق وأخذه معهم بأطراف الحديث. والغريب أن ما انتبه إليه ابن طباطبا هو كله معانٍ حقها ألا توصف بالضعف إلا أن يكون قد نظر إليها على أنها تجارب نفسية شخصية وليس عليها للحكمة أو العرف أو القيم الأخلاقية بصمات واضحة كما سنذكر بعد قليل. مع هذا فمن حق ابن طباطبا أن نسجل له هذه الرؤية النقدية التي تدرك وظيفة الشعر في التعبير عن المشاعر ورسم المواقف النفسية، كما نسجل له – أيضاً – عبارة واضحة في هذا الاتجاه قالها أثناء حديثه عن ((الشعر الحسن اللفظ الواهي المعنى)) وهي قوله: "ومن الأبيات الحسنة الألفاظ المستعذبة الرائقة سماعاً، الواهية تحصيلاً ومعنى، وإنما يستحسن منها اتفاق الحالات التي وضعت فيها وتذكر اللذات بمعانيها، والعبارة عما كان في الضمير منها"[31].
فالعبارات الثلاث الأخيرة ((وإنما يستحسن الخ...)) في سياقها لا تترك مجالاً للشك في أن ابن طباطبا يستجيد الأشعار التي تلامس وتراً ما في نفس المتلقي فيتفاعل معها لما يجده فيها من تعبير عن تجربة أو موقف أو إثارة لذكرى. وهاتان وظيفتان من وظائف الشعر، ومما يُفسَّر به تفاعل المتلقى مع الأثر الأدبي كما يقول شكري فيصل في معرض إعجابه بعبارة ابن طباطبا السابقة: "وهي – يقصد عبارة ابن طباطبا – عبارة نقدية دقيقة من أدق ما يقع عليه الإِنسان في النقد القديم في تفسير التفاعل مع الأثر الأدبي"[32].
والحق أن المضمون النقدي النظري لعبارة ابن طباطبا تلك جدير بالتقدير، ولكنا نتساءل: طالما أنه يستحسن هذا في الشعر، وأن أبيات: ((ولما قضينا)) كما فسرها هو هي تعبير عن مواقف نفسية وتجارب إنسانيه، فكيف تهيأ له وصم معناها بالضعف؟! وما يبدو هو إما أن ابن طباطبا وقع في تناقض دون أن يدري، وإما أن الأمر ببساطة هو ما انتهيت إليه من أنه يفضل – قبل كل شيء – المعاني الشعرية في إطار من الحكمة والقيم الأخلاقية ونحوها، وهو ما أرجحه خاصة وأنه لم يستسغ صياغات جميلة معينة لا لشيء إلا لكونها وضعت إطاراً لمشاعر نفسية شخصية؛ ففي رأيه أن هذه الصياغات قد ابتذلت على مالا يشاكله من المعاني))[33] ثم أورد أمثلة منها قول كثير[34]:
فقلت  لها  يا  عَزّ  كل  مصيبة        إذا وطنت يوماً لها النفس ذلَّت
ثم علق عليه بقوله: ((قد قالت العلماء لو أن كثيراً جعل هذا البيت في وصف حرب لكان أشعر الناس))..
وقول كثير أيضاً:
أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة        إلينا  ولا  مقلية   إن   تقلَّت
ثم علق عليه بقوله: ((قالت العلماء لو قال هذا البيت في وصف الدنيا لكان أشعر الناس)).
3- ثم نلتقي مع قدامة بن جعفر (ت337هـ) بوصفه واحداً من النقاد الذين تعرضوا لأبيات كثير. وما هو واضح أن ابن جعفر يمتدح ألفاظ هذه الأبيات بالسماحة، وسهولة مخارج الحروف، ويأن عليها رونق الفصاحة مع الخلو من البشاعة. وما هو واضح أيضاً أنه لم يصنف هذه الأبيات تحت قسم: حلاوة اللفظ وضعف المعنى أو عدم فائدته كما فعل سابقاه (ابن قتيبة وابن طباطبا) وإنما ساقها تحت فصل ((نعت اللفظ)) فقط وهذا قد حيرنا قليلاً، لكننا إذا قرأنا كلامه عن نعت اللفظ ((أن يكون سمحاً، سهل مخارج الحروف من مواضعها، عليه رونق الفصاحة، مع الخلو من البشاعة، مثل أشعار يؤخذ فيها ذلك وإن خلت من سائر النعوت للشعر))[35]. بدت حيرتنا تتبدد فآخر كلامه يدل على أنه أراد أن كل ما مثل به في هذا الفصل ومنه أبيات كثير[36] يخلو من سائر نعوت الشعر ما عدا نعت اللفظ. قدامة إذَنْ جرد الأبيات من كل الخصائص إلا جمال اللفظ وحلاوة الوقع. وعلى هذا، فهو يلتقي في موقفه تجاه هذه الأبيات مع سلفيه ابن قتيبة وابن طباطبا، غير أننا نود مناقشة قدامة في تناقض يبدو لنا أنه وقع فيه حين طرح تنظيراً يبدو أنه لا يتفق مع موقفه من أبيات كثير. يقول في تنظيره هذا: "ومما يجب تقدمته وتوطيده قبل ما أريد أن أتكلم فيه أن المعاني كلها معرضة للشاعر، وله أن يتكلم منها في ما أحب وآثر، من غير أن يُحظر عليه معنى يروم الكلام فيه، إذ كانت المعاني للشعر بمنزلة المادة الموضوعة، والشعر فيها كالصورة، كما يوجد في كل صناعة، من أنه لابد فيها من شيء موضوع يقبل تأثير الصور منها، مثل الخشب للنجارة، والفضة للصياغة، وعلى الشاعر إذا شرع في أي معنى – كان – من الرفعة والضعة، والرفتْ والنزاهة، والبذخ والقناعة، والمدح وغير ذلك من المعاني الحميدة أو الذميمة، أن يتوخى البلوغ من التجويد في ذلك إلى الغاية المطلوبة"[37].

فابن جعفر هنا يرى أن المعاني كلها معرضة للشاعر أو هو معرض لها. له الحرية كاملة في أن يتناول منها ما يحب دون أن يُحظر عليه منها شيء. وهنا نتساءل: ناقد يذهب في حرية الشاعر مع معانيه – سواء كانت رفيعة أو ضعيفة، حميدة أو ذميمة – إلى هذا الحد أحرى أن يقف من أبيات كُثيِّر موقفاً ينسجم مع مذهبه، لأن كثيراً عبر عن معنى – مهما يكن نوع هذا المعنى على حسب مفهوم قدامة نفسه. فأجاد، أي أنه حقق الشرط الذي اشترطه قدامة في توصيل المعنى ((وعلى الشاعر إذا شرع في أي معنى.. أن يتوخى البلوغ من التجويد في ذلك إلى الغاية المطلوبة))[38] من هذه الزاوية نرى أن قدامة وقع في شيء من التناقض لا يخرجه منه إلا كون هذه الأبيات تعبر عن مشاعر وتجارب نفسية أقرب إلى الذاتية وأن قدامة – مثل بعضهم – لا يعد هذه ضمن المعاني الشعرية، بقي أن نذكر أن موقف قدامة من أبيات كُثير كان أقل دقة وتحديداً من موقف ابن قتيبة وابن طباطبا حين حكم عليها بأنها خلت من سائر النعوت للشعر باستثناء نعت اللفظ دون أن يوضح هذه النعوت التي خلت منها هذه الأبيات، ويحدد كيفية خلوها منها ولو بإضاءات نقدية بسيطة نستطيع في سناها تحسس الطريق إلى مناقشته والتحاور معه. إنَّ نقد قدامة لأبيات كُثير نقد تعميمي وغير منطقي رغم طغيان المنطق على رؤيته النقدية في كتابه ((نقد الشعر)) ونحن لا نتفق معه في أن الأبيات تخلو من كل نعوت الشعر سوى اللفظ، ولكنها التعميمية في النقد، هذه الجناية التي كثيراً ما عانى منها الشعر والشعراء..
(4) ربما لا يبدو أبو هلال العسكري (ت395هـ) – وهو ممن تناول أبيات كثير – ذا نظرة نقدية متميزة وأصيلة تجاه الأبيات إذ إن نظرته – للوهلة الأولى – لا تخرج عن أفق رؤية سابقيه الذين تحدثنا عنهم. فهو معجب بالأبيات من حيث حلاوة لفظها وعذوبته، ومن حيث سلاستها وسهولتها، أما معناها فوسط. وليس تحت ألفاظها كبير معنى[39]، لكننا محتاجون إلى التفصيل لجلاء المسألة من ناحية، ولوضوح موقف أبي هلال من قضية اللفظ والمعنى من ناحية أخرى، ثم لأن رؤيته لأبيات ((ولما قضينا...)) مرتبطة بشكل واضح وصريح بموقفه هذا.
موقف العسكري من قضية اللفظ والمعنى هو انتصاره الواضح للفظ ((وليس الشأن في إيراد المعنى، لأن المعاني يعرفها العربي والعجمي والقروي والبدوي، وإنما هو في جودة اللفظ وصفائه، وحُسنه وبهائه، ونزاهته ونقائه،. وكثرة طلاوته ومائه، مع صحة السبك والتركيب، والخلو من أود النظم والتأليف. وليس يطلب من المعنى إلا أن يكون صواباً))[40] وواضح أنه يكرر قول الجاحظ: ((والمعاني مطروحة في الطريق... الخ))[41]، ولكنْ ما هو مفهوم أبي هلال للفظ الذي ينتصر له ؟ وما هو مفهومه للمعنى الذي يؤخره ؟ يبدو أن العسكري لا يقف بمفهوم اللفظ عند الألفاظ في ذاتها مجردة، لقد ابتعد به وتوسع فيه إلى حد يَدخُل فيه نحو من الصياغة والتركيب، أو كما قال: ((مع صحة السبك والتركيب، والخلو من أود النظم والتأليف))[42]، كما يدخل فيه إحكام الصنعة، وجودة المطالع، وحسن المقاطع، وبديع المبادئ وغريب المباني، ولعله بهذا ممن مهدوا – بشكل ما – لتبلور نظرية النظم عند عبدالقاهر الجاجاني. أما المعنى فقد أورد له نعوتاً مثل الصواب، والبعد عن المحال[43]، وعن الاستكراه والسخف[44]، ومع أن هذه أوصاف يصعب الاتفاق على وضع مقاييس لها، كما يصعب معرفة مفهومه الدقيق لها، فسنقف بعض الوقت عند أول النعوت وهو الصواب خاصة وقد ألح عليه في أكثر من مكان مثل قوله: "وليس بطلب من المعنى إلا أن يكون صواباً"[45].
وقوله: "فيحتاج صاحب البلاغة إلى إصابة المعنى كحاجته إلى تحسين اللفظ، إن المدار بعد على إصابة المعنى"[46].
خاصة وقد قرنه – كما نلاحظ في الاستشهاد الأخير – بتحسين اللفظ كأنهما الوجهان المختلفان لعملية الإِبداع الواحدة. ووقوفنا يتحدد عند فصل خصصه أبو هلال للتنبيه على خطأ المعاني وصوابها بإيراد أبيات بَيَنْ خطأها وصوابها من وجهة نظره مثل قول امرئ القيس:
أغرك  مني  أن   حبك   قاتلي        وأنك مهما تأمري القلب يفعل
فهو في رأيه خطأ، وعلق عليه بقوله: ((وإذا لم يغررها هذه الحال فما الذي يغرها؟!))[47].
فللسوط    ألهوب    وللساق    درة        وللزجر منه وقع أخرج مُهذِبِ[48]
وقد علق عليه قائلاً: ((فلو وصف أخس حمار وأضعفه ما زاد على ذلك. والجيد قوله))[49].
على سابح يعطيك قبل سؤاله        أفانين جريٍ غير كزولا  واني
ومثل قول كُثير في المدح:
وإن  أمير   المؤمنين   برفقه        غزا كامنات الود مني فنالها
وعلق بقوله: ((فجعل أمير المؤمنين يتودد إليه... وإنما تُمدح الملوك بمثل))[50]:
فإنك كالليل الذي  هو  مدركي        وإن خلت أن المنتآي عنك واسع
ومثل قول المرّار:
وخال على  خديك  يبدو  كأنه        سنا البدر في دعجاء بادٍ دجونها
فقد عاب معنى هذا البيت لمخالفته العرف والعادة، إذ ((المعروف – كما يقول – أن الخيلان سود أو سمر والخدود الحسان إنما هي البيض، أفتى هذا الشاعر بقلب المعنى))[51].
ومثل قول الكميت[52]:
كأن   الغُطامط   في    غيها        أراجيز  أسلم  تهجو   غفارا
إذا   ما    الهجارس    غنينها        تجاوين بالفلوات الوبارا[53]
وقد أورد انتقاد نصيبٍ الكميتَ بأنّ أسلم لم تهج غفاراً قط، ولأنه لا يكون بالفلوات وبار. كما غلط أبا تمام في قوله:
رقيق حواشي الحلم لو أن حلمه        بكفيك ما  ماريت  في  أنه  برد
وعلق عليه قائلاً: ((وما وصف أحد من أهل الجاهلية ولا أهل الإِسلام الحلم بالرقة، وإنما يصفونه بالرجحان والرزانة))[54] فهذه بعض من أمثلة كثيرة أوردها أبو هلال العسكري في موضع الصواب والخطأ في المعاني الشعرية. وبعد نظر في هذه الشواهد ننتهي بانطباع عن أن أهم ما يقصده بصواب المعنى هو اتفاقه مع الواقع والتاريخ ومع العرف الاجتماعي والأخلاقي وحتى مع العرف الأدبي. وهو ما يحمل فكرة أو حكمة، وهو أيضاً ما يمكن أن تعلق عليه بـ((صَدَقَ)) كما يقول حسان:
وإن   أشعر   بيت   أنت   قائله        بيت يقال إذا أنشدته صدقا[55]
وهنا نتذكر أبيات ((ولما قضينا...)) ونتذكر أن أبا هلال انتقد معناها بأنه وسط مرة وبأنه ليس كبيراً مرة أخرى. ترى لماذا تدنى مستوى معنى أبيات كُثير في نظر أبي هلال؟ هل نقول: لأنها لا تسجل شيئاً مما يتوجه نحوه بمعاني الشعر، ولأننا لا يمكن أن نعلق عليها بكلمة ((صَدَقَ)) إذ هي لا تهدف إلى التقرير أو الإِخبار وإنما إلى التعبير ومبدعها لم يرد لها أن تحمل أفكاراً أو معاني بقدر ما تحمل عواطف وتجارب مرسومة بالكلمة ؟ أم نقول: إن ما أنقصه من معاني الأبيات أضافه إلى كفة ألفاظها ليزيد من تعزيز موقفه مع الألفاظ مقابل المعاني ؟ الواقع أنه هذا وذاك. أما ذاك فقد عرفناه، وأما هذا فإن أبا هلال عندما حدد موقفه بانتصاره الواضح للفظ لم يشأ أن يترك الأمر دون أن يورد ما يراه دليلاً يسند به هذا الموقف وفي هذا الإِطار أعطانا دليلين نرجئ أحدهما إلى حينه. أما الآخر فهو قوله: ((ودليل آخر (أي على أن مدار البلاغة على تحسين اللفظ. أن الكلام إذا كان لفظه حلواً عذباً، وسلساً ومعناه وسطاً، دخل في جملة الجيد، وجرى مع الرابع النادر كقول الشاعر))[56] ثم أورد الأبيات ((ولما قضينا)) وعلق عليها بقوله: ((وليس تحت هذه الألفاظ كبير معنى، وهي رائقة معجبة))[57] فإلى ماذا يهدف العسكري بهذا الدليل ؟ يهدف إلى أكثر من شيء: يريد – أولاً – أن يبرهن على أهمية اللفظ المحسَّن وأوَّليته مقابل المعنى بدليل هذه الأبيات النادرة الرائقة وما تملكه من روعة وسحر على تأخر في معناها، فلم يقف معناها الوسط دون إعجاب المتلقين بها وسيرورتها في لهواتهم. ويريد – ثانياً – أن يشيد بها ويضعها من الشعر في جيده. هذان شيئان يظهران بوضوح في دليل أبي هلال، غير أن هناك بُعدين آخرين نلمحهما لمحاً في هذا الدليل. أما أحدهما فهو أن قيمة المعنى الثانوية عنده ليست قيمة وجوده في القصيدة أو في النص الإِبداعي شعراً كان أم نثراً وإنما هي قيمة ثانوية من حيث المعاناة الإِبداعية، أي إن الحصول على المعنى لا يحتاج إلى معاناة ومجاهدة المعاني مطروحة في الطريق كما يقول، وإنما تكون المجاهدة والمعاناة في صياغة هذا المعنى بطريقة فنية جمالية تتجاوز وظيفة الإِفهام والتوصيل، يقول: "ومن الدليل (وهو دليله الذي أرجأناه) على أن مدار البلاغة على تحسين اللفظ أن الخطب الرايعة، والأشعار الرايقة، ما عملت لإِفهام المعاني، لأن الرديء من الألفاظ يقوم مقام الجيدة منها في الإِفهام"[58].

فلاحظ كلمة ((تحسين)) وإيحاءها بما أشرت إليه. وأما الآخر من البعدين – وفي ما يضيء أيضاً البعد الأول – فهو أن أبا هلال العسكري لا يرى أن المهم في النص ما تقوله وإنما كيفية القول، ليس المهم أن توصل فكراً وإنما المهم أن تقيم معادلاً فنياً لهذا الفكر، إذ ((لو كان الأمر في المعاني – كما يقول العسكري – لطرحوا (يقصد المبدعين من كتاب وخطباء وشعراء) أكثر ذلك (يشير إلى ما ذكره من تأنق هؤلاء المبدعين وحرصهم على التجويد والترتيب) فربحوا كداً كثيراً، وأسقطوا عن أنفسهم تعباً طويلاً))[59] على أني لا أزال ألمح بُعداً ثالثاً لتنظيرات أبي هلال ورؤيته لأبيات كثير في إطار السياق الذي تناولها فيه، وهذا البعد هو أنه ليس من الضروري أن تحتوي القصيدة على معنى محدد، أو بتعبير أدق، ليست المعاني ((المحددة)) شرطاً ملازماً للصفة الشعرية في الشعر إذ هو قائم بذاته وبالنسق البنائي فيه. والدليل – في رأيه – هو أبيات كُثير فهي لا تحمل كبير معنى ((وإنما هي: ولما قضينا الحج ومسحنا الأركان وشدت رحالنا على مهازل الإِبل، ولم ينتظر بعضنا بعضاً جعلنا نتحدث وتسير بنا الإِبل في بطون الأودية))[60] ومع أن نثر الأبيات على هذا النحو الذي يظهر أنها لا تحمل معنى محدداً ذا شأن، يخدم البعد الثالث الذي ذكرنا آنفاً إلا أنه نثر سلب الأبيات طاقاتها الانفعالية والفنية، كما جردها من القيمة الجمالية اللغوية التي أشاد بها فطفا بها هذا النثر أو طفت به وانتحت نحو السذاجة والسماجة والفتور والركود. ولقد أغضب هذا النثر أحد النقاد المعاصرين[61] لأنه – بما فيه من جفاف – وَأدَ الأبيات وذبحها من الوريد إلى الوريد، ولأنه قتل فيها حس الحركة. ويبدو هذا من أبي هلال خطيئة نقدية لا تنسجم مع المسار النقدي الذي تتبعناه له ولا مع المكانة الفنية التي اجتهد في أن يضع فيها الأبيات.

ملخص ما نحصل عليه الآن هو أن رؤية أبي هلال العسكري لأبيات كثير هي رؤية المعجب بها وبما فيها من شعرية، وأن هذا الإِعجاب إنما كان بسبب اللفظ أو الشكل رغم وسطية المعنى أو المحتوى. فهي رؤية تذوقية أولاً، ورؤية تخدم موقفه من قضية اللفظ والمعنى ثانياً حين عزز بها انتصاره للفظ. ثم إن هذه الرؤية تأتي خارج إطار ثنائية تحسين اللفظ وإصابة المعنى، هذه بالتحفظ[62]، غير أنني أعود مؤكداً – من خلال أقواله – أن هذه الثنائية غير متعادلة الطرفين إذْ المقدم والأهم فيها هو اللفظ، كما أنها – أيضاً – غير متلازمة الطرفين إذْ قد يغيب المعنى بدرجة أو بشكل من الأشكال، ومع هذا يبقى الشعر متألقاً أو – كما يقول هو – رائعاً نادراً ورائقاً معجباً.
هذه رؤية أبي هلال لأبيات كثير، وهي رؤية اعترف أن الرواية التي أخذت منها، والأفق الذي جالت فيه كانا مبعث نشاط لي وإعجاب مني خاصة وقد لمحت في أفقها أبعاداً ونقاطاً تُذكر ببعض الاتجاهات في النقد الأدبي الحديث. إن ما بدا لي من أن العسكري لا يحفل كثيراً بالمحتوى، وإنما بلغة النص، وبالنص من حيث هو بناء، وأنه يرى الكتابة الإِبداعية نسقاً لا يهدف إلى مجرد التوصيل، حتى ليذكرنا هذا بما سماه (رولان بارت) بالكتابة اللازمة، يكان يغرى بأنه نعده (العسكري) سابقة بنيوية في النقد العربي القديم.
(5) وبعد هؤلاء نلتقي بالباقلاني أبي بكر محمد بن الطيب (ت403هـ) ونظرته إلى الأبيات لا تخرج عن أفق رؤية أسلافه ممن يفصلون بين اللفظ والمعنى ويقصرون فضيلة الأبيات على ألفاظها منتقصين شعريتها بسبب ضعف معناها. ولم ترد الأبيات عند الباقلاني تحت قسم من أقسام الشعر، ولا تحت فصل يعالج إحدى قضاياه كما فعل الذين تناولنا رؤيتهم، وإنما وردت الأبيات خلال حديثه عن قصيدة البحتري: ((أهلاً بذلكم الخيال المقبل)) وتحديداً وهو يشرح البيت الثاني من هذه القصيدة وهو:
برق سرى في بطن وجرة فاهتدت        بسناه   أعناق   الركاب    الضُّلل
ومما علق به على هذا البيت قوله: ((فهو ذو لفظ محمود، ومعنى مستجلب غير مقصود، ويُعلم بمثله أنه طلب العبارات، وتعليق القول بالإِشارات))[63]، ثم قال: ((وهذا من الشعر الحسن، الذي يحلو لفظه، وتقل فوائده، كقول القائل، ثم أورد الأبيات الثلاثة المشهورة:
ولما  قضينا  من  منى   كل   حاجة        ومسح  بالأركان  من  هو   ماسح
وشدت على حدب المهارى رحالنا        ولا ينظر  الغادي  الذي  هو  رائح
أخذنا   بأطراف   الأحاديث   بيننا        وسالت   بأعناق   المطي   الأباطح
وعلق عليها بقوله: ((هذه ألفاظ بديعة المطالع والمقاطع، حلوة المجاني والمواقع، قليلة المعاني والفوائد))[64]. هذا هو تعليق الباقلاني على أبيات كُثير. وتلك كانت مناسبة استحضاره للأبيات واستشهاده بها. ومن خلال التعليق اتضحت لنا نظرته النقدية للأبيات وهي نظرة متأثرة بابن قتيبة بدليل التشابه في التعليق، ولم ألاحظ ما هو جدير بالتسجيل، اللهم إلا حين نقرأ قوله عن بيت البحتري السابق: ((ويُعلم بمثله أنه طلب العبارات وتعليق القول بالإِشارات)) ثم يقول بعده مباشرة: ((وهذا من الشعر الحسن الذي يحلو لفظه، وتقل فوائده، كقول القائل)) ثم يورد أبيات كُثير، فنفهم منه بعد أن نسحب عبارة: وتعليق القول بالإِشارات على أبيات كثير – أنه انتبه إلى ما في أبيات: ((ولما قضينا)) من إشارات وعبارات إيحائية انتبه إليها ابن جني بشكل واضح فتحدث عنها. أما غير هذا فلا شيء يستحق المناقشة.
(6) ثم ينضم أبو العباس أحمد بن علي القلقشندي (ت821هـ) إلى القافلة، ويقف من الأبيات موقف كل من ابن قتيبة وابن طباطبا وقدامة بن جعفر والباقلاني بوجه عام، وأبي هلال العسكري بوجه خاص. لكنا لا نجد في موقف صاحب صبح الأعشى تميزاً لأنه نقل رأي أبي هلال العسكري حول الأبيات. وكذا حديثه قبلها وبعدها نقلاً حرفياً سوى كلمة أو اثنتين[65]. وما تُمكن إضافته هو أن القلقشندي ذهب في الانتصار للألفاظ ليس إلى حد التقرير فقط وإنما إلى حد التمثيل والمقارنة حين يقول تحت (فضل الألفاظ وشرفها): "إن الألفاظ من المعاني بمنزلة الثياب من الأبدان فالوجه الصبيح يزداد حسناً بالحلل الفاخرة والملابس البهية، والقبيح يزول عنه بعض القبح.
كما أن الحسن ينقص حسنه برثاثة ثيابه وعدم بهجة ملبوسه، والقبيح يزداد قبحاً إلى قبحه، فالألفاظ ظواهر المعاني، تحسن بحسنها، وتقبح بقبحها"[66].
وعلى هذا فأبيات كثير عنده جميلة جمالاً مطلقاً بسبب ألفاظها وبصرف النظر عمّا وراء هذه الألفاظ من معنى صواباً كان هذا المعنى أم خطأ، جميلاً أم قبيحاً كبيراً أم وسطاً. وهذا ما يمكن أن يختص به عن سلفه أبي هلال العسكري.
وبالقلقشندي نأتي إلى آخر من نعلم من النقاد القدامى الذين يُرجعون جمال أبيات كثير إلى شكلها. ولا نريد أن نكرر ما قلناه في حينه وفي موضعه، لكن ما نرغب توضيحه هو أن أخطر شيء في موقف جُل هؤلاء هو طلبهم في المعنى أن يكون محدداً متجسداً واضحاً من ناحية، وأن يكون متفقاً مع العرف والعادة والقيم السائدة أو متلفعاً بالحكمة من ناحية أخرى. وهذه نظرة ضيقة تخنق المعنى لافتقارها إلى الشمولية سواء بالنسبة إلى تجربة الشعر مع نفسه وغيره من البشر أم بالنسبة إلى تجربته مع الكون والحالة بأوسع تداعياتها وأعقدها. لكن هذه النظرة لها ما يصححها أو يعدل شيئاً في مسارها عن نقاد آخرين تناولوا أبيات كثير برؤية أكثر انفتاحاً وأرهف حساً.

ثانياً: - جمال في المعنى (والألفاظ).
(1) يبدو أن نظرة ابن قتيبة – ومن تابعه في هذه النظرة من النقاد – إلى أبيات كثير كانت نظرة استفزازية لآخرين مثل ابن جني (ت392هـ) الذي تناول الأبيات تناولاً من الواضح أنه يرد به على ابن قتيبة ومن يرى رأيه. وتناول ابن جني لهذه الأبيات جاء في ((باب الرد على من ادّعى على العرب عنايتها بالألفاظ واغفالها المعاني)) من كتابه الخصائص[67]. فهو من المنتصرين للفكر أو المضمون (المعاني). ولا يرى عناية العرب بألفاظها إلا دليلاً على أن المعاني عندها أقوى، وعليها أكرم، وفي نفوسها أفخر قدراً[68]. وعنده أن ما يبدو عناية بالألفاظ إنما هو في الحقيقة عناية بالمعاني وخدمة لها، ((فإذا رأيت العرب قد أصلحوا ألفاظها وحسنوها، وحموا حواشيها وهذبوها، وصقلوا غروبها وأرهفوها، فلا تريَنّ أن العناية إذ ذاك إنما هي بالألفاظ، بل هي عندنا خدمة منهم للمعاني، وتنويه بها وتشريف منها))[69]. هذا هو رأي ابن جني في قضية اللفظ والمعنى وموقفه منها. وهذا – أيضاً – هو السياق الذي تناول فيه أبيات كثير، ولكنا نقرأ بين أسطر السياق هذا أو نستقرئ، منه يقينه بأن وراء كل شكل جميل مضموناً جميلاً، ظاهراً كان هذا المضمون أم خافياً. وإذا ما بدا خلاف ذلك لِناقدٍ ما، فإنما ذلك لعلة في الناقد نفسه أو لأسباب فنية تتعلق بالنص. ورداً على من يخالفونه وفي إطار التطبيق لنظريته يشرع في تحليل أبيات كثير وتفسيرها (أورد منها بيتين فقط) ممهداً بعرض وجهة نظر الآخر: ((فإن قلت: فإنا نجد من ألفاظهم ما قد نمقوه، وزخرفوه، وَوَشَّوْه، وَدَبَّجوه، ولسنا نجد مع ذلك تحته معنى شريفاً، بل لا نجده قصداً ولا مقارباً؛ ألا ترى إلى قوله:
ولما قضينا من منى  كل  حاجة        ومسح بالأركان من هو ماسح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا        وسالت بأعناق المطي الأباطح
فقد ترى إلى علو هذا اللفظ ومائه، وصقاله وتلامح أنحائه، ومعناه مع هذا ما تحسه وتراه إنما هو: لما فرغنا من الحج ركبنا الطريق راجعين، وتحدثنا على ظهور الإِبل. ولهذا نظائر كثيرة شريفة الألفاظ رفيعتها، مشروفة المعاني خفيضتها))[70]، هذه هي وجهة نظر الآخر أوردها ابن جني ونقلناها لنوضح أنه يعي هذه الوجهة وعياً تاماً، بل إنه بسبب هذا الوعي، ولأن هذه الرؤية لا تَدَّغِم في نظريته التي ذكرناها تَصدَّى لدحضها بتعمق الأبيات واستشراف أبعادها واعتصار مدلولاتها، وتوظيف ألفاظها مستفيداً في هذا من معرفته وذائقته اللغويتين. والحق أنني أعجبت مثلما مُتِّعِت برؤية ابن جني النقدية لأبيات ((ولما قضينا)) وبطريقة تأوله لها في معرض رده على من قالوا بامتلائها جمالاً من حيث الألفاظ والصياغة، وفراغها من حيث المعنى ففي هذه الرؤية وفي طريقة عرضها ما يظهر ذكاء وحساً نقدياً واحتفاء بالنص وعشقاً له. يرى ابن جني في البداية أن سبب رؤية أحد وجهي الأبيات (وهو الألفاظ) مشرقاً والآخر (المعاني) معتماً إنما كان بسبب عدم إنعام نظرهم في الأبيات وفي موقفهم منها؛ أي بهذه النظرة التي قرت على السطح فتسطح المعنى بسببها عندهم. وذلك في قوله: "هذا الموضع (يشير إلى رؤية ابن قتيبة ومن وافقه) قد سبق إلى التعلق به من لم ينعم النظر فيه، ولا رأى ما رآه القوم منه"[71].

كأنه ينتقد الآخر بالتسرع في إطلاق الأحكام النقدية نتيجة لعدم التحبب إلى النص، والدنو منه دنواً تتضح به أبعاده، وتنكشف طيّاته وأطواؤه. وإذا كان هذا الآخر لم يوفق في رؤيته النقدية بسبب فشله في مقاربة النص، أو عدم إدراكه لأهمية هذه المقاربة فإن مما أعان على عدم التوفيق افتقاره إلى رهافة الحس النقدي من ناحية، واتجاه الشاعر بتعبيراته إلى الإِيحاء والرمز من ناحية أخرى كما يرى ابن جني: ((وإنما ذلك لجفاء طبع الناظر، وخفاء غرض الناطق))[72] هذه هي الأسباب التي يراها ابن جني قد حالت دون إدراك معاني أبيات كُثير من قِبل بعض النقاد. ثم بعد ذكره هذه الأسباب التي تضمنت رؤيته النقدية للأبيات نظرياً، يدخل في مرحلة التطبيق محللاً ومفسراً ومحاولاً إثبات أن وراء ألفاظها معاني تستحق الإِكبار. وأن في عباراتها إيحاءات خفية، ورموزاً حلوة، وإيماءات معبرة فيقول: ((ذلك أن في قوله ((كل حاجة)) ما يفيد منه أهل النسيب والرقة، وذوو الأهواء والمقة مالا يفيده غيرهم، ولا يشاركهم فيه من ليس منهم، ألا ترى أن من حوائج (منى) أشياء كثيرة غير ما الظاهر عليه، والمعتاد فيه سواها، لأن منها التلاقي، ومنها التشاكي، ومنها التخلي، إلى غير ذلك مما هو تالٍ له، ومعقود الكون به. وكأنه صانع عن هذا الموضع الذي أومأ إليه، وعقد غرضه عليه، بقوله في آخر البيت:
ومسح بالأركان من هو ماسح
أي إنما كانت حوائجنا التي قضيناها، وآرابنا التي أنضيناها[73]، من هذا النحو الذي هو مسح الأركان وما هو لاحق به، وجارٍ في القربة من الله مجراه؛ أي لم يتعد هذا القدر المذكور إلى ما يحتمله أو البيت من التعريض الجاري مجرى التصريح))[74] هذه رؤية ابن جني لهذا البيت؛ رؤية نافذة حاول بها اختراق قلب الشاعر ليعرض معناه على شاشة لغوية أسلوبية. وعبارة ((كل حاجة)) – عنده – عبارة مكثفة إيحائية، بإحدى سياقاتها ومتعلقاتها ((مِنَى)) تبث معاني ذات نكهة خاصة لفئة معينة. ولكن الشاعر لا يريد أن تظن به الظنون، ولهذا خادع المتلقى عما أوما إليه، بقوله في الشطر الثاني: ومسح بالأركان من هو ماسح)) ليوهمه أن كل حاجة قضاها من مِنَى إنما كانت في مجال التقرب من الله. ثم بعد هذا ينتقل إلى البيت الثاني قائلاً:
((وأما البيت الثاني فإن فيه:
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا
وفي هذا ما أذكره؛ لتراه فتعجب ممن عجب منه ووضع من معناه. وذلك أنه لو قال: أخذنا في أحاديثنا، ونحو ذلك لكان فيه معنى يكبره أهل النسيب، وتعنو له ميعة الماضي الصليب[75]. وذلك أنهم قد شاع عنهم واتسع في محاوراتهم علو قدر الحديث بين الأليفين، والفكاهة بجمع شمل المتواصلين))[76]، يريد ابن جني أن يقول إن مجرد ذكر كلمة ((أحاديث)) في هذا البيت على افتراض أن الشاعر أوردها مرسلة غير مقيدة بكلمة ((أطراف)) إنها وحدها تثير شجوناً، وتستدعي ذكريات، وتحرك مشاعر يُكبرها العشاق وتخفق لها قلوبهم، كلمة ((حديث)) تمردت على جذرها اللغوي وخرجت على المعجم ودخلت في معجم أهل العشق والنسيب فأصبحت مصطلحاً من مصطلحاتهم الشعرية يكبرونها ويطعمون حلاوتها لما تحمله من معاني الوصال والعتاب والتشاكي وكل ما يتبادله المحبان إذا التقيا. ثم يورد ابن جني أبياتاً يدعم بها رؤيته إذا يقول: ألا ترى إلى قول الهذلي[77].
وإن حديثاً منك – لو تعلمينه – جَنى النحل في ألبان عوذٍ مطافل[78].
وقول الآخر[79]:
وحديثها  كالغيث   يسمعه        راعى سنين  تتابعت  جدباً
فأصاخ يرجو أن يكون حياً        ويقول  من  فرحٍ  هيا   ربا
وقول الآخر[80]:
وحدثتني يا  سعد  عنها  فزدتني        جنوناً فزدني من حديثك يا سعد
وقول المولد[81]:
وحديثها السحر الحلال لو أنه        لم  يجن  قتل  المسلم  المتحرز
هكذا فَسَّر ابن جني كلمة ((أحاديث)) في قول كثير: ((أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا)) مفترضاً فصل هذه الكلمة عن سابقتها ((أطراف)) مرة، وناظراً إلى واقع العلاقة بينهما مرة أخرى حين يقول: "فإذا قدر الحديث – مرسلاً – عندهم هذا، على ما ترى فكيف به إذا قيده بقوله (بأطراف الحديث) وذلك أن في قوله (أطراف الأحاديث) وحياً خفياً، ورمزاً حلواً، ألا ترى أنه يريد بأطرافها ما يتعطاه المحبون، ويتفاوضه ذوو الصبابة المتيمون، من التعريض والتلويح، والإِيماء دون التصريح، وذلك أحلى وأدمث، وأغزل وأنسب، من أن يكون مشافهة وكشفاً، ومصارحة وجهراً، وإذا كان كذلك فمعنى هذين البيتين أعلى عندهم، وأشد تقدماً في نفوسهم من لفظهما وإن عذب موقعه، وأنق له مستمعه"[82].
وهنا، في هذه النقطة، يكون ابن جني قد أدرك بحاسة نقدية لغوية دقيقة أحد الأبعاد الجمالية والمعنوية لعلاقات الألفاظ بعضها مع بعض، وما قد ينبعث من تجاورها من حوار هامس أو همس متحاور. ولم يكتف ابن جني بتوظيف العلاقات والتجاور بين الكلمات في التفسير الشعري، وإنما استثمر صيغة الجمع حين تناول بيتي كُثير في موضع آخر من كتابه هو ((القول على الفصل بين الكلام والقول)) فقد نبه إلى أن الشاعر إنما استعمل ((أحاديث)) بصيغة الجمع ولم يستعمل ((حديث)) بصيغة المفرد لغرض معنوي. ذلك أنه إذا كانت كلمة ((حديث)) مفردة ذات إيحاء خاص، وطعم متفرد، فإنها مجموعة تزيد تلك الإِيحاءات وتكشف هذه الطعوم[83]. كلمة ((أحاديث)) وفق استثمار ابن جني لها ملمح جمالي، ورامز معنوي في الوقت نفسه. ولم يرد ابن جني بعد هذا أن يقف طويلاً عند قول كثير: ((وسالت بأعناق المطي الأباطح)) إذ فيه – كما يرى – ((من الفصاحة مالا خفاء به. والأمر في هذا أسير، وأعرف، وأشهر))[84].

الآن يكتمل موقف ابن جني من أبيات كثير، وتتكامل رؤيته لها فيتضحان، ويتضح لنا منهما إعجابه بمعناها أكثر من إعجابه بلفظها؛ أي إنه – بعبارة أخرى – يرى أن سر جمال هذه الأبيات هو في معانيها قبل أن يكون في ألفاظها ((وإذ كان كذلك فمعنى هذين البيتين أعلى عندهم، وأشد تقدماً في نفوسهم، من لفظهما وإن عذب موقعه، وأنق له مستمعه))[85]. وإذا كان ابن قتيبة والذين معه قد أعجبوا بألفاظها ووضعوا من معانيها، فابن جني معجب بالعنصرين معاً، فالبيتان عنده جميلان شكلاً ومعنى، غير أنه – كما أوضحت – يرفع من قدر المعنى ولكن ليس على حساب اللفظ إذ لم نلحظ شيئاً من ذلك في أثناء تناوله وتحليله للبيتين. ولقد سبق أن قلت إنني معجب برؤية ابن جني للأبيات، وبطريقة تناوله إياها. ولست أعني أن ما انتهى إليه صحيح ومنطقي فالأدب لا يعرف هذا النوع من الأحكام، ولكن إعجابي يأتي من أن رؤيته رؤية جمالية، وطريقته طريقة اختراقية، وتناوله تناول ودي يحتفي بالنص ويتحبب إليه ليستدر معانيه، ويعتصر مدلولاته، ويظهر أن كل هذا هو مما يَسر لابن جني خطوات نقدية ناجحة مثل قدرته على تجاوز طريقة الشرح العقيم للنص إلى طريقة التفسير والتأويل اللذين ينطلقان بالمعنى إلى آفاق أرحب لا يحدها عرف أو واقع، ولا حتى دلالات أخلاقية أو حِكْميَّة، أو معجمية جامدة. ثم مثل إدراكه للأبعاد الإِيحائية في النص، وما فيه – كما يقول – من وحي خفي. ورمز حلو[86]. وكما يتضح، فابن جني يستجيد ويستعذب هذا المنحى من التعبير الذي يدخل في إطار الغموض الفني، بل إني أرجح أن هذا الجانب الإِيحائي الجميل في بيتي كثير هو مما أغرى ابن جني بهما، على أن هذا لا يصرفنا في الجانب الآخر عن التساؤل عما إذا كان موقف ابن جني من المعنى وانتصاره له – في إطار قضية المعنى واللفظ في النقد العربي القديم – قد دفعه إلى أن يذهب بعيداً في تأويل أبعاد لمعنى هذين البيتين، لولا أن نتذكر أن المعنى – كما يقول روبرت شولز – لا ينتشر في العمل ببساطة، وإنما يفسر على أيدي خبير في العمليات اللغوية[87]. وابن جني – دون شك – هو من خبراء اللغة وعملياتها. وما نخلص إليه مطمئنين هو أن هذا الخبير (ابن جني) نجح في استعمال ذائقتيه: الفنية واللغوية أداتين نقديتين وظفهما لاستعادة شعرية نص كُثيرِّ وقد كان أفرغ منها من قِبل بعض النقاد، بل إنه بطريقة تناوله قد أعاد كتابة هذا النص، أو اشترك فيها. وإن قراءته له (النص) هي من نوع القراءة المنتجة لا الاستهلاكية العابرة.
(2) وفي اتجاه ابن جني يسير ابن الأثير (ت637هـ) فموقفه من قضية اللفظ والمعنى هو موقف سلفه حين يحفل بالمعاني ولكن ليس على حساب الألفاظ. ثم إنه في هذا المجال أو السياق تناول ((ولما قضينا من منى كل حاجة)) غير أن تناوله لم يكن أكثر من إعادة وتكرار لما قاله ابن جني، بل إن مقارنة بين نصي الرجلين تظهر أن ابن الأثير قد أخذ كثيراً من نص ابن جنى فنقله بمعناه وبأكثر عباراته دون أن يشير إلى مرجعه. وربما يُعد ذلك إحدى السرقات في النقد العربي القديم، ولكنا نترفق بابن الأثير ونخفف قسوتنا في الحكم عليه إذا ما التمسنا عذراً له في رأي أن رؤية ابن جني للأبيات هي الرؤية التي تتفق مع ذائقته، وتعبر عن موقفه فلم ير حرجاً في نقلها، خاصة وأن المنهجية العلمية في النقد لم تتأصل بعد في زمنه. ولا يعني التماسنا عذراً له اعترافنا له باستقلالية النظرة النقدية للأبيات، مع أن من الإِنصاف أن نذكر له التفاتة نقدية مستقلة تجاه أحد أشطر الأبيات هذا:
ومالت بأعناق المطي الأباطح

فقد ذكرنا أن ابن جني لم يقف طويلاً عند هذا الشطر. وربما لهذا أراد ابن الأثير أن يتم مالم يكمله سلفه حتى تكتمل تلك الإِضاءة التي نشرها الأول حول أبيات كثير والالتفاته النقدية التي نقصدها لابن الأثير هي في قوله بأن في هذا الشطر: ((من لطافة المعنى وحسنه مالا خفاء به))[88]. وتخريجه هذا المعنى اللطيف على أن لذة الحديث شغلت القوم عن إمساك الأزِمَّة فاسترخت عن أيديهم فأسرعت المطايا في المسير حتى تراءت أعناقها كأنها السيل في الأباطح، ولكنا ننقل نصه لاكتمال الصورة: "إن هؤلاء القوم لما تحدثوا وهم سائرون على المطايا شغلتهم لذة الحديث عن إمساك الأزمة، فاسترخت عن أيديهم، وكذلك شأن من يشره وتغلبه الشهوة في أمر من الأمور، ولما كان الأمر كذلك، وارتخت الأزمة عن الأيدي أسرعت المطايا في المسير، فشبهت أعناقها بمرور السيل على وجه الأرض في سرعته، وهذا موضع كريم حسن، لا مزيد على حسنه، والذي لا ينعم نظره فيه لا يعلم ما اشتمل عليه من المعنى"[89].
هذا هو ما أضافه ابن الأثير إلى رؤية ابن جني. وهي إضافة تستحق التنويه؛ ذلك أنه أدرك، بل ابتدع بعداً معنوياً للاستعارة في ((وسالت بأعناق المطي الأباطح)) وهذا البعد المعنوي المبتدع هو تعليله لسرعة الإِبل باسترخاء الأزمة عن الأيدي بسبب نشوة الحديث. فمن حق ابن الأثير أن نسجل له هذا التسلل الدقيق والرشيق إلى حمى هذا الشطر واقتناص هذا المعنى منه، بل إنه نوع من الهجوم الصعب على المعاني المحمية بحجب الخواطر كما يقول هو: "وللهجوم على عذارى المعاني المحمية بحجب البواتر أيسر من الهجوم على عذارى المعاني المحمية بحجب الخواطر"[90].
ويظهر أن إنعامه الدقيق للنظر قد ساعده على إدراك محتوى هذا الشطر كما قال: "والذي لا ينعم نظره فيه (أي في هذا الشطر) لا يعلم ما اشتمل عليه من المعنى"[91].
وبابن الأثير نأتي إلى نهاية رؤيتين نقديتين متضادتين لأبيات كثير، إحداهما لا ترى لمعناها كثير فائدة بالقياس إلى ما فيها من ألفاظ حلوة وصياغة جميلة، فسر جمالها عند أصحاب هذه الرؤية هو في ألفاظها. وفي هؤلاء من ينتصر – بوضوح – للألفاظ. وأخراهما ترى سر جمالها ليس في ألفاظها فقط، وإنما في المعاني التي وراء هذه الألفاظ. وأصحاب هذه الرؤية يجنحون إلى المعاني في إطار الخلاف حول قضية اللفظ والمعنى في النقد العربي. ومن خلال المبحث السابق عرفنا أن هؤلاء نجحوا بطرق فنيه في اكتشاف معانٍ للأبيات غير أنها ليست من جنس تلك المعاني التي ترضي أذواق أولئك الذين ضيقوا دائرة المعاني وهي دائرة رحبة.

ثالثاً: جمال في البناء والنظم والتصوير.
(1) في التناولات النقدية التي مرت بنا حتى الآن، يبرز الفصل بين الشكل والمضمون أداةً أو وسيلة نقدية متسوِّدة إلى درجة شوشت على أذهان بعض النقاد الذين تعرفنا مواقفهم فانحجبت دونهم أكثر من نقطة مضيئة في أبيات كثير كان ينبغي ألا تخطئها عين النقد. ولهذا سنتوقف عند تناول نقدي بالغ الأهمية. ذلك أنه يتناول الأبيات ليس من زاوية الفصل بين لفظها ومعناها وإنما عن طريق الربط بينهما ربطاً وثيقاً محكماً.
يرفض عبدالقاهر الجرجاني (ت471 أو 474هـ) وهو من نعنيه بهذا التناول النقدي الذي أشرنا إليه – يرفض أساساً فكرة الفصل بين المعنى واللفظ ويتجسد رفضه في فكرة النظم التي بلورها خاصة في كتابه ((دلائل الإِعجاز)) وفكرة النظم بإِيجاز تُرجع سر جمال القول إلى النص بوصفه بناء فنياً متكامل الشكل والمضمون متلاحمهما.
وليس من صميم البحث أن نتحدث عن نظرية النظم عند عبدالقاهر، ولا أن نتقصى أبعادها إلا بمقدار ما يفيدنا هذا عند تقويم موقفه النقدي من أبيات كُثير. وما نرى أنه يهمنا الآن هو كون نظريته قضاءً على ثنائية اللفظ والمعنى، وأنه في ضوء هذه النظرية عرض بنقد من ((يفردون اللفظ عن المعنى))[92]، أو من على أساسهما ((قسموا الشعر فقالوا إن منه ما حسن معناه دون لفظه))[93] معرضاً بابن قتيبة ومن يقف موقفه، كما أنه انتقد من يقدمون الكلام من أجل معناه فقط. ذلك لأن هذا التقديم في حقيقته فصل لشيئين من طبيعتهما الاتصال والتداخل والتلاحم،. بل إن هذا الفصل – كما يرى – يزيل أدبية النص وشعريته. ولهذا فحق النص أن ينظر إليه شكلاً ومضموناً لا شكلاً فقط أو مضموناً فقط. يقول في هذا الصدد: "واعلم أنهم لم يعيبوا تقديم الكلام بمعناه من حيث جهلوا أن المعنى إذا كان أدباً وحكمة وكان غريباً نادراً فهو أشرف مما ليس كذلك، بل عابوه من حيث كان من حكم من قضى في جنس من الأجناس بفضل أو نقص ألا يعتبر في قضيته تلك إلا الأوصاف التي تخص ذلك الجنس وترجع إلى حقيقته وألا ينظر فيها إلى جنس آخر وإن كان من الأول بسبيل أو متصلاً به اتصال مالا ينفك منه. ومعلوم أن سبيل الكلام سبيل التصوير والصياغة وأن سبيل المعنى الذي يعبر عنه سبيل الشيء الذي يقع التصوير والصوغ فيه كالفضة والذهب صياغ منهما خاتم أو سوار، فكما أن محالاً إذا أنت أردت النظر في صوغ الخاتم وفي جودة العمل ورداءته أن تنظر إلى الفضة الحاملة لتلك الصورة أو الذهب الذي وقع فيه العمل وتلك الصفة – كذلك محال إذا أردت أن تعرف مكان الفضل والمزية في الكلام أن تنظر في مجرد معناه. وكما أنا لو فضلنا خاتماً على خاتم بأن تكون فضة هذا أجود أو فصه أنفس لم يكن ذلك تفضيلاً له من حيث هو خاتم، كذلك ينبغي إذا فضلنا بيتاً على بيت من أجل معناه ألا يكون تفضيلاً له من حيث هو شعر[94] وكلام وهذا قاطع فاعرفه"[95].

ففي نصه الذي نقلناه – على طوله – أراد الجرجاني أن يؤكد ترابط اللفظ والمعنى، وأن يقرب لنا صورة هذا الترابط بمشاكلته بين الكلام والتصوير والصياغة حين قال: إن الكلام بما فيه من شكل ومضمون هو مثل التصوير والصياغة بما فيهما من شكل ومضمون. وعلى هذا فالمعنى من الكلام هو كالفضة أو الذهب من الصياغة. قد نفضل خاتماً على خاتم لأن فضة ذلك أجود أو فصه أنفس لكن هذا لا يعد تفضيلاً له من حيث هو خاتم، على هذا يقيس الجرجاني الشعر، فقد نفضل بيتاً على بيت من أجل معناه لكن هذا لا يعد تفضيلاً له من حيث هو شعر وكلام إبداعي. قد نسمي هذا نظماً أو نحوه، أم أن ندخله في إطار الشعر فلا، إذ الشعرية – كما يراها الجرجاني – تلاقً متفاعل بالجمالية والفنية بين المعنى واللفظ بما لهما عنده من مفهومات شاملة.
على هذا، هل نقول: إن الجرجاني – في إطار قضية اللفظ والمعنى – لا ينتصر للمعنى على اللفظ ولا للفظ على المعنى، وإنما ينتصر لفكرة النظم التي تلقفها أو استوحاها ممن سبقه (كالجاحظ (ت255)، والواسطي (ت307) صاحب كتاب ((إعجاز القرآن في نظمه)) وكأبي هلال العسكري) فبلورها في شكل الربط بين الاثنين أي بين الشكل والمضمون؟ إننا نجابه حقاً – في تناول عبدالقاهر لقضية اللفظ والمعنى غموضاً وإيهاماً بالتناقض كما رأى ذلك محمد خلف الله[96]، ومحمد مصطفى هدارة[97]. ففي مواضع من كتاب دلائل الإِعجاز وأسرار البلاغة يبدو كأنه ينتصر للمعنى، وفي موضع آخر يظهر كأنه ينتصر للفظ، ذلك أنه رأى أن الألفاظ تابعة للمعاني[98]، وأنها خدمها، والمصرفة في حكمها، المالكة سياستها[99]، بل إنه يقول بعبارة صريحة: "فمن نصر اللفظ على المعنى كان كمن أزال الشيء عن جهته وأحاله عن طبيعته"[100].

كما يقرر في موضع آخر أن المزية للمعنى دون اللفظ: ((قد فرغنا الآن من الكلام على جنس المزية وأنها من حيز المعاني دون الألفاظ))[101] فظاهر ما نقلناه من نصوص لعبدالقاهر لا تترك مجالاً للشك في أنه من أنصار المعاني لا الألفاظ، لكنه في مواضع أخرى يرى ((أن الداء الدويّ... غلط من قدم الشعر بمعناه وأقل الاحتفال باللفظ وجعل لا يعطيه من المزية – إن هو أعطى – إلا ما فضل عن المعنى))[102] بل إنه يخطئ أنصار المعنى تخطيئاً عظيماً، ويرى أن موقفهم هذا يفضي بهم إلى إنكار الإِعجاز وأن فيه إلغاء جميع ما قاله الناس في الفصاحة والبلاغة وفي شأن النظم والتأليف ((اعلم أنهم لم يبلغوا في إنكار هذا المذهب (تقديم الكلام بمعناه) ما بلغوه إلا لأن الخطأ فيه عظيم وأنه يفضي بصاحبه إلى أن ينكر الإِعجاز ويبطل التحدي من حيث لا يشعر، وذلك أنه إن كان العمل على ما يذهبون إليه من أن لا يجب فضل ومزية إلا من جانب المعنى وحتى يكون قد قال حكمة أو أدباً، واستخرج معنى غريباً أو شبيهاً نادراً فقد وجب اطراح جميع ما قاله الناس في الفصاحة والبلاغة وفي شأن النظم والتأليف وبطل أن يجب بالنظم فضل وأن تدخله المزية وأن تتفاوت فيه المنازل))[103]، وقبل هذا علق على كلام الجاحظ (والمعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي، والقروي والبدوي، وإنما الشأن في إقامة الوزن، وتخير اللفظ، وسهولة المخرج، وصحة الطبع، وكثرة الماء وجودة السبك، وإنما الشعر صياغة وضرب من التصوير) علق بقوله: ((فقد تراه كيف أسقط أمر المعاني وأبى أن يجب لها فضل.. فأعلمك أن فضل الشعر بلفظه لا بمعناه وأنه إذا عدم الحسن في لفظه ونظمه لم يستحق هذا الاسم بالحقيقة))[104]، أفليست هذه النصوص التي نقلناها لا تترك هي الأخرى مجالاً للشك في أن عبدالقاهر ينتصر للفظ على حساب المعنى خلافاً لما توحي به أقواله السابقة والتي يبدو فيها منتصراً للمعنى ؟! الأمر في ظاهره تناقض أو موهم بالتناقض على الأقل، لكننا حين نمعن النظر ونتروى ونستجلي أبعاد نصوص عبدالقاهر وأقواله في إطار القضية – وفي أذهاننا استبعاد أن يقع مثل هذا الناقد العظيم في تناقض خطير مثل هذا – نخرج برؤية تحل مشكل ظاهرية التناقض، وتبعد ما اكتنف الموقف (موقف عبدالقاهر) من غموض إزاء مسألة اللفظ والمعنى. ولعل الخطوة الأولى في الطريق إلى التوفيق بين أقوال عبدالقاهر وزحزحة التناقض عن موقفه هي إدراكنا بأنه في إطار القضية تحدث عن نوعين من اللفظ قدّم أحدهما مقابل معنى وأخَّر الآخر، وعن نوعين من المعنى قدم أحدهما مقابل لفظ وأخر الآخر ومهمتنا الآن هي تعرف ما يقدم وما يؤخر من لفظ أو معنى. أما اللفظ الذي يؤخره فهو اللفظ من حيث هو لفظ ومجرد صوت لا يحمل أية دلالة معنوية، وأيضاً من حيث هو لفظ مجرد ومفرد عن جيرانه من الألفاظ، وعلى هذا فالألفاظ – عنده – بدون دلالات لا تتفاضل، وإنما تتفاضل بمالها من دلالات معنوية تلائم بها معاني جاراتها.
ويبدو أن الجرجاني حريص على ترسيخ هذا المفهوم بدليل إيراده أكثر من مرة فهو في دلائل الإِعجاز يقول: "فقد اتضح إذن اتضاحاً لا يدع للشك مجالاً أن الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجردة ولا من حيث هي كلم مفردة، وأن الألفاظ تثبت لها الفضيلة وخلافها في ملائمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها أو ما أشبه ذلك مما لا تعلق له بصريح اللفظ[105] وللمزيد من التأكيد على أن اللفظة لا قيمة لها في ذاتها منفردة وإنما بتفاعلها الدلالي مع جاراتها يستشهد الجرجاني ببعض الأبيات ويعلق عليها"[106].
ثم يضيف: "فلو كانت الكلمة إذا حسنت من حيث هي لفظ، وإذا استحقت المزية والشرف استحقت ذلك في ذاتها وعلى انفرادها، دون أن يكون السبب في ذلك حال لها من أخواتها المجاورة لها في النظم، لما اختلف بها الحال ولكانت إما أن تحسن أبداً أو لا تحسن أبداً"[107].

لكن الأمر خلاف هذا، فالألفاظ لا تأخذ أمكنتها أو منازلها إلا بهذه المعاني التي تسكنها ((ولو خلت (هذه الألفاظ) من معانيها حتى تتجرد أصواتاً وأصداء حروف لما وقع في ضمير ولا هجس في خاطر أن يجب فيها ترتيب ونظم، وأن يجعل لها أمكنة ومنازل))[108]، ((ولو فرضنا أن تنخلع من هذه الألفاظ التي هي لغات دلالتها لما كان شيء منها أحق بالتقديم من شيء ولا ينصور أن يجب فيها ترتيب ونظم))[109].
هذه هي الألفاظ التي يؤخرها عبدالقاهر، والألفاظ من حيث هي ألفاظ مفردة عن أخواتها ومن حيث هي أصوات مجردة من الدلالة. وفي مقابل هذه الألفاظ التي يؤخرها تأتي معانيها، ليست معانيها الذاتية فحسب وإنما معانيها المتولدة من تلاؤمها بعضها مع بعض أي المعنى الذي أفرزه بناء العبارة ونظمها أو ((كل ما نتج عن السياق من فكر وإحساس وصورة وصوت)) كما يقول محمد زكي العشماوي[110]. هذا جانب، وجانب آخر هو أن عبدالقاهر حين يقدم هذا النوع من المعنى على ذاك النوع من الألفاظ يريد أن يقرر لذاك المعنى أسبقية وأولوية بالنظم والترتيب قبل الألفاظ، وهذه الأسبقية أو الأولوية هي بعض مما عبر عنه بالفضل أو المزية حينما قال؛ إن المزية من حيز المعاني دون الألفاظ كما ذكرنا قبل. ((فأما أن تتصور في الألفاظ أن تكون المقصودة قبل المعاني بالنظم والترتيب، وأن يكون الفكر في النظم الذي يتواصفه البلغاء فكراً في نظم الألفاظ.. فباطل من الظن ووهم يتخيل إلى من لا يوفي النظر حقه))[111] والمعنى من هذا المنظور هو ما تنهض عليه نظرية النظم التي تبلورت على يديه وترسخت نظريةً نقديةً لها أهميتها، هذه النظرية التي نلمس منه صدقاً ونشاطاً في الدفاع عنها، وفي شرحها وإيضاحها. عملية النظم عنده أبعد وأعمق من كونها عملية رَص للألفاظ وضمها بعضها إلى بعض؛ إذ هي اقتضاء لآثار معاني هذه الألفاظ وترتيب لها على حسب ترتيب المعاني في النفس[112]، وبدون هذا الترتيب تنعدم الصورة التي يتوخاها المبدع لنصه والتي تحصل له من معاني الألفاظ[113] – كما يقرر عبدالقاهر – لا من الألفاظ في أنفسها. بقى الآن أن نعرف نوع اللفظ الذي يقدمه أو ينتصر له عبدالقاهر على المعنى، ونوع المعنى الذي يؤخره وينتصر للفظ عليه. فأما اللفظ الذي قصده بالتقديم فهو لفظ يحمل مفهوم المصطلح – عنده – وليس هو اللفظ بوصفه كلمة صوتيه لها معناها اللغوي. اللفظ عنده ذو مفهوم واسع يستوعب أكثر من طريقة فنية للتعبير، يستوعب الصياغة والنظم والتأليف والبناء وكل ما يخدم وشائج عناصر النص وتفاعلها.
واللفظ عنده هو النظم الذي به تتناسق دلالات الألفاظ، وتتلاقى معانيها وتتلاءم. لنقرأ قوله: "واعلم أن الداء الدوي والذي أعيى أمره في هذا الباب غلط من قدم الشعر بمعناه وأقل الاحتفال باللفظ.. فإن مال إلى اللفظ شيئاً ورأى أن ينحله بعض الفضيلة لم يعرف غير الاستعارة"[114].
ولننظر كيف أدخل الاستعارة في مفهوم اللفظ الذي يعنيه بالتقديم. ولنقرأ – أيضاً – قوله: "إن كان العمل على ما يذهبون إليه من أن لا يجب فضل ولا مزية إلا من جانب المعنى.. فقد وجب اطراح جميع ما قاله الناس في الفصاحة والبلاغة وفي شأن النظم والتأليف وبطل أن يجب بالنظم فضل وأن تدخله المزية"[115].
ولننظر – أيضاً – كيف أدخل (تقنيات) الفصاحة والبلاغة وما هو من شأن النظم والتأليف في مفهوم اللفظ هذا، وكيف أعاد في تساؤله ذكر النظم مستنكراً ألا يجب له فضل ومزية كأنه يشير إلى أنه (النظم) يحتل مساحة كبيرة في مصطلح اللفظ المعنى بالتقديم. لقد قلت قبل قليل: إن للفظ عند عبدالقاهر مفهوماً واسعاً، غير أن هذا المفهوم لا يخرج عن مفهوم الصورة التي يبرز فيها المعنى ملتحماً بها، ولهذا نجد عبدالقاهر نفسه يقرر أن ما يراد باللفظ هو الصورة، وأن الناس إنما ((حملوا كلام العلماء، في كل ما نسبوا فيه الفضيلة إلى اللفظ على ظاهره وأبو أن ينظروا في الأوصاف التي أتبعوها نسبتهم الفضيلة إلى اللفظ مثل قولهم: لفظ متمكن غير قلق ولا ناب[116] به موضعه: إلى سائر ما ذكرناه قبل فيعلموا أنهم لم يوجبوا للفظ ما أوجبوه من الفضيلة وهم يعنون نطق اللسان وأجراس الحروف، ولكن جعلوا كالمواضعة فيما بينهم أن يقولوا اللفظ وهم يريدون الصورة التي تحدث في المعنى والخاصة التي حدثت فيه))[117]. وبهذا يكون انتصار عبدالقاهر الجرجاني – في إطار قضية اللفظ والمعنى – إنما هو في حقيقته انتصار ضمني للصورة الشعرية[118] كما يرى محمد مصطفى هدارة[119]. والجرجاني نفسه انتقد أولئك الذين ((جهلوا شأن الصورة... فقالوا إنه ليس إلا المعنى واللفظ ولا ثالث))[120]، وهو في الحقيقة انتقاد ضمني لمن يفصل بين اللفظ والمعنى. وأما المعنى الذي يؤخره عبدالقاهر وينتصر للفظ – بمعنى الصورة – عليه فهو المعنى مجرداً من الشكل، ومن هنا رأيه استحالة معرفة مكان الفضل والمزية في الكلام الأدبي إذا كانت نظرتنا فيه إلى مجرد معناه[121] إذ المعول عليه في أدبية النص أو شعريته ليس المعنى كما يرى عبدالقاهر، وإن كان هذا المعنى أدباً وحكمة وغريباً نادراً مع شرف هذه المعاني. المعول عليه هو الإِطار أو القالب الذي قدم فيه المعنى ملتحماً به ومنسجماً معه هو الصورة: صورة العمل الأدبي المتخلقة من ألفاظه ومعانيه ومن أدوات هذا التخلق وطرقه الفنية، هو الصورة التي انتهى إليها النص الشعري بعد أن انصهرت أشياؤه في مُفاعَل التكوين الإِبداعي العجيب.

بعد هذه الجولة التي نعدها ضرورية لتفهم رؤية عبدالقاهر الجرجاني إلى أبيات كثير، ومعينة – أيضاً – على تصور أبعاد تناوله إياها – نصل الآن إلى تتبع هذا التناول وتفحص تلك الرؤية. ونعتقد أنهما تناول ورؤية يقفان في مستوى مقاربات النص الجادة، هذه المقاربات التي تحترم النص ولا تقنع منه بالمرور العابر أو بالنظرة العجلى التي لا تخترقه وتجسه في كل جوانبه. وإذا كانت مقاربة النص تتحقق – كما يقول تودوروف[122] – بعدة طرق منها البقاء داخله، ومنها قراءته باعتباره نظاماً تسعى هذه القراءة إلى توضيح علائق شتى أجزائه، ومنها استغلاليته فإن عبدالقاهر سعى قريباً جداً من هذه المقاربات التي نرجو أو تتكشف من خلال وقوفنا على بعض لمساته النقدية للأبيات، لكنا نشير الآن إلى مقاربة استغلالية النص لنقرر في البداية أن عبدالقاهر استغل نص كثير من أكثر من شيء حتى في الانتفاع به وتوظيفه في خدمة ((نظرية النظم)) التي ينتصر لها في العمل الأدبي، فتناوله لهذا النصر جاء في أعقاب حديثه عن بيت الفرزدق:
وما مثله  في  الناس  إلا  مملكاً        أبو أمه حيُّ أبوه يقاربه[123]
والذي يُضرب به المثل – كما يقول – في تعسف اللفظ. وتعسف اللفظ هذا في رأي الجرجاني لم يكن بسبب لفظه مجرداً ((من حيث أنك أنكرت شيئاً من حروفه أو صادفت وحشياً غريباً، أو سوقياً ضعيفاً))[124] وإنما كان ((لأنه لم يرتب الألفاظ في الذكر على موجب ترتيب المعاني في الفكر، فكد وكدر، ومنع السامع أن يفهم الغرض إلا بأن يقدم ويؤخر، ثم أسرف في إبطال النظام، وإبعاد المرام، وصار كمن رمى بأجزاء تتألف منها صورة، ولكن بعد أن يراجع فيها باباً من الهندسة، لفرط ما عادى بين أشكالها، وشدة ما خلف بين أوضاعها))[125]، فواضح أنه نظر إلى بيت الفرزدق هذا في ضوء نظرية النظم وفي إطارها الذي أشرنا إلى أنه يستوعب صورة العمل الأدبي المتخلقة من ألفاظه ومعانيه ومن أدوات هذا التخلق وطرقه الفنية، إن توعر اللفظ أو تعسفه في بيت الفرزدق لا تكمن أسبابه في ألفاظ البيت من حيث هي ألفاظ مجردة إذ لا غرابة فيها ولا وحشية ولا ضعف أو سوقية، السبب هو في تهافت البناء الفني وفي تباعد أجزاء الصور وعلائق النظم، ولهذا نجده بعد بيت الفرزدق يعرض من ناحية تعارضية أبيات ((ولما قضينا)) ليصحح النظرة النقدية الأخرى تجاه هذه الأبيات، تلك النظرة التي ترى جمال الأبيات في ألفاظها فحسب، ففي رأيه أن من أثنوا على الأبيات واستحسنوها بسبب ألفاظها، كانوا واهمين بسبب تسرعهم في الحكم، ولو تأملوا وروّوا لأدركوا أن هذا الجمال يكمن في شيء آخر وراء هذه الأبيات، يكمن في النظم أو الصورة في أوسع معنى لهما وأشمله عنده.
وأول ما يستهل به عبدالقاهر رؤيته للأبيات[126] هو التأكيد على قاعدة نقدية لابد من الإِيواء إليها في نقد العمل الأدبي، وهي التفكير، وحسن التأمل، وعدم التسامح أو التساهل في إطلاق الأحكام ((راجع فكرتك، واشحذ بصيرتك، وأحسن التأمل، ودع عنك التجوز في الرأي))[127]. وهذه قاعدة تجعلنا نعد عبدالقاهر – دون شك – من هؤلاء النقاد الذين دعوا إلى مقاربة النص بمعايشته وتعمقه دليلاً على احترامه وربما عشقه. ثم بعد هذا يلفت الأنظار إلى أن جمال الأبيات يعود – في جوهره – إلى جملة أشياء أجملها في الاستعارة الصائبة، والترتيب الحسن، والسلامة من الحشو ومن التقصير[128]، كأن يريد أن يقول هنا: إن هذه الأبيات تلبست بالجمال ولبست الحسن بتكاملها المنتظم أو انتظامها المتكامل. وبعد هذا الإِجمال يشرع في التعليل لما أطلقه من أحكام فيبدأ بالبيت الأول:
ولما قضينا من منى  كل  حاجة        ومسح بالأركان من هو ماسح
وما في شطره الأول من بعد عن التقريرية والحشو والتفاصيل التي تفسد الشعر، وذلك أنه ((عبر عن قضاء المناسك بأجمعها، والخروج من فروضها وسننها، من طريق أمكنه أن يقصر معه اللفظ، وهو طريقة العموم))[129]، باستعماله عبارة ((كل حاجة)) فلم يحتج إلى سرد هذه المناسك ومالها من فروض وسنن. ورغم استفادة الجرجاني النقدية الجيدة من عبارة ((كل حاجة)) إلا أنها استفادة محدودة مقارنة بما فعله ابن جني، فالفضاء الذي غزاه ابن جني بهذا الشطر أرحب وأطرف ألواناً. ثم ينتقل الجرجاني إلى الشطر الثاني:
ومسح بالأركان من هو ماسح
محاولاً تبصيرنا بطريقة التعبير الفنية التي اكتسب بها شعريته وهي الإِشارية والإِيحائية، فالمسح بالأركان هو إشارة إلى طواف الوداع وهو في الوقت نفسه إشارة إلى المسير وإيحاء به[130]، أو هو كما عبر ابن طباطبا ((استشعار قائله لفرحة قفوله إلى بلده وسروره بالحاجة التي وصفها، من قضاء حجه وأنسه برفقائه ومحادثتهم))[131]، وقد يكون الجرجاني اطلع على ما قاله سلفه، ومهما يكن فقد أدرك البعد النفسي في مضمون الأبيات. ويبدو أن الجرجاني هو من هؤلاء النقاد الذين يحاولون استنزاف طاقات النص التعبيرية فقد استوقفه قول كثير:
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا
وخاصة منه لفظة ((أطراف)) ومالها أو فيها من إيحاءات دلالية، يقول في هذا الصدد: ((ثم دل بلفظة)) ((الأطراف)) على الصفة التي يختص بها الرفاق في السفر، من التصرف في فنون القول وشجون الحديث، أو ما هو عادة المتطرفين من الإِشارة والتلويح والرمز والإيحاء، وأنبأ بذلك عن طيب النفوس، وقوة النشاط، وفضل الاغتباط، كما توجبه ألفة الأصحاب، وأنسة الأحباب، وكما يليق بحال من وفق لقضاء العبادة الشريفة ورجا حسن الإِياب، وتنسم روائح الأحبة والأوطان، واستماع التهاني والتحايا من الخلان والإِخوان))[132] ومع أننا لا نستبعد أن يكون الجرجاني قد استفاد – أيضاً – مما قاله ابن جني في هذا إلا أنه قد اعتصر هو الآخر الأبعاد الدلالية لكلمة الأطراف في إطار علاقات النص، وفي إطار مرجعيته المضمونية أو الظرفية التي قيل فيها وأيضاً في إطار مرجعيته النفسية التي عايشها مُنشؤه سواء في شكل رغبة شريفة تحققت أو آمال يحلم بتحققها من مثل ما ذكره الجرجاني نفسه عن كلمة ((أطراف)).
ويظهر أن الجرجاني مأخوذ ومعجب إعجاباً واضحاً بالصورة الاستعارية أو الاستعارة التصويرية في قول كثير: ((وسالت بأعناق المطي الأباطح)) فعنده أن هذه الاستعارة كمثل التاج للأبيات، وأن كُثيراً أضاف بها إلى نصه حسناً وجمالاً بسبب ما وفق إليه من دقة وإحكام في تأليفها ((ثم زان ذلك كله باستعارة لطيفة طبق فيها مفصل التشبيه))[133] ولعل إعجاب الجرجاني بهذه الاستعارة هو ما دفعه إلى تناولها بالتحليل ليس في أثناء تناوله أبيات كثير في كتابه (أسرار البلاغة) فقط، وإنما في كتابه الآخر (دلائل الاعجاز)[134]، ففي هذه التناولات لم يكتف عبدالقاهر بإطلاق حكمه، وإنما سعى بثقة إلى كشف الأسرار الجمالية في هذا الاستعارة، وهو سعي نكبر من أجله الجرجاني وأمثاله من رواد النقد القدامى الذين أدركوا قيمة التعليل في الأحكام النقدية، فعدا ما ذكرناه من دقة التأليف وإحكامه بوصفهما أحد الأسرار وراء جمال تلك الاستعارة، ينبهنا الجرجاني إلى سر آخر يكمن في الترابط بينها وبين الشطر السابق ((أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا)) فقول الشاعر: وسالت بأعناق المطي الأباطح)) تأكيد – في رأيه – وتوضيح لقوله: ((أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا)) ذلك أنه يرى أن السير السهل السريع (الذي توحيه الاستعارة) زاد في نشاط الركبان فأخذوا بينهم بأطراف الأحاديث[135] بخلاف ابن الأثير الذي رأى – كما عرفنا في موضع سابق - أن لذة الحديث هي ما شغل الركبان عن إمساك الأزِمَة فاسترخت عن أيديهم فأسرعت المطايا. ومهما يكن السبب والمسبَّب فالرجلان قد نجحا في إدراك إحدى علائق النص المهمة. والفرق بينهما هو أن عبدالقاهر جعل شطر الاستعارة ((وسالت بأعناق المطي الأباطح)) هو المحور الرئيس في النص في حين أن ابن الأثير يرى أن ((أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا)) هو ذلك المحور. لقد حرص كل منهما أن ينطلق في تعليله من منطلق واقعي إضافة إلى الذوقي دون شك غير أنني أحس ميلاً إلى توجه ابن الأثير لإِحساس آخر بأن ((أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا)) تبدو هي بؤرة الاستقطاب والانطلاق في الوقت نفسه لعلاقات النص أو هي بنية النص الكبرى المسؤولة – فيما يبدو – عن تماسكه. ثم إن السياق التعاقبي لأحداث النص تُرجح هذا التوجه. وسر ثالث يأتي وراء إعجاب الجرجاني باستعارة كثير وهو هذه الخصوصية[136]، أو الخاصية[137] التي يرى الجرجاني – بأن أسند الفعل ((سال)) إلى الأباطح لا إلى المطي ثم بتعدية هذا الفعل بالباء لا بفي، ثم بإدخال هذه الباء على الأعناق التي أدخلها في البيت. ولو لم ينهج الشاعر هذا (التكتيك) الفني واكتفى بقوله: سالت المطي في الأباطح، لفارقت الاستعارة – في رأي عبدالقاهر – دقتها ولطفها وخصوصيتها وغرابتها[138]. ولعل من أهم أسباب جمالية هذه الاستعارة رمزيتها للحركة وإيحائيتها بها. ويَعد عبدالقاهر كلمة ((أعناق)) في قول الشاعر ((بأعناق المطي)) دون قوله ((بالمطي)) الرمز الأقوى لحركية الصورة لأن السرعة والبطء – كما يقول – يظهران غالباً في الأعناق[139] وإذا كانت كلمة ((أعناق)) رمزاً لحركية الصورة وإيحاء بها، فإن هناك كلمة أخرى يراها عبدالقاهر تولت وظيفة التحديد لنوعية هذه الحركة وكيفيتها وهي كلمة ((سالت)) فهي رمز آخر ولكن لسرعة الحركة (السير) مصحوبة بالسهولة والليونة والسلاسة، أو كما يقول الجرجاني نفسه: ((وأخبر بعد بسرعة السير، ووطاءة الظهر، إذا جعل سلاسة سيرها بهم كالماء تسيل به الأباطح))[140].

يبدو أن رحلتنا مع عبدالقاهر الجرجاني قد طالت، لكن إحساسنا بهذا الطول لم يكن حاداً ولا مملاً، ففي الرحلة متعة النقد وفائدته اللتان أفدناهما منه، إلى جانب الصبر عند النقد والإِخلاص فيه، وإلى جانب ما لمسناه عنده من مجاهدة نقدية تطبيقية حاول بها ومن خلال أبيات كثير التدليل على ما يذهب إليه من أن سر جمال النصوص الأدبية إنما يكمن في النظم، في انصهار الشكل والمضمون والتحامهما بعضهما مع بعض، في أبيات كثير لا وجود مستقلاً للمعنى كما لا وجود مستقلاً للفظ، وهؤلاء الذين أرجعوا جمالها إلى اللفظ إنما هم – في رأيه – متسرعون واهمون. ولهذا تساءل – في استغراب وإنكار – بعد تحليله النقدي للأبيات قائلاً: ((هل بقيت عليك حسنة تحيل فيها على لفظة من ألفاظها[141]؟!)) بل إنه يرفض أن يُجعل من الألفاظ وحسنها قياساً أوحدَ لمثل أبيات كثير، إذ من حق هذا اللون من الشعر – كما نفهم من قول الجرجاني[142] – أن يتخذ دليلاً على تناصر المعاني، وتفاعلها بعضها مع بعض، ودليلاً على تزايد حسنها بتناسق أشكالها، وبالبراعة في صياغتها على نسق خاص طبقاً لما بينها من تقارب فكري ساعة الإِبداع، وتجاور أو تجانس ساعة التلقي.
ونود أن نذكر – قبل الفراغ من هذا المبحث – أن من النقاد القدامى من تناول الصورة الاستعارية في ((وسالت بأعناق المطي الأباطح)) مثل القاضي الجرجاني (ت366هـ) في الوساطة[143]، ومثل العباسي (ت963هـ) في معاهد التنصيص[144] لكن تأول هذين جاء محصوراً في إطار الصورة الاستعارية كما أشرنا حين اجنزأا البيت المشتمل على الاستعارة فتحدثا عنها. هذا من جانب، ومن جانب آخر فقد كان حديث القاضي الجرجاني عنها من جنس النقد الوصفي المفتقر إلى التحليل والتعليل إذ قال: ((فإذا جاءتك الاستعارة كقول ابن الطثرية))[145].
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا        وسالت بأعناق المطي الأباطح
فقد جاءك الحسن والإِحسان، وقد أصبت ما أردت من إحكام الصنعة وعذوبة اللفظ))[146] ولعل القاضي الجرجاني أراد أن يشير بقوله ((إحكام الصنعة)) إلى سلامة البيت وخلوه من حشو الكلام ومما لا فائدة للشعر في ذكره، فقد أدرج البيت في قسم ((الحشو في الشعر)) وما أشار إليه الجرجاني القاضي هو ما نص عليه صراحة الجرجاني عبدالقاهر كما مر بنا، أما حديث العباسي عن الاستعارة فلا نلمس فيه جديداً غير ما قاله عبدالقاهر فيها، أي إن ما قاله العباسي هو ما قاله عبدالقاهر إما بحرفه وإما بمعناه، تلك كانت طريقة العباسي والقاضي الجرجاني في تناولهما استعارة كثير، وتلك كانت رؤيتهما إليها: رؤية مجتزئة في بعضها لم تحلل ولم تعلل، ومكررة لم تضف في بعضها الآخر. ولقد ذكرنا ما قاله هذان الناقدان ليتضح لنا ما تميز به تناول عبدالقاهر لاستعارة كثير تلك، وهو أن تناوله هذا جاء امتداداً لرؤيته الأبيات في إطار الصورة بمفهومها الشامل عنده، وفي شكل متكامل البناء والنظم. ونرجح أن هذا قد أتى متوافقاً مع إحدى رؤاه النقدية التي يتجاوز فيها في بعض الحالات حدود البيت إلى النص كاملاً متكامل الإِبداع، أو ما يمكن أن نسميه وحدة النص الإِبداعية، هذه الوحدة التي لا تتيسر إلا بتلاحق أجزائها وانضمام بعضها إلى بعض كما يرى عبدالقاهر: ((واعلم أن من الكلام ما أنت ترى المزية في نظمه والحسن كالأجزاء من الصبغ تتلاحق وينضم بعضها إلى بعض حتى تكثر في العين، فأنت لذلك لا تكبر شأن صاحبه ولا تقضي له الحذق والأستاذية وسعة الذرع وشدة المنة (القوة) حتى تستوفي القطعة وتأتي قدمها. وكون عبدالقاهر لم يعتمدها قاعدة نقدية في جميع الحالات لا يقلل من قيمتها، فهو واقع كثيره في أسر وحدة البيت وتكفيه هذه الإِضاءة التي أحدث بها انفراجاً في هذا الأسر وإرخاءً له[147].
(2) وممن وقفوا عند الأبيات ابن رشد (ت595هـ) في تلخيص كتاب أرسطو في الشعر. ولم يكن وقوفه طويلاً، ولكنه وقوف يشكل رؤية نقدية أو تذوقية جديرة بالتسجيل. والمناسبة هي قول أرسطو – كما لخصه ابن رشد: "والقول إنما يكون مختلفاً، أي مغيراً عن القول الحقيقي، من حيث توضع فيه الأسماء متوافقة في الموازنة والمقدار، وبالأسماء الغريبة وبغير ذلك من أنواع التغيير. وقد يستدل على أن القول الشعري هو المغير أنه إذا غير القول الحقيقي سمي شعراً أو قولاً شعرياً، ووجد له فعل الشعر"[148].
ثم مثل (ابن رشد) لذلك ببيتي كثير:
ولما قضينا من منى  كل  حاجة        ومسح بالأركان من هو ماسح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا        وسالت بأعناق المطي الأباطح
وعلق على البيتين بقوله: ((وإنما صار شعراً من قبل أنه استعمل قوله: أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا وسالت بأعناق المطي الأباطح، بدل قوله: تحدثنا ومشينا))[149].
ابن رشد يقر لأبيات كثير بالشعرية وبأن لها فعل الشعر وأنها من الأشعار المحركة ((وأنت إذا تأملت الأشعار المحركة وجدتها بهذه الحال – يشير إلى حالة الأبيات التي استشهد بها، وأبيات كثير من ضمنها – وما عدا من هذه التغييرات فليس فيه من معنى الشعرية إلا الوزن فقط))[150] فمن أين اكتسبت ((ولما قضينا)) شعريتها؟؛ كما نلحظ من رؤية ابن رشد، لم تتلبس الشعرية هذه الأبيات بسبب معنى مفيد تحويه أو فكر تتضمنه، وهذا يلفت الانتباه، فابن رشد يُحسب من المفكرين الذين يُتوقع تَطلُّبهم في الشعر فكراً أو معنى مفيداً. وإنما اكتسبت الأبيات شعريتها عنده بابتعادها عن المباشرة التعبيرية. نفهم هذا من تعليقه السابق: ((وإنما صار شعراً من قبل أنه استعمل قوله: أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا وسالت بأعناق المطي الأباطح، بدل قوله: تحدثنا ومشينا)) فالعبارة الأولى ((أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا)) ابتعدت عن المباشرة بإيحائيتها، وابتعدت الثانية باستعارتها. الأبيات عند ابن رشد لا تختزن معنى محدداً مفيداً ولكنها محركة تخلق انطباعات وأحاسيس مما يذكرنا بواحد من مبادئ الرمزيين في الشعر. وابن رشد لم يتناول الأبيات في إطار قضية اللفظ والمعنى كما فعل كثير من القدامى. وشعريتها عنده لم تكن بسبب لفظ أو معنى وإنما بسبب أسلوبية تعبيرية خاصة نقلتها عن القول الحقيقي إلى الشعري وأوجدت لها فعل الشعر. وهذا مقياس يقربه من ميدان عبدالقاهر الجرجاني الذي لا يرى جمال الشعر في الألفاظ فقط أو في المعاني فقط وإنما في تلك الطريقة التعبيرية الخاصة التي يطلق عليها ((النظم)).

بهذا نصل إلى نهاية رؤية النقد العربي القديم إلى أبيات كثير. ونقر أن ما يثير الإِعجاب منها موقفان لا يخلوان من تشابه وهما موقفا ابن جني وعبدالقاهر الجرجاني من الأبيات وطريقة تناولهما إياها. هذا التناول الذي يدفعنا إلى الزعم بأن هذين الناقدين يلتقيان مع الأسلوبيين أو يلتقي معهما الأسلوبيون في غير واحدة من سمات النقد الأسلوبي[151]، فكلاهما استفاد كثيراً من توظيفه أو عدّه اللغة أحد الأبعاد المثرية والمثمرة لدراسة النص. وكلاهما أخضع الأبيات للتحليل، والبحث عن العلاقات بين الدوال والمدلولات بعيداً عن الوصف والمعيارية الجامدة. كلاهما بحث عن المعنى، بل درس ((طريقة التعبير)) عن الفكر من خلال اللغة. وكلاهما قام برصد انحراف عن المألوف في التعبير: ابن جني رصد لنا انحرافاً في ((أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا)) عما هو مألوف في ذكر الحديث مرسلاً لو قال: ((أخذنا في أحاديثنا)) فقد قيد الأحاديث بأطراف، وهو مما جسد للنص معنى عالياً متقدماً في النفوس كما يقول ابن جني[152]. والجرجاني رصد لنا انحرافاً في ((سالت بأعناق المطي الأباطح)) حين أسند الفعل ((سال)) إلى الأباطح لا إلى المطي لو قال ((سالت المطي في الأباطح)) إذ لو فعل لكانت استعارة عادية مألوفة. وإذا كان النحو عملية أساسية في الرسالة الإِبداعية كما يرى الأسلوبيون[153]. وفإن عبدالقاهر يتخذ من النحو متكأً رئيساً لنظريته في النظم وكلاهما اعتصر إمكانات النص التعبيرية مقدمةً وتفسيراً في الوقت نفسه لجمالياته، وفاعلياته ووظائفه، وهذا شيء حفظ له (النص) رواءه ونضارته. وأخيراً فكلاهما اندمج في النص وأبدى معه تعاطفاً واضحاً سهل لهما الولوج إلى أعماقه واكتشاف كثير من أسراره. ولا أنسى أن أنوِّه – أيضاً – ببعضٍ من تناول أبي هلال العسكري الأبيات؛ فقد أجالها في أفق نقدي دفعني إلى التساؤل عما إذا كان هذا الناقد العباسي يُعد سابقة بنيوية[154] في النقد العربي القديم، بل إنني أتساءل أمام رؤى هؤلاء النقاد الثلاثة مجتمعين عما أبقوه في أبيات كثير لنقادنا بعدهم في العصر الحديث.

الفصل الثاني – في النقد الحديث
لم تشغل أبيات ((ولما قضينا...)) نقاد العرب المتقدمين وحدهم، فقد انشغل بها أيضاً النقاد العرب المحدثون. ولولا موقف عبدالقاهر الجرجاني المضيء لقلنا إن تناول القدماء للأبيات كان واقعاً كله في دائرة قضية اللفظ والمعنى وأيهما يكمن وراء الأعمال الأدبية. أما تناول المحدثين من نقادنا فقد جاء إما في سياق التأريخ للنقد الأدبي وإما من خلال بحوث ودراسات لقضايا هذا النقد، ولست أزعم أني أحيط بكل هؤلاء النقاد الجدد الذين تناولوا أبيات كُثَير، أو أني قد اطلعت على كل ما كتب عنها في النقد الحديث فربما فاتني منه شيء. لكن ما اطلعت عليه في الموضوع شيء لافت للنظر، ومثير للتساؤل، ومغرٍ بالبحث مثله مثل ما وقع تحت عيني في النقد القديم.
ولأن رؤية النقد الحديث تبدو متشابهة ومتداخلة ويصعب بسبب هذا تقسيمها تحت عناوين أو مسميات محددة مثل ما فعلنا مع النقد القديم – فإنني سأتناول رؤية أو تناول كل ناقد حديث على حدة للسبب الذي ذكرته، وحتى تسهل متابعة هذا التناول ومناقشته والتحاور مع صاحبه إن رأيت لذلك حاجة.
ولأني لست متأكداً من النسق الزمني الذي ينتظم هذه التناولات الحديث فسأعول على ما أرجح أسبقيته استئناساً بتاريخ طبعات المراجع. وأحمد الشايب – فيما يبدو – هو أول هؤلاء الكوكبة من النقاد ولهذا سنستهل به هذا المبحث.

1- تعرض الشايب لأبيات كُثَير في كتابه (أصول النقد الأدبي) ثلاث مرات: مرة في فصل عن الذوق الأدبي وأخرى في فصل عن العاطفة وأخرى عن الحقيقة كموضوع للأدب. ولم يشأ أن يقف طويلاً في المرة الأولى عند الأبيات فقد اقتصر على القول بأن ابن قتيبة عجز عن تبين أسرار جمالها الأدبي، وأنه غفل عن العاطفة الصادقة والخيال الجميل[155]. وقد كرر في وقفته الثانية ما قاله في الأولى من أن الأبيات تختزن عاطفة قوية وشعوراً صادقاً وخيالاً بارعاً، غير أنه أضاف إلى هذا شيئاً آخر هو قوة الأسلوب، وأن هذا كله وخاصة قوة الشعور يعوض ما تفتقده الأبيات من المعاني الفلسفية أو المبتدعة[156]. أما في وقفته الثالثة فقد كرر – أيضاً – ما قاله في وقفتيه الأولى والثانية وهو توافر صدق الشعور وحسن الخيال في الأبيات، كما كرر انتقاده لابن قتيبة بأنه ((لم يحسن تحليل هذه الأبيات فمسخها مسخاً شنيعاً وذهب بأصل جمالها الذي تراءى منه شيء في الألفاظ وغفل عن باقيه))[157] غير أنه أطال في هذه الوقفة شيئاً ما حين وضح بعض مظاهر النص العاطفية والخيالية.

أحمد الشايب إذن، أي من خلال هذه الوقفات الثلاث يرى أن سر جمال الأبيات يتركز في عنصرين اثنين هما العاطفة والخيال، فعنده ((أن الجديد في الشعر هو التصوير الخيالي للعواطف لا التعبير اللغوي عن الفلسفات وليس الغرض منه التعليم بل التأثير))[158] وفي مجال تدليله على توافر هذين العنصرين ((العاطفة والخيال)) في الأبيات ذكر أشياء أشار إليها ثلاثة من النقاد القدماء أنفسهم وهم ابن جني وابن طباطبا وعبدالقاهر الجرجاني مثل أمل الحاج في المغفرة بعد أداء الحج، والشوق إلى الوطن، والتآلف الذي يجمع بين المسافرين ومثل الكناية أو الرمز بمسح الأركان للانتهاء من المناسك، ويشد الرحال على متون الإِبل للاستعداد للعودة[159]، وأحسب أن الأستاذ الشايب أراد أن يؤكد – بما قاله – شعرية الأبيات التي تعرضت للانتقاص من قبل بعض النقاد الأقدمين، إذ الشعرية – كما نفهم من كلامه – لا تجسدها المعاني الذهنية. ومعنى الشعر ليس بالضرورة ذهنياً فهناك النفسي والشعوري بل إنه بهذين ألصق وأليق. ولا يبدو أن هذا الناقد الحديث رغم هذه الإِدراكات الجيدة التي نسجلها له قد أضاف شيئاً ذا قيمة نقدية إلى ما قاله القدامى خاصة الثلاثة الذين ذكرناهم قبل قليل. وهو نفسه – بمنهجيته العملية – يرى ذلك ويقره حين قال: إن عبدالقاهر الجرجاني جاء فتعقب ابن قتيبة ((وبين ما في الأبيات من صدق الشعور وقوته التي أثمرت جمال التعبير وروعة الخيال وإن لم تشتمل على حقائق حكمية كما يود ابن قتيبة))[160]. وحين قال بعد أن أشار إلى مظاهر العاطفة والخيال في الأبيات: ((وهذه هي الحقيقة الأدبية التي غفل عنها ابن قتيبة وأدركها الجرجاني))[161].

(2) كما وقف – دون إطالة – عند الأبيات محمد مندور في كتابه (النقد المنهجي عند العرب) وذلك في معرض حديثه عن ابن قتيبة، وتحديداً في الموضع الذي يبين فيه ما يقصده ابن قتيبة بالمعنى. يقول مندور: ((وبمراجعة الأمثلة التي أوردها (ابن قتيبة) يظهر أنه يقصد بالمعنى إلى أحد أمرين:
1- فكرة.
2- معنى أخلاقي.
فأما الفكرة فبدليل أنه ينتقد الأبيات الآتية (ولما قضينا) لخلوها فيما يقول من كل معنى مفيد)) ثم يورد مندور الأبيات ويتابع قائلاً: ((إذ من الواضح أن هذه الأبيات الجميلة التي نثرها ابن قتيبة... لا تحمل أية فكرة، وإنما هي تصوير فني رائع استطاع عبدالقاهر الجرجاني أن يدرك جماله فيما بعد، ويدل على ما فيه من صور أخاذه وخصوصاً في الشطر الأخير)) وسالت بأعناق المطي الأباطح))[162].
هذا هو كل ما قاله مندور عن الأبيات. ولا أعتقد أن الموضع الذي تناولها فيه يستدعي التحليل أو الإِطالة، لكن شيئاً يلفت الانتباه في كلامه، وهو موافقته ابن قتيبة في أن الأبيات لا تحمل أية فكرة! ففي مثل هذا مزلق إلى الفصل بين الشكل والمضمون، وفيه ما يوهم بأنه (مندور) غفل عما في الأبيات من معنى نفسي خاصة أنه في تعليقه على الأبيات ركز على ما فيها من جانب تصويري ولم يشر إلى تلك المضمونات أو الأفكار النفسية أو الشعورية التي أدركها كل من ابن طباطبا وابن جني والجرجاني عبدالقاهر. فهل نقول بسبب هذا: إن مندوراً – من ناحية معاكسة وقع فيما وقع فيه ابن قتيبة من تحديد للمعنى الشعري وتضييق له؛ أما ابن قتيبة فحين حصر معاني الشعر في الحكمة والأخلاق ونحوهما. وأما مندور فحين جرد الأبيات من أية فكرة ناسياً أو غافلاً عما تفيض به من معانٍ عن مثل هذه البدهيات النقدية، ثم أن ما نرجحه هو أنه لم يعنِ بالفكرة التي جرد أبيات كُثَيِّر منها الفكرةَ على إطلاقها، وإنما عنى الفكرة الذهنية أو الفلسفية. أما الشيء الذي نؤكده مطمئنين فهو أن الدكتور مندوراً في تناوله الأبيات لم يضف جديداً نقدياً، وهو ما يقرره نفسه عندما أكد أن ما في الأبيات من تصوير فني رائع أخاذ – استطاع عبدالقاهر الجرجاني أن يدرك جماله فيما بعد[163].

(3) وممن تناولوا أبيات ((ولما قضينا...)) سيد قطب في كتابه (النقد الأدبي: أصوله ومناهجه) وكان تناوله في مبحث عن ((القيم التعبيرية)) وعلى الرغم من أنه لم يطل وقفته عند الأبيات ذاتها تحليلاً أو تقويماً إلا أن السياق الذي تناولها فيه يختزن من الرؤى النقدية والفنية ما يسم هذه الوقفة بالعمق والثراء والمردودية. كل هذه أشياء تنقل صاحبها إلى صف أولئك النقاد الذين يحتفلون بالنص، ويحتفون به، ويؤانسونه، ويتنسمون معناه حتى يبوح بمكنونه وسره.
أبيات كُثَيِّر في رأي قطب ذات مضمون شعوري لا ذهني. ولكل من هذين تعبيره الخاص؛ ينفرد الأول بتعبيره الأدبي والثاني بتعبيره العلمي ((وإذا كانت ميزة التعبير العلمي والتعبير الفلسفي هي دقة الدلالة الذهنية للعبارة، فميزة التعبير الأدبي هي الظلال التي يخلفها وراء المعاني، والإِيقاع الذي يتسق مع هذه الظلال، ويتفق في الوقت ذاته مع لون التجربة الشعورية التي يعبر عنها، ومع جوِّها العام))[164]. ومن هذا المنطلق يذهب قطب إلى أن الدلالة المعنوية للعبارة ما هي إلا عنصر واحد من عناصر دلالتها، بل كثيراً ما تكون أصغر عنصر في العمل الأدبي، ولهذا لا يجوز أن نكتفي بها[165] عند تقويم نص ما. ومن هنا جاء نقده لابن قتيبة وأبي هلال العسكري بسبب طريقتهما في نثر الأبيات – لأنها – في رأيه – ألغت قيماً تعبيرية مهمة مثل التناسق والإِيقاع والظلال والصور ولم تُبق سوى المعنى الذهني العام[166]، في حين أن هذه القيم مؤثرات يكمل بها الأداء الفني[167]. ولا يريد قطب لهذه القيم أن تنفصل أو تتجزأ في العمل الأدبي فهي ((كلها وحدة في العمل الأدبي يصعب انفصالها)). وهذا القول يذكرنا بالمنهج الإِجرائي الذي سلكه عبدالقاهر الجرجاني في نقده التطبيقي للأبيات والذين قلنا عنه إنه يطبق ما أسميناه بالوحدة الابداعية للنص. ومع أن سيد قطب قد التقى الجرجاني بشكل ما أو في منعطف ما إلا أننا لا نحس أن سيداً كرر سلفه، فلسيد قطب رؤيته المستقلة تجاه الأبيات، تلك الرؤية المتكئة إلى نظرية نقدية تثري العمل الأدبي وتستدره بتوظيفها كل جزئياته في كشفه وإدراك سر جماله.
لم يحدثنا سيد قطب حديثاً صريحاً عن سر جمال الأبيات لكنا نستشف أن القيم التعبيرية ومجيئها معادلاً فنياً للقيم الشعورية في أبيات كُثَيِّر هي السبب الرئيس لجمالها عنده، خاصة إذا عرفنا أن بيان قيم العمل الأدبي التعبيرية والشعورية هو – عند – واحدة من وظائف النقد كما يقول في مقدمة كتابه[168].

(4) ونلتقي ناقداً وأديباً آخر من هؤلاء الذين استوقفتهم الأبيات وهو إبراهيم العريض، فقد تناولها مرة في كتابه (الأساليب الشعرية) في فصل بعنوان (بين الحكمة والفن) ومره أخرى في كتابه (الشعر والفنون الجميلة) في فصل بعنوان (الألفاظ رموز).
في التناول الأول خطأ العريض من النقاد القدامى من قال عن الأبيات بأنه ليس تحت ألفاظها كبير معنى، ومشيراً إلى أن الشعر ليس حكمة أو معنى ذهنياً فقط إذ قد يكون فناً يحفل بالوصف والصور والعواطف ويزخر بالحياة ((وأي معنى تراهم كانو ينشدون وراء هذه الأبيات أكثر مما هي حافة به من براعة الوصف إلى افتنان في التصوير إلى حرارة في الشعور؟ إنها لوحة تكاد تنبض بالحياة))[169] ولأن الأبيات قطعة فنية تحمل معنى شعورياً أكثر مما تحمل حكمة أو معنى ذهنياً، فإن السبيل الوحيد لتقديرها وتذوقها – كما يرى – هو ((القلب بالتجاوب الشعوري لا ما يشعه العقل بالتجرد الذهني))[170]. هكذا كان تناول إبراهيم العريض لأبيات كُثَير: نقد لرؤية النقاد القدامى إليها. وإشادة بما فيها من فنية جسدتها بارعة الوصف، وروعة التصوير وحرارة الشعور، لكن شيئاً يلفت النظر في حديث العريض عن الأبيات وهو تركيزه على نبض الحياة في الأبيات؛ فقد قال مرة: ((إنها لوحة تكاد تنبض بالحياة))[171]. وقال ثانية: ((هذا الإِحساس الناعم بالحياة التي تفيض به القطعة فيضاً))[172]، وقال ثالثة: ((إنها – قيل كل شيء قطعة فنية لا تستهدف غاية أبعد من الحياة))[173]. وأعترف أنني أكاد أقف عاجزاً عن استبانة ما يقصده بمثل هذه التعبيرات فهي – في رأيي – من التعبيرات النقدية الغامضة التي لا تضع أيدينا على شيء واضح أو موحٍ على الأقل، إلا أن يكون قد قصد بهذه الحياة تلك الحركة التي تسري في الأبيات، وفي الحركة – على أية حال – حياة ورمز لهذه الحياة، وإلا أن يكون قد عنى هذا الأمل المعانق للمستقبل والذي تومض به الأبيات بما إيماضاً،. والأمل في جوهره إحساس بالحياة بل حياة، ومتى فقد الإِنسان الأمل وتسلط عليه اليأس فقد الحياة في حقيقتها، ألم يقولوا: لا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس؟! فعلى هذا وذاك، أي بما يدب في الأبيات من حركة، وبما يشع فيها من أمل – جاء إحساس العريض بما تفيض وتنبض به من حياة.

هذا عن تناوله الأول، أما في تناوله الثاني عبر كتابه (الشعر والفنون الجميلة) فيقول في سياق هذا التناول: إن اللفظة تستطيع على يد الشاعر ((أن تنقلنا بمجرد تداعي الصور الذهنية الناشئة عنها كلمح البصر في الأذهان إلى أحاسيس لا نتبينها بوضوح ولكنها على غموضها تبعث في النفس إشراقاً وروعة))[174]، ونحسب أن الإِحساس بالحياة الذي ركز عليه في تناوله الأول هو واحد من هذه الأحاسيس التي ذكرها هنا. وإلى جانب تلك الصور وهذه الأحاسيس التي تنقلنا إليها الألفاظ على يد الشاعر وبطريقة خاصة – هناك أيضاً ما يتراءى في أفقها من أشعة وظلال ((ونجد – كما يقول العريض – مصداق ذلك في هذه القطعة الجميلة لكثير عزة، التي وقف منها النقاد حائرين وزماناً طويلاً، فلم يستطيعوا تعليل ما فيها من موطن الفتنة والجمال على وجهه الصحيح إلا منذ قريب))[175]. ونريد أن نقف عند رأيه بأن هؤلاء القدامى لم يستطيعوا تعليل ما في الأبيات من موطن الفتنة والجمال على وجهه الصحيح إلا منذ وقت قريب أي في العصر الحديث فإني لا أميل إلى إطلاق هذا الحكم سواء فيما يتعلق بالقدماء. أما بالمحدثين من النقاد؛ أولاً لأن من القدماء من وضع أيدينا على أكثر من موطن جمالي للأبيات وخاصة ابن جني وعبدالقاهر الجرجاني، ولعل الأستاذ العريض لم يطلع على ما كتباه عن الأبيات. وثانياً لأنا لا نعتقد أن المحدثين قالوا الكلمة الأخيرة والصحيحة في الأبيات، لأن ما قالوه لم يذهب بعيداً عما قال القدماء، ثم إن لكل ناقد رؤيته المستقلة ولكل عصر ذوقه. بقيت نقطة أخرى نضيفها وهي رأيه بأن النقاد الأقدمين لم يفطنوا إلى رمزية الألفاظ في الأبيات[176]، فهذا أيضاً مالم نوافقه عليه فابن جني والجرجاني فطنا إلى هذا وأوضحاه.

(5) ثم نلتقي بدوي طبانة الذي تناول الأبيات في كتابه (دراسات في نقد الأدب العربي من الجاهلية إلى غاية القرن الثالث) وتناوله يأتي في معرض حديثه عن كتاب (الشعر والشعراء) لابن قتيبة.
وطبانة ينضم هو الآخر إلى هؤلاء النقاد – قدماء ومحدثين – الذين انتقدوا ابن قتيبة ومن وافقه في الغض من شأن معاني الأبيات أو توهينها، وفي الغفلة عن نظرتها ((التصويرية التي يحتل الشعر بها منزلته بين الفنون))[177]. ثم يستدرك على هؤلاء بقوله: "ولكنا نرى في ناحية أخرى من يتصدى للدفاع عن هذا الشعر، ويضعه موضعه من الصور الفنية الرائعة التي ازدانت صورها بمحتواها. وفي طليعة هؤلاء أبو الفتح عثمان بن جني"[178].
ويعد أن ينقل بعضاً من أقوال ابن جني عن الأبيات يعلق عليها بقوله: ((وهذا دفاع جيد عن معاني الشعر، وأن جودة مبانيه لا تمنع جودة معانيه...))[179] ونريد أن نقف عند شيئين من تعليقات الدكتور بدوي، أحدهما أنه لم يلفت أنظارنا إلى مظاهر جمالية في الأبيات سوى ما فيها من تصوير انتبه إليه الأقدمون كما يقول بدوي نفسه. وأما الآخر فهو تعليقه على موقف ابن جني من الأبيات بأنه ((دفاع جيد عن معاني الشعر، وأن جودة مبانيه لا تمنع جودة معانيه)). وما نريد أن نقف عنده هو الجزء الأخير من عبارته هذه فصحيح أن ابن جني دافع دفاعاً جيداً بل رائعاً عن معاني الأبيات، كما جاهد بذائقته اللغوية والنقدية في التفتيش عن دقائقها،. لكنا لا نذهب – كما جاهد الدكتور بدوي – إلى أن هذا الدفاع كان في بعض مناحيه دفاعاً عن أن جودة مباني الشعر لا تمنع جودة معانيه إذا العبارة لا تستقيم – في رأينا – منطقياً، ثم إن تتبعنا نقد ابن جني الأبيات لا ينتهي بنا إلى هذه النتيجة بل إلى أن ما كان يدافع عنه هو أن جودة مباني ((ولما قضينا)) وجمال شكلها يشيان بمعانٍ جميلة، فهما مؤشران إلى ما يحويه هذا المبنى من مضمونات تليق به ويليق بها وعلى هذا فعبارة بدوي طبانة تستقيم إذا استبدلنا كلمة ((دليل)) بقوله ((لا تمنع)) فنقول: ((وهذا دفاع جيد عن معاني الشعر، وأن جودة مبانيه دليل جودة معانيه)).

ثم ينهي طبانة وقفته عند الأبيات بالإِشادة بتحليل عبدالقاهر الجرجاني للأبيات وبفهمه العميق لروح الأدب إذ دلّ على وجوه الجمال ومواضع الحسن فيها. وما بفهمه من هذا هو أن رؤيته تتفق مع رؤية الجرجاني وابن جني قبله، ولأننا لم نلمح أية إضاءات نقدية منه فهو كآخرين غير من المعاصرين لم يتجاوزهما.

(6) والعقاد هو – أيضاً – من هؤلاء النقاد المعاصرين الذين تعرضوا لأبيات كُثير، وذلك في مقالة له بعنوان ((في الأساليب)) ولأنه في هذه المقالة يتحدث عن موقفه من السهولة في الأدب والفن، وعن مفهومه لهذه السهولة وأبعادها فقد انتقد من النقاد من أرجع جمال الأبيات إلى سهولتها وصياغتها اللفظية ((بيد أن السهولة – يقول العقاد – لا تجد لها نصيراً أسوأ من أولئك الذين يجعلونها وحدها أساس البلاغة ومحورها ويقولون إنها هي دون المعنى كل ما يطلب من الشعر الرائق والنثر المستعذب، ويوردون على ذلك أبياتاً اتفقت الأذواق على استحسانها والإِعجاب بها ولكنها في زعمهم خلت من المعاني ولا فضل فيها لغير ((الصياغة اللفظية)) وطلاوة العبارة، وأشهر ما يوردون من ذلك قول كُثير))[180] ثم يورد خمسة الأبيات كما هي مروية في (زهر الآداب) ونحسب العقاد ينتقد بهذا أبا هلال العسكري بشكل خاص، فهو أبرز من استشهد بالأبيات على أن جمال الشعر في ألفاظه.
ويرى العقاد أن أبيات كُثير ((من أعذب الشعر وأسلسه، وأنها خلو مما تعود النقاد أن يسموه ((بالمعاني)) في الشعر[181]. لكنه يرى أن موطن استحسانها والإِعجاب بها يتجاوز الألفاظ ((والمعاني)) الذهنية إلى الصور والشعور حين يقول: "فإن في الشعر شيئاً غير الألفاظ ((والمعاني)) الذهنية وهو ((الصور)) الخيالية وما تنطوي عليه من دواعي الشعور"[182].
ثم يشرع في تتبع مظاهر تلك الصور ودواعي هذا الشعور أو بعضها، وإن كانت لا تبتعد في حقيقتها عما أشار إليه ابن جني وعبدالقاهر الجرجاني وابن طباطبا، اللهم إلا ما يراه أن مما يدل على هذه الصور هو ((رائحة السآمة التي تَنَسَّم عليك من قوله ((ومسح الأركان من هو ماسح))... كأنما تمسيح الأركان لم يكن همه الذي يعنيه من تلك الرحلة وكأنه يتوسل به إلى مأرب يشغله عن الأركان ومن يمسحها من الماسحين))[183]. هذا ما يراه العقاد، لكنا لا نحس أن طبقات جو الأبيات تنسم علينا رائحة من هذا النوع، قد تَنَسَّم شجناً واغتراباً وشوقاً أما أن تنسم سآمة فلا شيء في الأبيات – في رأيي – يوحي به.
وإذا كان قول كُثير ((ومسح بالأركان من هو ماسح)) قد تنسمَ على العقاد رائحة من التناقض تتنسم علينا من المقابلة بين عبارتين له في تلك المقالة التي تناول فيها ((ولما قضينا...)) ففي إحدى العبارتين – وهي التي يدافع بها عن الأبيات – قوله الذي سبق أن نقلناه وهو ((فإن في الشعر شيئاً غير الألفاظ ((والمعاني)) الذهنية وهو ((الصور)) الخيالية وما تنطوي عليه من دواعي الشعور)) فواضح أنه في هذه العبارة لا يعد المعاني الذهنية أصلاً في جمال الأدب أو أساليبه، لكنا نقرأ عبارته الثانية وهي ((وفحوى ما تقدم أن الصور الخيالية والمعاني الذهنية هي الأصل في جمال الأساليب في الأدب والفنون))[184] فنحس بانحراف عما قد قرره سابقاً خاصة وأنه يرى أن الأبيات من أعذب الشعر وأسلسه رغم خلوها مما تعود النقاد أن يسموه بالمعاني، وهذا ما جعلنا نحس بهذا التناقض الذي أشرنا إليه. وعلى أية حال، فأهم ما نلحظه في وقفة العقاد عند الأبيات أنه – كما قلنا – لم يبتعد عما قاله الأولون فيها.

(7) وفي فصل بعنوان (بين اللفظ والمعنى) من كتاب (أسس النقد الأدبي عند العرب) تناول – أيضاً – أحمد أحمد بدوي أبيات كُثير، وبدوي لا يتفق مع ابن قتيبة ((في الاستهانة بهذه الأبيات))[185] فمثله مثل عبدالقاهر الجرجاني الذي ((بين – كما يقول بدوي – وجه الجمال فيها[186]. كما يقرر (بدوي) أنها ((لوحة فنية لقوم عائدين إلى أوطانهم))[187]. وفي هذه اللوحة تصوير لتحركات هؤلاء القوم ونشاطهم وشعورهم، كما فيها تصوير للإِبل وسيرها. هذا ما قاله أحمد بدوي عن الأبيات، وهو قول لا نرى فيه أي انحراف عن مسار النقاد المعاصرين الذين لم نجد حتى الآن في وقفاتهم عند الأبيات إلا القليل من الاضافات النقدية المتميزة.

(8) وفي كتاب ((نظرية المعنى في النقد العربي)) تناول الأبيات أيضاً الدكتور مصطفى ناصف. وفي بداية تحليله الأبيات انتقد موقف النقد العربي الحديث منها وذلك في نقطتين رئيسيتين أولاهما هروب أصحاب هذا النقد من صعوبات المعنى إلى لفظ الصورة، وأخراهما هي أن موقفهم هو الموقف القديم نفسه، وإذا كان ثمة فرق فهو في استعمال المصطلحات[188]. وبعد هذا النقد الذي أرى أنه محق فيه يشرع في الحديث عن الأبيات فيرى أن ((من الجائز أن تكون الاستعارة في البيت الأخير (وسالت بأعناق المطي الأباطح) ذات دلالة أسطورية غائرة بحيث تعنى توزع النفس خروج العواطف عند (لعلها عن) حدود الضبط والنظام التام، ومسيل الماء الذي استخدم في التعبير عن العودة، وهي من التصورات الأساسية الثرية في العقل البشري، يصحبه قدر من الإِحساس الكامن بالتوتر))[189]. لم يقطع ناصف بأن الاستعارة ذات دلالة أسطورية فهو يقول ((من الجائز)) ورغم هذا فهو لم يكشف الصلة بين الأبيات ودلالتها الأسطورية المحتملة كشفاً واضحاً يومئ على الأقل إلى هذه الأسطورة. وإذا كان ناصف قد انتقد النقاد المحدثين بهروبهم من صعوبات المعنى إلى الصور فإني أخشى أن يكون قد هرب هو من الصور نفسها مللاً وسأماً أو إحساساً منه بابتذالها في النقد الحديث إلى هذه الدلالة الأسطورية ولا نستبعد أن يكون خروج العواطف عن حدود الضبط والنظام التام بعضاً من توجهات معنى الأبيات وإحدى ثمرات نشاطه، كما إن الإِحساس بقدر من التوتر هو مما توحي به، غير أنه ليس توتراً مأساوياً وإنما هو من نوع التوتر الذي يتنفس معه الشاعر متعة ويتأوه تلذذاً. ولهذا لا نجدنا مرتاحين إلى رأيه بأن في الأبيات رنة حزن وألم.

لقد أهَمَّتْ الاستعارة في قول كُثَير ((وسالت بأعناق المطي الأباطح)) مصطفى ناصف. وكان ينطلق في تحللها من نظرية التفاعل التي يلخصها في ((أن الاستعارة عبارة عن فكرتين اثنتين عن شيئين مختلفين تعملان خلال كلمة أو عبارة واحدة تساندهما معاً، ومعنى هذه الكلمة أو العبارة هو الناتج عن تفاعلهما))[190]، ولهذا فهو يرى أنه ((حينما نقول إن الأباطح سالت بأعناق المطي وننظر – ملياً – في فكرة التفاعل التي أهمتنا... نشفق – إلى حد ما – على الإِبل – بعبارة أخرى بدت الأباطح أو لِنَقل الأرض أقوى من المطي. المطي أعناقها تعلو تهبط وتسير على هذا النحو، ولكن الحركة تذوب أو تتلاشى في الأرض. هذا التلاشي لا يظهر في ضوء فكرة المقارنة[191] ظهوره في ضوء فكرة التفاعل))[192] فهو الاستعارة في ضوء نظرية التفاعل هذه جعلت ناصفاً يستشعر الشفقة على الإِبل فالتعبير أو التركيب الأسلوبي يوحي إليه بأن الأباطح أو الأرض أقوى منها. هل كان هذا بسبب أن الأرض احتوت المطي فضعفت بسبب عملية الاحتواء هذه ؟ ربما. ولن يحول تحريك الإِبل أعناقها أو تحركها بأعناقها دون القول بضعفها ما قبل الأرض لأن هذه الحركة أسيرة إطار أرضي تذوب وتتلاشى فيه. ولا نلوم ناصفاً إذا أمن جانب تحليل الاستعارة في ضوء فكرة التفاعل واطمأن إليه وفضله، فهذا التحليل فيما يبدو أكرم باطلاق الرموز وبث الإِشارات للمعاني الإِنسانية، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى نعتقد أنه في إطار فكرة التفاعل تلك ينشط المعنى ويتنامى بقدر أكثر، وربما لهذا علل هو تحليله أو رؤيته للاستعارة في بيت كُثير بقوله ((ومغزى هذا كله أن مسيل أعناق الإِبل أصبح صورة من التطلع المستمر للإِنسان وما يصاحبه من تقدم وتراجع وبدء وإعادة))[193]. لم يقل كُثير بعبارة مباشرة: إن الإِنسان متطلع باستمرار، ولكن هذا التطلع مصحوب باحتمالات النجاح والفشل، والأمل والإِحباط، لم يقل كُثير هذا ولكن مصطفى ناصف عن طريق فكرة التفاعل في الاستعارة تأوله. أفِّق ناصف أم لا ؟ دار ذلك بخلد كُثير أم لا ؟ شيء لا يعنينا كثيراً المهم أننا بهذه الطريقة ننقذ المعنى من قالب الحذاء الصيني الذي يحرمه من جمالية التنامي والنشاط والتجدد.
لم نلحظ أن ناصفاً كان يهرب من صعوبة المعنى مثلما فعل بعضهم. ما كان يهرب منه هو الوقوع في تفسيرات أو تأويلات يقتفي فيها أثر القدماء، وربما لهذا انطبعت تحليلاته بشيء من الصعوبة وعدم الوضوح ومهما يكن فرؤيته للأبيات تظل متميزة عن غيرها سواء في القديم أو الحديث.

(9) وفي مبحث عن ((أساليب التقويم الفني للصورة، واختلافه بين البلاغيين العرب)) من كتاب ((الصورة البلاغية عند عبدالقاهر الجرجاني)) تناول أبيات كُثير كذلك الدكتور أحمد علي دهمان، ولكن تناوله لم يفرده برؤية مستقلة عن القدامى، اللهم إلا اختلاف المصطلحات والألفاظ. يرى (دهمان) – مثلاً – أن الأبيات ((تشكل صورة لموقف وجداني، أو تجربة تسير في موكب متحرك يؤثر في المتلقى، ويعبر عن انفعال نفسي عند الشاعر، فهي وصف لحالة شعورية))[194] هذا نموذج أو شيء مما قاله عن الأبيات. وبقية ما قاله لم يخرج به بعيداً عن هذا فهو يركز على ما في الأبيات من صور خيالية وحركة ومعانٍ شعورية، وكل هذه كما قلنا صرح بها أو أشار إليها النقاد الأقدمون. وعلى هذا نستطيع أن نكرر القول بأن أحمد دهمان – مثله مثل بعض المعاصرين – اقتفى أثر القدامى في النظر إلى أبيات كُثير.

(10) وربما يكون الدكتور شكري فيصل هو آخر من أعلمه تناول أبيات كُثير في النقد الحديث وتناوله جاء في إطار محاضرة[195] استعرض فيها مواقف بعض النقاد القدامى والمعاصرين منها. ومن تقويمه للأبيات وأحكامه عليها أنها أبيات ((مثيرة للوجدان ومثيرة للأذهان... وأنها رسمت موقفاً إنسانياً خالداً))[196] أو أن تجربتها (كما قال في موضع لاحق) ((تجربة إنسانية رفيعة))[197] وأن قراءتها كاملة (على أنها خمسة أبيات كما رواها صاحب زهر الآداب) ((لا تترك مجالاً للشك في أن صاحبها لم يكن يفكر في أهل ووطن بقدر ما كان يفكر في غزل وأحبة))[198].
شكري فيصل في هذه الأحكام أو هذا النوع من التقويم لا يبتعد عن أجواء النقد الانطباعي. ومهما تكن درجة انطباعية هذا النقد، فهي لا تخدش شيئاً من صدقه فجل ما قاله فيصل عن الأبيات حق وصائب غير أن ملاحظتنا الرئيسة هي أن النقاد والقدماء قالوا هذا أو نحواً منه،. وإن كان بعبارات ومصطلحات مختلفة. ولا يضير النقاد المحدثين أو كرروا هذه الأحكام فهي من نوع الانطباعات النقدية المشتركة لكن ما يضير هو أن نكرر هذا ثم لا نضيف إليه رؤى نقدية أخرى،. لهذا فمن حق ناقدنا أن نسجل له لفته نقدية جيدة أضافها وهو ينتقد موقف ابن قتيبة من الأبيات ونثره وإياها نثراً ((قتل به – كما يقول فيصل – حس الحركة حين قال (ابن قتيبة) ولم ينظر بعضنا بعضاً، مقابل قولة الشاعر: ولم ينظر الغادي الذي هو رائح))[199] ونقول لفتة نقدية جيدة لأننا حين نقارن بين عبارة؛ لم ينظر بعضنا بعضاً (نثر ابن قتيبة) وعبارة: ولم ينظر الغادي الذي هو رائح (شعر كُثير) نلاحظ – حقاً – انطفاء الحركة في عبارة ابن قتيبة بل انطفاء الحركة حتى من العيون. ابن قتيبة قيد القوم وشل أبصارهم إطلاقاً. أما عبارة كُثير فالحركة فيها متقدمة ونشطة في صورة أو بسبب صورة الغادي والرائح، كما احتفظت العيون أيضاً بحركتها فالنظر لم يتوقف إلا من الغادي إلى الرائح، أما إلى بقية القوم فبث النظرات أو إرسالها مستمر. وغير هذه اللفتة هناك تأكيده (فيصل) – كما ذهب بعض النقاد القدامى والمعاصرين – بأن المعاني لا ترد مجسمة دائماً فقد تأتي في شكل إيحاءات ورموز وهالات وظلال[200] فهذه وجهة نقدية تثري المحتوى الشعري وتوسع دائرته.

خاتمة ورؤية:
لعل ما انتهينا إليه تتبع لا يخلو من التحليل والتقويم لنظرة النقاد العرب القدماء والمعاصرين إلى أبيات كثير. عند القدماء تعرفنا نظرتين نقديتين متضادتين تجاه هذه الأبيات. إحداهما – كما قلت – لا ترى لمعناها كبير فائدة بالقياس إلى ما فيها من ألفاظ. وفي هؤلاء من ينتصر – بوضوح – للألفاظ ويرى أنها وراء العمل الأدبي المعجب الجميل مثلما صنع أبو هلال العسكري حين استشهد بالأبيات. وأخراهما ترى سر جمالها ليس في ألفاظها فقط وإنما في المعاني التي وراء هذه الألفاظ. وأصحاب هذه يجنحون إلى المعاني في إطار الخلاف حول قضية اللفظ والمعنى في النقد العربي. ولقد نجح هؤلاء بطرق فنية في اكتشاف معانٍ للأبيات غير أنها ليست من جنس تلك المعاني التي ترضي أذواق أولئك الذين ضيقوا دائرتها رغم رحابتها المتسعة كل نبضة أو خلجة في قلب الحياة. كلتا هاتين الرؤيتين – على ما لاحداهما من إضاءات نقدية لافته – تفصلان بين الشكل والمضمون في العمل الشعري حتى لقد شوش هذا الفصل على أذهان بعض النقاد الذين تعرفنا مواقفهم فانحجبت دونهم أكثر من نقطة مضيئة في أبيات كثير كان ينبغي ألا تخطئها عين النقد. ولهذا رحبنا بتلك النظرة النقدية القديمة الثالثة، فقد جاءت متميزة برفضها الفصل بين اللفظ والمعنى عند تناولها أبيات كُثير، ونعني نظرة عبدالقاهر الجرجاني الذي يُرجع سر جمال القول إلى النص بوصفه بناء فنياً يتكامل فيه الشكل والمضمون ويتلاحمان وذلك تحت مظلة نظرية النظم التي تبلورت عنده. ورغم اختلاف هذا الناقد مع ابن جني في محط الانطلاق نحو رؤية الأبيات فإن بينهما بَعْد هذا المحط اتفاقات من خلالها يلتقيان مع الأسلوبيين أو يلتقي معهما الأسلوبيون في غير واحدة من سمات النقد الأسلوبي. ولقد وقفنا فيما مضى على نقاط من هذا التشابه بين هذين الناقدين إلا أن محاورة نص كثير استهدافاً لاكتشاف مكوناته وعلاقته تبقى إحدى النقاط الفاعلة، بل لعلها المحط الرئيس الذي انطلقت منه رؤاهما النقدية. أما عند المعاصرين فقد بدأ في رؤيتهم الأبياتَ كثير من التشابه والتداخل. ولم يتجل فيها شيء من التميز والتفرد سوى عند القليل منهم. وقد وقفنا عند هؤلاء وأبرزنا ما رأيناه تفرداً وتميزاً في تناولهم. أما الباقون فقد تحدثوا عن أشياء مثل العواطف والصور والحركة وهذه أشياء تحدث عنها القدماء بشكل ما.

هذا ملخص نظرة النقاد العرب معاصرين وقدماء إلى أبيات كثير. وهي نظرة تشكلت عمقاً وشمولاً وتنوعاً بقدر ما لدى كل ناقد من ذوق وفكر وذكاء، ورغم ما فيها عند بعض النقاد من هنات إلا أن فيها إثراء واضحاً للتجربة النقدية العربية. فيها دليل مسار للناشئين، وفيها استخلاص نتائج للآخرين.
لم يختلف النقاد إطلاقاً حول جمال أبيات كثير. نقطة الخلاف هي منشأ هذا الجمال، ولا نريد أن نكرر شيئاً قلناه في حينه، لكنا نحب أن نوضح، أو نؤكد على أشياء ربما أشار إلى بعضها المعاصرون والأقدمون. فالأبيات جميلة لأنها تعبر عن تجربة، ولأنها تثير انفعالات وتداعب مشاعر وتلمس برفق أكثر من جانب للذكريات. والأبيات جميلة لأن في عفويتها وبساطتها من العمق ما جعل لسان أكثر من متلق وناقد رطباً بذكرها وما أغرى بها أكثر من ناقد لتجسيد أسرار هذا الجمال، لكن بعض النقاد – مثل ابن قتيبة ومن وقف موقفه – تخدعهم هذه البساطة وهذه العفوية عن ما في الأبيات من مضمونات وتجارب فيرجعون سر جمالها إلى اللفظ. وهي هذه البساطة التي تجعل الأبيات تعانق المتلقي بلباقة متناهية إلى حد إمحاء سلطة كاتبها. والأبيات مجرى لأكثر من لون في حياة العربي: فمِنَى والأركان – كما أشار بعض النقاد القدامى – لفظتان ذواتا بُعدٍ روحاني مريح، كما أن لمِنَى بُعداً آخر ذا مشاعر من نوع خاص. والمهاري أو المطي: كلمتان غارقتان في نهر الحياة الاجتماعية والاقتصادية والاتصالية. بل إنهما رمز للترحال الذي يقف معلماً من معالم حياة العربي ونقطة في خريطة همومه. وسالت والأباطح: لفظتان شهيتان. بل إنهما يفتحان شهية الحياة بالمطر الذي ترمزان إليه، والمطر دون شك ذو شأن خطير وجليل ولطيف في حياة العربي أما أطراف الأحاديث فهي عبارة ودية حنون ابتعدت عن الرسمية فاكتسبت نكهة خاصة وطعماً فريداً ينعشان الجو النفسي ويشيعان فيه غير قليل من النداوة ويكفي أن قلوباً أنضجتها القروع نقعت بهذه الأحاديث فاشتفت.

في أبيات كثير الخمسة حسب رواية ((زهر الآدب))[201] يجيء الفعل مقابل الصفة أحد المظاهر التعبيرية الرئيسة بل إن الأبيات – إما بوصفها جملاً شعرية أو بما فيها من جمل شعرية – تتكئ على الفعل والصفات لم تَرِدْ فيها إلا مرتين (منضجات قرائح) وهذا يبدو انحرافاً جديراً بأن يُعد خاصة أسلوبية لأنه كثَّفَ أدبية النص وبالتالي شعريته إذا نحن استأنسنا بمعادلة بوزيمان (نسبة إلى العالم الألماني أ. بوزيمان a.busemann) وأساس هذه المعادلة هو أن تمييز العددية للفعل مقابل الصفة تُعد ((دالاً على أدبية الأسلوب؛ فكلما زادت كان طابع اللغة أقرب إلى الأسلوب الأدبي))[202] لأن الفعل (الحدث) رامز إلى تفاعل الشاعر مع مضامين النص وانفعاله بها، وإلى درامية النص نفسه. وغير هذه القيمة العددية للفعل نلاحظ مجيئه في جميع الأبيات في صورة الماضي إما مباشرة أو بإدخال لم على الفعل المضارع لم تختلط الأزمنة بشكل عشوائي في النص. ولم يحدث ما يمكن أن يعد تحولاً زمنياً من الماضي إلى الحاضر مثلاً. ومهما تكن المصادفة أو متطلبات الإِيقاع قد أسهمت في هذه الخاصة، فإن شيئاً ما في إطار تفاعل الشاعر مع تحربته قد أسهم هو الآخر فيها. تَحرُّك الزمن على هذه الصورة يأتي واضحاً إلى درجة نتخيل عندها أن الشاعر. يلح عليه إلحاحاً. فهل هو إشارة إلى تعلق الشاعر أو إحساسه أكثر بهذا الزمن الماضي وارتباطه به؟ ربما، فهو يقص تجربة حلوة الأحداث والذكريات لكن في قص التجربة والتلذذ بذكرها – أحياناً – شيئاً غير هذا هو التطلع والتوق إلى تكرارها، أي إلى المستقبل. ومن هنا لا تبدو ((ولما قضينا)) حاملة أشياء الأمس فقط وإنما ظلال الغد أيضاً.
وكلمة أحاديث بمتعلقاتها تبدو إحدى الكلمات المضيئة في النص وإحدى شفراته. وتكرارها في البيت الرابع ((نقعنا قلوباً بالأحاديث)) يعطي مؤشراً إلى أخذها دور المنَفَّس لتراكمات عاطفية. إنها البلسم الشافي، ومن هنا انتقاء كلمة ((نقعنا)) المضيئة أيضاً. فالقلوب منضجات قرائح لا يُجدي فيها إلا النقع في الأحاديث حتى تتشربها ثم لا يُخشى بعد هذا ريبُ الزمان. الأحاديث هنا لقاح ضد أي اعتلال عاطفي.
شيء آخر نلحظه في هذه الأبيات الخمسة، وهو هذه الحاءات التي تفرش أرضيتها، نجدها في الصدور كلها وفي الأعجاز، فهل ساهم هذا في خلق توازن إيقاعي متموج في الأبيات؟ نعم. والحاء حرف هادئ ونحسب أنه بانتشاره في الأبيات ساعد على أن يكون وقعها على المتلقي وتقبله إياها حسناً. إن انتشار حرف الحاء. وإن انتشار الأفعال في صورة الماضي منحت الأبيات غير قليل من موسيقاها الداخلية التي ألقت كثيراً من ظلالها على موسيقاها الخارجية فانسابتا هادئتين.

ثم إن الأبيات تتحرك في فضاء قصصي يقترب كثيراً من الحكاية؛ فالإِشارة العابرة، واللمحة السريعة، والرمز الخفي، والخصائص الدرامية المتمثلة في الحركة المنتشرة في رقعة الأبيات، كل هذه أشياء تعطي طعم الحكاية ونكهتها. وأحسب هذا إحدى بُنى النص أو وحداته التي منحته بساطته اللاذَّة، وعفويته الجميلة المريحة، وأحسب – أيضاً – أن تحرك الأبيات في فضاء كهذا هو مما قادها إلى صيغة الإِخبار؛ إذ الملاحظ أن الفعل الدال على الزمن الماضي هو المستخدم في الأبيات، فالحكاية هنا سردية لا يتردد فيها إلا صوت واحد ولكنه ليس صوت المتكلم وإنما المتكلمين ((نا)) وأحسب هذا – مرة ثالثة – أكسب الأبيات ((شعبيتها)) ومنحها ألفة واقتراباً لدى متلقيها حين لم يلحظ ذاتية متمركزة تخلق تزايلاً من نوع ما. والحكاية (هنا ليست من ذوات الحبكة والتأزم، ومع هذا نجد إحساساً بأن ((أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا)) قامت بفعل انفراجي لتأزم نفسي ليس حاداً وليس مَرَضياً، ولا تقوله الأبيات ولكنها توحي به..

المصادر والمراجع
1 - الأساليب الشعرية. إبراهيم العريض. دار مجلة الأديب 1950م.
2 - الأسلوب. دراسة لغوية إحصائية. د/ سعد مصلوح. دار الفكر العربي ط2 – 1404هـ - 1984م.
3 - الأسلوبية.. والبيان العربي. د. محمد عبدالمنعم خفاجي وآخرون – الدار المصرية اللبنانية. الطبعة الأولى 1412هـ - 1992م.
4 - أسرار البلاغة. الإِمام عبدالقاهر الجرجاني. دار المعرفة. بيروت – لبنان 1402هـ - 1982م.
5 - أسس النقد الأدبي عند العرب. د. أحمد بدوي. مكتبة نهضة مصر الطبعة الثالثة 1964م.
6 - أصول النقد الأدبي. أحمد الشايب. مكتبة النهضة المصرية – القاهرة الطبعة الخامسة 1374هـ - 1955م.
7 - إعجاز القرآن. لأبي بكر محمد بن الطيب الباقلاني. تحقيق السيد أحمد صقر، دار المعارف الطبعة الخامسة.
8 - البلاغة والأسلوبية. د/ محمد عبد المطلب. الهيئة المصرية العامة للكتاب – 1984م.
9 - بناء القصيدة في النقد العربي القديم. د/ يوسف حسين بكار. دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع الطبعة الثانية 1403هـ - 1983م.
10 - البنيوية في الأدب. روبرت شولز. ترجمة: حنا عبود. اتحاد الكتاب العرب 1984م.
11 - تاريخ النقد الأدبي عند العرب (نقد الشعر من القرن الثاني حتى القرن الثامن الهجري) د/ إحسان عباس. دار الأمانة – مؤسسة الرسالة. الطبعة الأولى 1391هـ - 1971م.
12 - تاريخ النقد العربي إلى القرن الرابع الهجري جـ1، د/ محمد زغلول سلام. دار المعارف بمصر.
13 - تلخيص كتاب أرسطو طاليس في الشعر. أبي الوليد بن رشد. تحقيق وتعليق الدكتور محمد سليم سالم. القاهرة 1391هـ - 1971م.
14 - الحيوان جـ3.. لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ. تحقيق فوزي عطوي. دار صعب، بيروت – الطبعة الثالثة 1402هـ - 1982م.
15 - الخصائص جـ1. لأبي الفتح عثمان بن جني. دار الهدى للطباعة والنشر، بيروت - الطبعة الثالثة.
16 - الخصومة بين القديم والجديد في النقد العربي القديم. د/ البسيوني أحمد منصور مكتبة الفلاح الطبعة الأولى 1401هـ - 1983م.
17 - دراسات في النقد العربي. د/ وليد قصاب. دار العلوم للطباعة والنشر – الرياض الطبعة الأولى 1403هـ - 1983م.
18 - دراسات في نقد الأدب العربي من الجاهلية إلى غاية القرن الثالث. د/ بدوي طبانة دار الثقافة – بيروت، الطبعة السادسة 1394هـ - 1974م.
19 - دلائل الإِعجاز. الإِمام عبدالقاهر الجرجاني. دار المعرفة للطباعة والنشر. بيروت – لبنان 1402هـ - 1981م.
20 - ديوان حسان جـ1 ص430 تحقيق د/ وليد عرفات. دار صادر – بيروت 1974م.
21 - الشعر والشعراء جـ1. أبي محمد عبدالله مسلم بن قتيبة تحقيق أحمد محمد شاكر، دار المعارف بمصر 1966م.
22 - الشعر والفنون الجميلة. إبراهيم العريض، دار المعارف بمصر.
23 - شكل القصيدة العربية في النقد العربي حتى القرن الثامن الهجري. د/ جودت فخر الدين، دار الأدب، الطبعة الأولى نوفمبر 1984م.
24 - صبح الأعشى جـ2. أبي العباس أحمد بن علي القلقشندي.
25 - الصورة البلاغية عند عبدالقاهر الجرجاني جـ2. د/ أحمد علي دهمان. دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر. الطبعة الأولى 1986م.
26 - العقد الفريد جـ6. الفقيه أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي. تحقيق د/ عبدالمجيد الترحيني. دار الكتب العلمية – بيروت. الطبعة الأولى 1404هـ - 1983م.
27 - علم الأسلوب: مبادئه وإجراءاته. د/ صلاح فضل. دار الآفاق الجديدة – بيروت. الطبعة الأولى 1405هـ - 1985م.
28 - العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده جـ1. لأبي الحسن بن رشيق القيرواني الأزدي. تحقيق محمد محي الدين عبدالحميد. دار الجبل – بيروت - لبنان الطبعة الرابعة 1972م.
29 - عيار الشعر. محمد بن أحمد بن طباطبا العلوي. تحقيق د/ طه الحاجري ود/ محمد زغلول سلام المكتبة التجارية الكبرى – القاهرة 1956م.
30 - كتاب الصناعتين. لأبي هلال الحسن بن عبدالله بن سهل العسكري. تحقيق د/ مفيد قميحة. دار الكتب العلمية – بيروت. لبنان جـ2 الطبعة الأولى 1401هـ - 1981م.
31 - المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر. تحقيق د/ أحمد الحوفي ود/ بدوي طبانة مكتبة نهضة مصر الطبعة الأولى 1379هـ - 1959م.
32 - محاضرات النادي الأدبي الثقافي بجدة – المجموعة الثالثة. الطبعة الأولى 1407هـ - 1986م.
33 - مراجعات في الأداب والفنون. عباس محمود العقاد. دار الكتاب العربي – بيروت الطبعة الأولى 1966م.
34 - مشكلة السرقات في النقد العربي. محمد مصطفى هدارة. مكتبة الأنجلو المصرية – 1958م.
35 - من الوجهة النفسية في دراسة الأدب ونقده. محمد خلف الله. مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر سنة 1947م.
36 - نظرية المعنى في النقد العربي د/ مصطفى ناصف. دار الفكر العربي. الطبعة الثالثة 1959م.
37 - نقد الشعر. لأبي الفرج قدامة بن جعفر. تحقيق وتعليق د/ محمد عبدالمنعم خفاجي. مكتبة الكليات الأزهرية. الطبعة الأولى 1400هـ - 1980م.
38 - النقد المنهجي عند العرب. د/ محمد مندور. دار نهضة مصر – القاهرة.
39 - الوساطة بين المتنبي وخصومه. القاضي علي بن عبدالعزيز الجرجاني. تحقيق وشرح محمد أبي الفضل إبراهيم وعلي محمد البجاوي. مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه.
ــــــــــــــــــــــ
[1]  المسائح: شعر جوانب الرأس.
[2]  الخوص: الابل الغائرة العيون. والمراسيل: المسرعات. والصفاح: جمع صفح، وهو مضطجع الجبل، والصحاصح: جمع صحصح، وهو المكان المستوي الواسع.
[3]  المذكور ص64.
[4]  السابق ص66.
[5]  السابق ص66، 67.
[6]  يكاد النقاد العرب القدامى يتفقون على أن المطالع هي أوائل الأبيات وأن المقاطع أواخرها ولمزيد من المعرفة يرجع إلى العمدة لابن رشيق جـ1 ص215 تحقيق: محمد محي الدين عبدالحميد ط4 – 1972م.
[7]  يرى هذا – أيضاً – الدكتور إحسان عباس في (تاريخ النقد الأدبي عند العرب)، ص107.
[8]  انظر كتاب الصناعتين ص73- 74.
[9]  انظر مشكلة السرقات في النقد العربي ص197.
[10]  السابق ص197.
[11]  السابق، ص197.
[12]  في الشواهد والتعليقات عليها يرجع إلى الصفحات: 64، 65، 66، 68 من كتاب الشعر والشعراء. جـ1.
[13]  يرجع إلى:
- محمد مندور في (النقد المنهجي عند العرب ص33).
- البسيوطي أحمد منصور في (الخصومة بين القديم والجديد في النقد العربي القديم ص282).
- يوسف حسن بكار في (بناء القصيدة في النقد العربي القديم ص129).
- جودت فخر الدين في (شكل القصيدة العربية في النقد العربي ص85).
[14]  الشعر والشعراء جـ1 ص63، 64.
[15]  المصدر السابق، ص67.
[16]  المصدر السابق، ص67.
[17]  الشعر والشعراء، جـ1 ص68.
[18]  دراسات في النقد الأدبي، ص54.
[19]  العقد الفريد جـ6 ص240.
[20]  عيار الشعر/ ص83.
[21]  انظر تاريخ النقد العربي جـ1 ص173.
[22]  عيار الشعر، ص84.
[23]  السابق ص84، 85.
[24]  السابق، ص7.
[25]  المصدر السابق، ص15.
[26]  المصدر السابق، ص12.
[27]  يرجع في هذه الشواهد إلى ص: 83، 84، من المرجع السابق.
[28]  في هذه الشواهد، يرجع إلى ص88، 89، من المصدر السابق.
[29]  السابق، ص17.
[30]  السابق ص84، 85.
[31]  السابق، ص83.
[32]  محاضرات النادي الأدبي الثقافي بجده – المجموعة الثالثة – 1407هـ/ 1986م. محاضرة أدب ونقد، ص35.
[33]  السابق، ص85.
[34]  في الشواهد يرجع إلى السابق، ص85.
[35]  نقد الشعر، ص74.
[36]  انظر السابق، ص77.
[37]  السابق، ص65، 66.
[38]  انظر السابق ص65- 66.
[39]  انظر الصناعتين، ص73.
[40]  السابق، ص72.
[41]  الحيوان، جـ3، ص444.
[42]  الصناعتين، ص82.
[43]  انظر السابق، ص72.
[44]  انظر السابق، ص75.
[45]  السابق، 72.
[46]  السابق، ص84.
[47]  السابق، ص89.
[48]  الألهوب: شدة الجري، والدرة: شدة الدفع، والأخرج: الظليم، والمهذب: المسرع.
[49]  السابق، ص89.
[50]  المصدر السابق، ص90.
[51]  المصدر السابق، ص112.
[52]  المصدر السابق، ص112، 113.
[53]  الغطامط: الصوت، والهجارس جمع هجرس، وهو القرد والثعلب، وقيل ولده والدب، وقيل: كل ما يعسعس بالليل دون الثعلب وفوق اليربوع. والويار: جمع وبرة، حيوان كالسنور.
[54]  الصناعتين، ص135.
[55]  الديوان، جـ1، ص430، تحقيق د. وليد عرفات. دار صادر، بيروت، 1974م.
[56]  الصناعتين، ص73.
[57]  السابق، ص73.
[58]  السابق، ص73.
[59]  السابق، ص73.
[60]  السابق، ص73، 74.
[61]  شكري فيصل في ((محاضرات النادي الأدبي الثقافي بجدة)) المجموعة الثالثة، ص40.
[62]  انظر الصناعتين ص69.
[63]  إعجاز القرآن ص221.
[64]  المصدر السابق، ص222.
[65]  ينظر في هذا ((صبح الأعشى))، جـ2، ص210. وما بعدها.
[66]  المصدر السابق ص210.
[67]  انظر الجزء الأول ص215.
[68]  انظر السابق، ص215.
[69]  المصدر السابق، ص217.
[70]  المصدر السابق، ص217، 218.
[71]  السابق، ص218.
[72]  السابق، ص218.
[73]  أنضيناها: فرغنا منها.
[74]  السابق، ص219.
[75]  ميعة: يريد قوته. والصليب: الشديد.
[76]  السابق والصفحة.
[77]  انظر لهذه الشواهد. ص219- 220، من المصدر السابق.
[78]  عوذ، مفردها عائذ: الحدثة النتاج. ومطافل، مفردها مطفل: ذات الولد.
[79]  نسبها أحدهم إلى الراعي. انظر هامش (3)، ص29، ن المصدر السابق.
[80]  هو العباس بن الأحنف.
[81]  هو ابن الرومي.
[82]  الخصائص، جـ1، ص220.
[83]  انظر في هذه النقطة ص28 وما بعدها، من المصدر السابق.
[84]  السابق، ص220.
[85]  السابق، ص220.
[86]  انظر السابق، ص220.
[87]  انظر البنيوية في الأدب، ترجمة: حنا عبود، ص167.
[88]  المثل السائر، ص69.
[89]  السابق، ص69.
[90]  السابق، ص20.
[91]  السابق، ص69.
[92]  دلائل الإعجاز، ص279.
[93]  السابق والصفحة.
[94]  نستطيع أن نستقرئ من قوله هذا أنه لا يعد الوزن معياراً جوهرياً لشعرية الشعر. ويعزز ما استقرأناه ما جاء في دلائل الاعجاز أيضاً ص20، فقد قال في فصل عقده للكلام على من زهد في رواية الشعر وحفظه، وذم الاشتغال بعمله وتتبعه: ((فإن زعم أنه إنما كره الوزن لأنه سبب لأن يُغنَّى في الشعر ويتلهى به، فإنا إذا كنا لم ندعه إلى الشعر من أجل ذلك وإنما دعوناه إلى اللفظ الجزل، والقول الفصل، والمنطق الحسن... فلا متعلق له علينا بما ذكر، ولا ضرر علينا فيما أنكر. فيقل في الوزن ما شاء، وليضعه حيث أراد فليس يعنينا أمره، ولا هو مرادنا من هذا الذي راجعنا القول فيه))...
[95]  السابق، ص196، 197.
[96]  انظر من الوجهة النفسية في دراسة الأدب والنقد، ص77.
[97]  انظر مشكلة السرقات في النقد الأدبي، ص1، 2، 2، 2.
[98]  انظر دلائل الإعجاز، ص43.
[99]  انظر أسرار البلاغة، ص5.
[100]  السابق، ص5.
[101]  دلائل الإعجاز، ص51.
[102]  السابق، ص194.
[103]  السابق، ص198.
[104]  السابق، ص198.
[105]  انظر دلائل الإعجاز، ص38.
[106]  يقول: ومما يشهد لذلك أنك ترى الكلمة تروقك وتؤنسك في موضع، ثم تراها بعينها تثقل عليك وتوحشك في موضع آخر، كلفظ الأخدع في بيت الحماسة:
تلفَّتَّ نحو الحي حتى وجدتني
وجعت من الإِصغاء ليتاً وأخدعا
الليت: صفحة العنق، والأخدعان: عرقان في جانبي العنق قد خفيا) وفي بيت البحتري:
وإني وإن بَلّغتني شرف الغنى
وأعتقت من رق المطامع أخدعي
فإن لها في هذين المكانين مالا يخفى من الحسن. ومن أعجب ذلك لفظة (( الشيء )) فإنك تراها مقبوله حسن في موضع وضعيفة مستكرهة في موضع، وإن أردت أن تعرف ذلك فانظر إلى قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي:
ومن ماليء عينيه من شيء غيره
إذا راح نحو الجمرة البيض كالدمُّى
وإلى قول أبي حية:
إذا ما تقاضى المرء يوم وليلة
تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا
فإنك تعرف حسنها ومكانها من القبول.
[107]  دلائل الإِعجاز، ص39، 40.
[108]  السابق، ص45.
[109]  السابق، ص41.
[110]  قضايا النقد الأدبي المعاصر ص325.
[111]  دلائل الإعجاز ص43.
[112]  انظر السابق، ص40.
[113]  انظر السابق، ص378.
[114]  السابق، ص194.
[115]  السابق، ص198.
[116]  شرح هذا في موضع دلائل الاعجاز ص51، فقال: ((لفظ متمكن)) يريدون أنه بموافقة معناه لمعنى ما يليه كالشيء الحاصل في مكان صالح يطمئن فيه ((ولفظ قلق ناب)) يريدون أنه من أجل أن معناه غير موافق لما يليه كالحاصل في مكان لا يصلح له فهو لا يستطيع الطمأنينه فيه – إلى سائر ما يجيء صفة في صفة اللفظ مما يعلم أنه مستعار له من معناه، وأنهم نحلوه إياه بسبب مضمونه ومؤاده.
[117]  دلائل الإعجاز. ص368.
[118]  الصورة الشعرية والنظم والصياغة تعني – فيما يبدو – شيئاً واحداً عند عبدالقاهر، وانظر: دراسات في النقد الأدبي، الحلقة الأولى، ص292، لمحمد عبدالمنعم خفاجي، ط1.
[119]  انظر مشكلة السرقات في النقد العربي، ص203.
[120]  دلائل الإِعجاز، ص368.
[121]  انظر السابق، ص197.
[122]  انظر البنيوية في الأدب لروبرت شولز، ترجمة: حنا عبود، ص163، 164.
[123]  وصمه ابن عبد ربه – قبل الجرجاني – في العقد الفريد، جـ6، ص238، بسوء النظم والتأليف، ثم شرحه بقوله: ((معناه: ما مثل هذا الممدوح في الناس إلا الخليفة الذي هو خاله، فقال:
أبو أمه حي وأبوه يقاربه
فبعد المعنى القريب، ووعر الطريق السهل، وليس المعنى بتوعر اللفظ وقبح البنيه حتى ما يكاد يُفهم)).
[124]  أسرار البلاغة، ص15.
[125]  السابق، ص15.
[126]  أورد منها ثلاثة الأبيات المشهورة، انظر ص16 من أسرار البلاغة.
[127]  أسرار البلاغة، ص16.
[128]  انظر أسرار البلاغة، ص16.
[129]  السابق، ص16.
[130]  انظر السابق، ص17.
[131]  عيار الشعر، ص84.
[132]  السابق، ص17.
[133]  السابق، ص17.
[134]  انظر الصفحات: 60، 228، 229.
[135]  انظر أسرار البلاغة، ص17.
[136]  انظر دلائل الإِعجاز، ص60.
[137]  انظر السابق، ص229.
[138]  انظر السابق، ص60.
[139]  انظر أسرار البلاغة، ص17.
[140]  السابق، ونفس الصفحة.
[141]  السابق، ونفس الصفحة.
[142]  انظر السابق، ص18.
[143]  
[144]  انظر ص35، 39.
[145]  تعرضنا للاختلاف في نسبة الأبيات في أول البحث.
[146]  الوساطة: ص35، 39.
[147]  دلائل الاعجاز، ص70.
[148]  تلخيص كتاب أرسطو في الشعر ص149.
[149]  السابق، ص150.
[150]  السابق، ص151.
[151]  استخدم عبدالقاهر لفظة ((الأسلوب)) في موضوع واحد – حسب علمي – من كتابه (دلائل الإِعجاز ص361) ويُعَرِّفه بأنه ((الضرب من النظم والطريقة فيه)) وما يبدو هو أن عبدالقاهر في الجزء الأول من التعريف يُقرِّب مفهوم الأسلوب من مفهوم النظم، ولهذا ربط الدكتور شفيع السيد بينهما وقال في كتابه (الاتجاه الأسلوبي في النقد الأدبي ص22): ((فالأسلوب إذن عنده (عبدالقاهر) بمعنى النظم، وما يصدق على أحدهما يصدق على الآخر، وكلاهما يحل محل صاحبه، ويتبع ذلك بالضرورة أن ما قاله عبدالقاهر بشأن ((النظم)) التي آثرها في الاستخدام)) هذا ما يراه الدكتور شفيع وما يوحي به الجزء الأول من تعريف عبدالقاهر للأسلوب لكن الجزء الثاني من التعريف بعد الأسلوب هو الطريقة التي توصل إلى النظم بوصفه الصورة النهائية للنص المبدع. وسواء فهمنا الأسلوب – هنا – على أنه النظم أو طريقته – فلن يؤثر هذا على ما يبدو أنه معالم أسلوبية في نقد عبدالقاهر.
[152]  انظر الخصائص، جـ1 ص220.
[153]  انظر البلاغة والأسلوبية، ص49. وفي بعض ما أشرت إليه من سمات أسلوبية استفدت – أيضاً – من:
- الاتجاه الأسلوبي في النقد الأدبي/ شفيع السيد.
- الأسلوبية.. والبيان العربي/ محمد عبدالمنعم خفاجي وآخرون.
- علم الأسلوب/ صلح فضل.
[154]  يُرجع إلى آخر المبحث الخاص به رقم (4).
[155]  انظر ص124، من المرجع المذكور.
[156]  انظر السابق، ص195.
[157]  السابق، ص195.
[158]  السابق، ص229.
[159]  انظر السابق، ص229.
[160]  السابق، ص195.
[161]  السابق، ص229.
[162]  ص33، 34، من المرجع المذكور.
[163]  انظر السابق، ص34.
[164]  المرجع المذكور ص43.
[165]  انظر السابق، ص43.
[166]  انظر السابق، ص44.
[167]  انظر السابق، ص33.
[168]  انظر السابق، ص5.
[169]  الأساليب الشعرية، ص21.
[170]  السابق، ص21.
[171]  السابق، ص21.
[172]  السابق، ص21.
[173]  السابق، ص21.
[174]  الشعر والفنون الجميلة، ص10، 11.
[175]  السابق، ص11.
[176]  انظر السابق، ص11.
[177]  المرجع المذكور، ص221.
[178]  السابق، ص222، 223.
[179]  السابق، ص224، 225.
[180]  مراجعات في الآداب والفنون ص77.
[181]  انظر السابق، ص78.
[182]  السابق، ص79.
[183]  السابق، ص79، 80.
[184]  السابق، ص81.
[185]  المرجع المذكور ص370.
[186]  انظر المرجع نفسه ص370.
[187]  المرجع نفسه ص370.
[188]  انظر المرجع المذكور، ص95.
[189]  السابق، ص96.
[190]  السابق، ص86.
[191]  يقصد فكرة فهم الاستعارة على أساس المقارنة والمشابهة أو التناسب بين الأطراف.
[192]  نظرية المعنى في النقد العربي، ص86.
[193]  السابق، ص97.
[194]  المرجع المذكور، ص696، جـ2.
[195]  يرجع إلى محاضرات النادي الأدبي الثقافي بجدة ((المجموعة الثالثة))، ص7، والمحاضرة بعنوان ((أدب ونقد)).
[196]  السابق، ص13.
[197]  السابق، ص20.
[198]  السابق، ص54، 55.
[199]  السابق، ص40.
[200]  انظر السابق، ص39.
[201]  سبق ذكرها في المقدمة.
[202]  الأسلوب. دراسة لغوية إحصائية. ص60.


رابط الموضوع: http://www.alukah.net/literature_language/0/399/#ixzz3mb8JlBrx